شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
الأشواك التي منعت جدتي من أن تحبني

الأشواك التي منعت جدتي من أن تحبني

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الثلاثاء 20 فبراير 202411:30 ص

يمكنني أن أتذكّر حتى اليوم، مشاعر الغضب والسخط تجاه ما عانته والدتي من عائلة والدي، من "تهجير" من القرية، ووصمها بأنها من عائلة تختلف عنهم، فبحسب معيار القرى، تختلف المذاهب والعائلات فيما بينها، ومن أشدّ ما تعرّضت له هو تهديدها بقطع الحليب عنها من قبل بائعيه في تلك القرية التي تعتبر نائية حتى اليوم، وذلك لحملِها بـ "بنت".

منذ صغري وأنا أتمنى العيش وسط عائلة كبيرة محبّة، أتخيّل الجمعات العائلية الدافئة، أسمع من صديقاتي عن ذلك الحبّ الذي يغدقه أفراد العائلة عليهنّ، الدلال والاهتمام والهدايا، واهتمام الجدّ والجدّة، السهرات الليلية التي أسمع عنها، الأسرار التي تجمع الخالة بابنة أختها، والعمّ الذي يكون أباً أحياناً.

كلّ هذا افتقدته طوال سنين حياتي، لم يكن الأمر سهلاً، بل كان أسوأ كوابيسي، وكأنّني زهرةٌ وسط صحراء لا يقترب منها أحد، خوفاً ممّا يحيط بها، فما الأشواك التي منعت جدّتي أن تحبّني؟

أشدّ ما تعرّضت له والدتي، هو تهديدها بقطع الحليب عنها من قبل بائعيه في تلك القرية التي تعتبر نائية حتى اليوم، وذلك لحملِها بـ "بنت"

هوس بالألقاب والتصنيف

"لأنها بنت"، ما زالت كلمة جدّتي ترنّ في أذني وسط حقد أثارته تصرفاتها معي، تصرفات فردية صغيرة كشفت لي لاحقاً عن مجتمعٍ كاملٍ. مجتمع مهووس بتصنيف كل شيء، وأفراده يصنفوننا كنساء وفق أعمارنا، ألوان شعرنا، أفكارنا، طول أظفارنا، حالتنا النفسيّة والاجتماعية، فتارةً "نكديات" وتارة "حساسات" وأخرى "لئيمات"، أمّا جدتي فكانت تصفني بـ "الكهينة". كلمة تعبّر عن رأسي الكبير ولساني السّليط ورفضي الدائم لكلّ شيء، خصوصاً حين أعترض على أي فكرة أو موقف يسلَبُ حقّي كوني "بنتاً"، ويحاولُ الجميع إثبات العكس، وإن كان دون عمد.

ما زلنا نحاول الخروج من قولبة التصنيفات التي وضعنا بها المجتمع، فالقصص متشابكة جداً، والحياة فوضوية، والتجارب مؤلمة وصعبة، وقد تركت أثراً لا يمحى، فعندما يمحى الألم وتخفض الأصوات، تُنسى معاناة النساء.

المنزل بداية تجاربنا، ففيه نكتشف ذواتنا، ونرى دفء العائلة، أو شرّها، وتتولّد رؤيتنا البدائية للحياة. عندما رأيت معاملة جدّتي لوالدتي، أيقنتُ أنّ هناك فئة من النساء "ذكوريّات" عقلاً وقلباً، واكتشفتُ أنّ فهم النسوية بالنسبة لي بدأ بـحالة عاطفيّة بحتة، بمشاعر صغيرة، ونما ليصبح صراعاً لن ينتهي قريباً، وقد يطول ربما.

تخبرني صديقتي كذلك عن جدتها التي تعتبرها عبئاً عليها، وعن معاناتها الدائمة معها، والتمييز الذي تلاحظه بتصرفاتها، وعن مدى حبها ومالها الذي تهدره على ابن خالها، والتمييز الذي جعل صديقتي تعايشُ ألمها وحدها في غرفتها الصغيرة بعيدة عن أهلها، وسط تمييز وعنصرية. تقول: "كان عندها استعداد تقلعني برا البيت كرمال ابن خالي يضل، ومستعدة تدفع أموال لتساعد أي شب بالعيلة حتى لو ما عنده طموح أو عمل أو شهادة، وما كان عندها استعداد تدفع ليرة كرمال أي بنت".

نسوية نكدية!

في معدتي ألم يذكّرني طوال الوقت بالمواقف والكلمات التي ابتلعتها، فخلال جلسة مع أصدقائي، تتجدّد دائماً مواقف الشّباب ضد النّساء، فمنهم من يحاول إثبات أنه "رجل" على حدّ تعبيره، بل ويضع مقاييس الرجولة بناءً على نظرة النّساء، ويبدأ بوصمنا بسوقيّة، كـ "المتسلطة" و"المنحرفة"، لكي يصل إلى أنّنا نستخدم الرجال كمنفعةٍ شخصية، تبعاً لأهوائنا وآمالنا ومصالحنا الشخصية.

في معدتي ألم يذكّرني طوال الوقت بالمواقف والكلمات التي ابتلعتها كامرأة

لكن ليس هذا كل شيء، فبنظر أصدقائي ومن حولي، أنا "نسوية نكدية"؛ لأنني لا أجاري المقبول بحكم العادة، ولذلك ألتزم الصمت، وأحاول مصارعة ما في داخلي من ردود ستودي بنا إلى "جدل بيزنطي" لا طائل منه، فالأمر بالنسبة لهم مجرّد مزاح لا يستدعي ظهور نسويتي أو نكدي، وبالتّالي عليّ إثبات أنّني لست كذلك، فأتحمّل بهذا عبء كلامهم ومواقفهم التي يتخذونها، وبالمقابل إثبات أنني لست نكدية، فهل يجب عليّ فعلاً تبرئة نفسي؟

إذن علينا تفادي الصدام في كثير من الأمور والنقاشات والمواقف حتى لا نستنزف أو يقال عننا ما هو رائج، ففي كلّ يوم نجد أنفسنا أمام مواقف تحمل معاني ومواقف ذكوريّة، وعند الوقوف عندها نفسدُ مزاج الجميع، فنحن نحمل مسؤولية سعادة من حولنا، بغض النّظر عمّا نشعر به، وحين أعرّف نفسي على أنّني "نسوية" أجد نفسي أمام إسقاطات ونظرات مجتمعية وفردية في آن معاً، فالنسبة لهم، أنا العصبية التي لا تصمت، والتي لا تضحك على نكت عنصرية، أو مواقف ضد المرأة مهما كانت، فيقال عنّي: "هي نسوية لا تقرب عليها"، أو "ما لقيتي غير هالشغلة تشتغليها"، وقد يحاولون إظهار أنّ حقوقنا تكفينا، لا يجب التّحدث عنها، بل على الرجال المطالبة بحقوقهم، وتتجلى السخرية بكافة أنواعها، مع الإشارة إلى أننا طماعات في المطالبة بحقوق كالرجل تماماً، وهل نحن مثل الرجال؟

وتتشاكل أحياناً مع التكوين العقلي والعاطفي للمرأة، تجاه قضاياها والقضايا الأخرى، فكونك امرأة يجب عليك الصمت فقط لا غير، أو تصبحين مثيرة للشفقة، فلا يجب أن تشعري بالظّلم من مجرّد مزحة تنال من أنوثتك وعقلك، ففي تجربتي مع المواقف باتت النظرة لي بأنني "حادة الطباع" دون سبب، واشتملت تجاربي منذ الصغر، وكوني فتاة، على الشعور بالظلم تجاهي وتجاه من حولي، فالتجارب كانت بداية إحساسي بأننا كنساء لم نأخذ حقوقنا، بل على العكس، جميع من حولنا ضدنا، حتى أقرب النساء لنا، وبهذا نتوارث الضعف والظلم والخوف، وعندما نكبر يبدأ المجتمع بتحطيم ما لدينا، ونموت ونحن عاجزات.

مفرطات بالعواطف

في نظر أغلب الرجال، تتعامل النساء بمشاعرهنّ وعواطفهنّ، ونعتبر غير مهنيّات في العمل، ما يدفع الجميع للتشكيك بمشاعرنا وقيمتها، حتّى لو كانت حقيقيّة فهي لا ترقى إلى مستوى تفكيرهم وطريقة عرضهم للأمور والواقع. يردّ صديقي على موقف حصل معي عندما قلتُ إني غضبتُ من ردّة فعل شّاب معي وحظرته على وسائل التواصل جميعها: "أنتو كتير مزاجيات، قادرات تغيّروا رأيكن بالدقيقة ألف مرة، وما بتعرفوا شو بدكن غير تحبوا حدا وتنكدوا عليه، ودائماً عندكن ردّات فعل غريبة، مبنية على مشاعركن بدل عقلكن"، إذن لا يجوز لي الغضب؟

يقع علينا واجب إثبات أننا لسنا غاضبات ومجنونات، وكأنّنا في محكمة أبدية، ونحن متهمات بكل ما هو مدمّر للحياة والرجال، ومشاعر الفرح في هذا العالم المزدوج، السائد والقائم على الأحكام والصورة النمطية

أنا بالنهاية إنسانة، أغضب وأحزن وأتألم، فلماذا يجب عليّ إبقاء هذا الأمر سرّاً، فردود أفعالنا مقولبة مجتمعياً، تحتّم عليّ/نا البقاء تحت التشكيك والاستخفاف الدائم بما نمرّ به، كما تسلبُ منا حريتنا وحقنا وبذلك لا نعكّر الجو العام، ويبقى الرّجل الأول والأهم في تلك العملية التي نمرّ بها، وبدلاً من مناقشتنا لماذا تصرفنا بتلك الأفعال، ينقلب الأمر علينا، ونصبح متهمات، ويقع علينا واجب إثبات أننا لسنا غاضبات ومجنونات، وكأنّنا في محكمة أبدية، ونحن متهمات بكل ما هو مدمر للحياة والرجال، ومشاعر الفرح في هذا العالم المزدوج، السائد والقائم على الأحكام والصورة النمطية.

لا أريد أن أصبح أمي التي تنازلت وعانت بسبب تلك التقاليد التي باتت معياراً لنا على مدار السنين، والتي ستطاردنا كشبح يخيّم على ليالينا، ولا الفتاة السهلة -كما يسمونها في مجتمعاتنا.

لا أذكر متى بدأت أصبح نسوية لكنني أعرف تماماً أنني لن أسكت عن مشاعري الحقيقية ومواقفي تجاه النساء اللواتي يُنهش بأجسادهن وأرواحهن من قبل الجميع، وإن كانت بذلك السوء واللاعقلانية والسخافة، فمحاولات القمع والقولبة تبدأ بتلك التفاصيل والمشاعر، وتنتهي بأن نصبح لوحات ومجسّمات لها معايير حدّدها المجتمع الذكوري.

أريد أن أعبّر بحرية عن مشاعري دون حواجز، أريدُ لذلك الغضب أن يبوح بما يحمله من سوء، دون أن يتم قمعه أو دفنه.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard