شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"مش عارفين إحنا داخلين على إيه"... طعام الدواجن والأسماك والماشية تحت حصار الدولار

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الخميس 22 فبراير 202403:40 م


"فيه نقص في المواد الخام، وكل يوم بنشتري بسعر، بل كل ساعة، ما بقيناش عارفين نتفق على شغل ولا نبيع أصلاً" يبادرنا أنس نصيف، مدير شركة السعد لتجارة وتصنيع الأعلاف ما أن بدأنا حديثنا معه عن إعداد تقرير صحافي حول ندرة وارتفاع أسعار الأعلاف في مصر.

نصيف لم يضع وقتًا في انتظار أسئلتنا ومضى يحكي لرصيف22 عن معاناة مُنتجي الأعلاف في مصر في ظل تذبذب أسعار المواد الخام اللازمة للتصنيع وارتفاع أسعارها الكبيرة مع ارتفاع سعر صرف الدولار بالسوق السوداء، ووصوله إلى مستويات قياسية متجاوزاً حاجز الـ70 جنيهًا، مؤكداً أن الأزمة الراهنة التي يشهدها القطاع أسوأ من سابقتها في 2022، إذ جاءت عقب الحرب الروسية الأوكرانية، لأن المواد الخام لم تعد متوفرة هذه المرة ولم يقتصر الأمر على مجرد ارتفاع أسعارها.

"مش عارف أنا باخسر ولا باكسب!"

تظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تراجع واردات مصر من الذرة الصفراء، أهم مكونات أعلاف الماشية والدواجن، بنحو 25% خلال العام 2023، إذ إجمالي واردات الذرة الصفراء إلى مصر في العام 2023 بلغ نحو 6.3 مليون طن فقط متراجعة نحو 8.3 مليون طن في 2022، كما تراجعت واردات فول الصويا بنسبة 39% لتبلغ 83.4 مليون دولار مقابل 136.8 مليون دولار في 2022.

وتقدر احتياجات مصانع الأعلاف من الذرة بنحو 750 ألف طن شهرياً ونحو 9 ملايين طن سنوياً، وهي تمثل 60% من مدخلات صناعة العلف، ويمثل فول الصويا %30 منها، فى حين تمثل الإضافات %10 فقط. وتستورد مصر أكثر من %80 من تلك الاحتياجات سنويًا، واستوردت مصر أعلافاً للماشية بقيمة 3.9 مليار دولار خلال العام 2023 بإجمالي8.1 مليون طن.

في ظل تلك الظروف التي ازدادت سوءاً خلال العام الجاري مع ندرة توفر الدولار نفسه وارتفاع سعره مقابل الجنيه، ثم الإجراءات التشديدية التي اتخذها البنك المركزي على قبول الدولار في البنوك للإفراج عن المواد الخام المتراكمة بالموانئ، صار أصحاب مصانع الأعلاف مثل نصيف يراكمون الخسائر بسبب الانخفاض الحاد للإنتاج مع بقاء التكاليف التشغيلية من إيجارات وفواتير وأجور عمال "ورغم ذلك مكملين يمكن يتصلح الحال مش عاوزين نخسر اسمنا في السوق وبنقول نتحمل الخسائر فترة وتعدي، خصوصًا إنه في اتفاقات وعقود من قبل الأزمة. المنتج اللي بابيعه النهاردة بسعر، سعره دا ميشتريش بكرة مواد خام عشان أكمل إنتاج". 

صار أصحاب مصانع الأعلاف مثل نصيف يراكمون الخسائر بسبب الانخفاض الحاد للإنتاج مع بقاء التكاليف التشغيلية من إيجارات وفواتير وأجور عمال "ورغم ذلك مكملين يمكن يتصلح الحال مش عاوزين نخسر اسمنا في السوق وبنقول نتحمل الخسائر فترة وتعدي"

المشكلة ذاتها يعاني منها رفعت خالد، مدير مصنع الوسام للأعلاف، الذي يفاجأ بالزيادات اليومية لأسعار الأعلاف ومستلزمات إنتاجها، لكنه يضطر لبيع إنتاجه بالسعر القديم الذي اتفق عليه مع التجار، بأقل من سعر السوق الحالي، والذي يوضح أن الزيادات في أسعار الخامات رهيبة؛ حيث قفزت الذرة لتقترب من حاجز 20 ألف جنيه  للطن، ووصل سعر فول الصويا إلى 40 ألف جنيه، وهو ما انعكس سلباً على سوق الأعلاف وأدى لانخفاض الطلب وتخفيض إنتاج المصانع وتخزين العلف ورفض التجار بيعه لحين استقرار الأسعار.

يقول خالد: "المنتج اللي كنت ببيعه السنة اللي فاتت بـ 5 آلاف جنيه بقى سعره دلوقت 11 ألف و12 ألف. إحنا مش عارفين إحنا داخلين على إيه ولا فاهمين حاجة. ومش عارف إذا كنت بخسر ولاّ بكسب" يحكي رفعت الذي يمتهن تصنيع الأعلاف منذ 10 أعوام.

"المنتج اللي كنت ببيعه السنة اللي فاتت بـ 5 آلاف جنيه بقى سعره دلوقت 11 ألف و12 ألف. إحنا مش عارفين إحنا داخلين على إيه ولا فاهمين حاجة. ومش عارف إذا كنت بخسر ولاّ بكسب" يحكي رفعت الذي يمتهن تصنيع الأعلاف منذ 10 أعوام

الضرائب عبء إضافي

وكغيره من مُصنّعي الأعلاف يشكو المهندس أسامة قرني، مدير مصنع المهندس للأعلاف، عدم توفير البنك المركزي لجميع احتياجاتهم من العملة الأجنبية، لاستيراد خامات الإنتاج، وخاصة الإضافات الخاصة بإنتاج الأعلاف كالأحماض الأمينية والأملاح المعدنية، وكون الحكومة لا تعفيها من الضرائب، بحسب ما يوضح لـرصيف22، مضيفاً: "مثلاً الميثيونين وهو حمض أميني أساسي في صناعة الأعلاف، سعر الطن منه لم يتجاوز 75 ألف جنيه السنة اللي فاتت، لكن السعر وصل السنة دي إلى 430 ألف جنيه للطن، وسعر حمض الليسين كان بين 50 ألف إلى 60 ألف ووصل سعره النهارده 180 ألف للطن"، معتبراً أن هذا أحد أبرز أسباب الزيادات الكبيرة في أسعار العلف إذ وصل سعر الطن منه إلى 40 ألف جنيه، كاشفاً عن نقص الانتاج المحلي من الذرة الصفراء وفول الصويا الذي زاد بدوره من الضغط على الخامات المستوردة، لا سيما مع اقتراب موسم رمضان وازدياد حجم الطلب على الأعلاف".

هل تذكرون ليلة مصرع الكتاكيت؟

أزمة صناعة الأعلاف بدأت في العام 2022 متأثرة بالآثار الاقتصادية لجائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية التي أثرت على أسعار مكونات الأعلاف عالمياً كالذرة والقمح وفول الصويا والدريس، كما تسبب نقص الدولار وارتفاع سعره بالسوق السوداء في أزمة حجز الحاويات التي تحمل مكونات تصنيع العلف، في الموانئ المصرية، وهو ما أدى إلى نقص المواد الخام والتوقف الجزئي أو الكلي لمصانع الأعلاف المصرية عن العمل لحين الإفراج عن الحاويات، وسبب لها خسائر كبيرة، كما أدى للارتفاع الجنوني لأسعار اللحوم والدواجن ومذبحة الكتاكيت وأمهات الدواجن. وقد تابع رصيف22 الأزمة عن قرب من بدايتها.

وحتى عام 2021 كان يفي مصر 1400 مصنع للأعلاف، وقبل الأزمة كانت طاقة المصانع الموجودة ضعفَيْ الاحتياج نتيجة للاستمرار في إصدار التراخيص المستمرة لمصانع الأعلاف إلى أن وصلت طاقة الإنتاج إلى 17 مليون طن سنوياً في الوقت الذي يصل احتياج مصر فيه من 8.5 إلى 9 ملايين طن، مما اضطر بعض المصانع للعمل بنصف طاقتها وسبّب لهم خسائر كبيرة، وعلى مدار الثلاث سنوات الماضية أغلقت عدد كبير من مصانع الأعلاف ولاسيما الصغار منها، أبوابه وتوقف عن الانتاج، وكثير منها خفض طاقته الانتاجية إلى النصف أو الربع.

أعلاف الأسماك أيضاً تضررت

ويعزو المهندس أسامة قرني توقف الكثير من مصانع الأعلاف عن العمل إلى كونها كانت تعتمد في  تعاملاتها مع موردين خامات الإنتاج بنظام الدفع الآجل عبر شيكات بنكية، وتتعامل مع عملائها وفقاً للنظام نفسه، ولكن مع ارتفاع سعر صرف الدولار بالسوق السوداء أوقف الموردون هذا النظام، وبقيت رؤوس أموال المصانع في السوق ولم ينجحوا في جمعها من العملاء لشراء خامات إنتاج جديدة، وفي الوقت نفسه فتحت الحكومة الباب أمام تراخيص خلاطات ومدشات الأعلاف والتي تعمل برأس مال متواضع وعمالة وتكاليف إنتاج، مقارنة بالمصانع لذا تحولت إلى منافس يشكل خطراً على مصانع الأعلاف، متوقعاً استمرار الإغلاقات لحين خلق توازن بين العرض والطلب في السوق واستقرار سعر الدولار.

ولا تقتصر الأزمة على أعلاف الدواجن والمواشي، بل امتدت إلى أعلاف الأسماك، والتي أرجعها قرني، لكون اليمن التي كانت تستورد منها مصر مسحوق السمك بكميات كبيرة، والذي يدخل بشكل أساسي في تصنيع أعلاف الأسماك، فضلت تصدير انتاجها لدول شرق آسيا هروباً من عقبات الضرائب وحجز الأعلاف في الموانئ المصرية نتيجة نقص تدبير الدولار اللازم للإفراج عن الكميات المحتجزة.

من جهته يؤكد الدكتور خالد عبد العظيم، المدير التنفيذي لاتحاد الصناعات في مصر، أمين مجلس الاتحاد، أن هناك أزمة متعلقة بصناعة الأعلاف في مصر، وإن كان الاتحاد لم يقم بدراسة أسبابها وتفاصيلها، لكنه لا يراها بمعزل عن أزمة نقص العملة الأجنبية والفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق السوداء، في مختلف قطاعات التصنيع والتي تؤثر على توفر خامات التصنيع وأسعارها والتسعير الخاص بالمنتجات بعد التصنيع، مبيناً أن الدولة وضعت أولويات لتوفير الدولار اللازم لاستيراد المواد الخام، وخصصت ميزانية للمواد الغذائية والأدوية فقط، آملاً أن تسفر المفاوضات المصرية مع صندوق النقد الدولي عن ضخ المزيد من العملات الأجنبية لإنعاش السوق وحل الأزمة نسبياً.

تدمير قطاع الدواجن

مستلزمات إنتاج الأعلاف قفزت بشكل غير مسبوق لتقترب الذرة الصفراء من حاجز الـ20 ألف جنيه للطن ويقترب سعر طن فول الصويا من 47 ألفاً، متأثرة بسعر الدولار في السوق الموازي، وهو ما أدى لإرتفاع أسعار علف الدواجن لتراوح بين 32 ألفاً و 33 ألف جنيه بدلاً من 22 ألفاً، بشكل عصف بقطاع الدواجن وسبب قفزة كبيرة في أسعار اللحوم البيضاء والبيض؛ حيث قفزت أسعار الفراخ البيضاء لدى المزرعة من 60 جنيهاً للكيلوغرام في ديسمبر الماضي إلى 82 جنيهاً، بحسب ما يوضح عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن بغرفة القاهرة التجارية، والذي يؤكد أنه حال توفر الدولار اللازم للاستيراد لدى البنك المركزي فإن الأسعار ستنخفض بنحو 70% على الأقل.

ويكشف رئيس شعبة الدواجن عن أنه يجري الآن "تدمير قطاع الدواجن في مصر"، وأن الأزمة تفاقمت أكثر مما كانت عليه في العام 2022، لتصبح أزمة ثلاثية تتمثل في مستلزمات إنتاج الأعلاف ونقص الأمصال واللقاحات والوقود اللازم للتدفئة، وقيام قوات الأمن بإلقاء القبض على العديد من أصحاب مزارع الدواجن في الصعيد أثناء شرائهم للسولار من أجل تدفئة دواجنهم، واتهامهم بالاتجار في السولار بالسوق السوداء، مطالباً الحكومة بتخصيص حصة منه لكل مزرعة، وإدارة الأزمة واتخاذ إجراءات عاجلة تضمن للمُنتج الاستمرار وفقاً للسعر العادل.

الاكتفاء الذاتي هو الحل

ويلبي الإنتاج المحلى من الذرة الصفراء أقل من 35% من احتياجات الأعلاف في مصر، ويبلغ إجمالى المساحة المنزرعة منها بقطاع استصلاح الأراضي 153 ألف فدان، وبلغ إنتاج فول الصويا فى مصر خلال الموسم التسويقى 2022 - 2023، نحو 56 ألف طن، وقٌدّرت حجم المساحات المزروعة به بنحو 47.6 ألف فدان.

وتستورد مصر 16 مليون طن ذرة صفراء، ومن 6 إلى 8 مليون طن فول صويا، بجانب كسب عباد الشمس وأعلاف أخرى، للثروة الداجنة المٌقدرة بنحو مليار و200 مليون إلى مليار و400 مليون، والثروة الحيوانية التي تراوح بين 2 ونصف إلى 2,8 مليون رأس، بحسب الدكتور محمد فتحي سالم، أستاذ الزراعة الحيوية المستدامة بمعهد البحوث الوراثية بجامعة السادات والمستشار السابق لمنظمة الفاو بمصر، والذي يؤكد أن أزمة الأعلاف في مصر لن تُحل إلاّ بتحقيق الاكتفاء الذاتي من محاصيل الأعلاف، من خلال  تكنولوجيا جديدة تم استحداثها وتطويرها على مدار السنوات الخمس الماضية، وتعتمد على زراعة الذرة الصفراء وفول الصويا معاً داخل العروة الصيفية.

 ووفقاً لتلك التكنولوجيا فإن إنتاج الفدان سيتضاعف من 18 طن سيلاج إلى 45 طناً، وستبلغ تكلفة الطن منه 800 جنيه فقط، والسيلاج هو علف أخضر يتم حفظه عن طريق عملية التخمير ويستخدم للمواشي كعلف سهل الهضم ومرتفع القيمة الغذائية، مبيناً أنه يمكن زراعة 2 مليون فدان ذرة صفراء ومليون و200 ألف فدان فول صويا، وفقاً لتلك التقنية، وفي الوقت نفسه يتم الآن تطوير زراعة البرسيم في العروة الشتوية، لمضاعفة المحصول، عبر الزيادة الرأسية لعدد حشاته من 4: 5 لتصل إلى من 8: 10 حشات، وليصبح إنتاج الفدان 150 إلى 160 طناً بدلاً من 50 طناً، مما يؤدي لتحقيق الاكتفاء الذاتي من العلف، بحسب المستشار السابق للفاو.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard