شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
صفقة

صفقة "رأس الحكمة"... تغيّر نمط "الاستحواذ" الخليجي يثير مخاوف المصريين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 12 فبراير 202405:48 م

على الساحل الشمالي لمصر، تطلّ مدينة رأس الحكمة على البحر الأبيض المتوسط بموقعها الإستراتيجي الفريد، وقد تصاعد الجدل بشأنها خلال الأسابيع الماضية، بعد أنَّ ظلت طويلاً في عين خطط الحكومات المصرية المتعاقبة، التي لطالما أملت في استثمار موقعها الجغرافي المميز، على خلفية أنباء عن بيعها لـ"جهات سيادية إماراتية"، وتصريحات منسوبة إلى جهات رسمية عن "مخطط لتنميتها" بالشراكة مع "شركات عالمية".

وساهمت قيمة الصفقة المرتقبة، والتي قد تصل إلى 22 مليار دولار، في زيادة الجدل، إذ إنها تمثل نقلةً نوعيةً كبرى في حجم الاستثمارات الأجنبية في مصر.

وأفادت تقارير صحافية، بأن المشروع المرتقب لتنمية مدينة رأس الحكمة يتضمن إتمام اتفاقيات بين وزارة الإسكان المصرية وجهات سيادية وحكومية إماراتية عدة أبرزها وزارة المالية، لتنفيذ عقود شراكات بنظام الحصة العينية والنقدية، مع سداد الطرف الإماراتي نحو 22 مليار دولار نظير شراء أراضٍ في تلك المنطقة.

صفقة كبرى على نار هادئة

وفي السياق نفسه، أفادت تقارير منسوبة إلى جهات رسمية، بأن وزارة الإسكان انتهت من أعمال الرفع المساحي للمدينة، وبدأت بالفعل أعمال التنفيذ الرسمية ودخول المعدات إلى مواقع العمل. فيما أفادت تقارير صحافية أخرى، بأن أسهم شركتَي التنمية العقارية في مصر، المملوكة لرجل أعمال إماراتي، وشركة طلعت مصطفى، ارتفعتا بعد تقارير عن تفاوضهما للحصول على مساحات كبيرة من الأراضي لإقامة مشروعات سياحية على ساحل البحر المتوسط في مصر.

وفي الوقت الذي نفت فيه الشركة الإماراتية وجود أي أخبار جوهرية غير معلنة، قالت مجموعة طلعت مصطفى إنها تقوم بتقييم مشروع لتطوير 5،540 فداناً من الأراضي على ساحل البحر المتوسط.

من جهته، قال رئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، إن مصر تلقت عروضاً من تحالفات استثمارية دولية عدة بشأن مشروع مدينة رأس الحكمة، مضيفاً أن الاختيار وقع على تحالف إماراتي لتنفيذ المشروع، موضحاً أن قيمة الاستثمارات المبدئية قد تزيد عن 22 مليار دولار، لكنها لن تُضخّ دفعةً واحدةً.

تبلغ القيمة المحتملة لهذه الصفقة وحدها نحو ضعف حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال عام 2022، كما تتخطى قيمة رأس المال الذي تم ضخّه في أي صفقة استثمار أجنبية مباشرة في تاريخ مصر، حيث تمثّل تلك القيمة نحو ثلث حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد

فيما أفادت بعض التقارير عن مطّلعين رفضوا الإفصاح عن أسمائهم، أن المناقشات لا تزال مستمرةً، ولم يتم اتخاذ القرار النهائي، مشيرين إلى أن مصر قد تحتفظ بملكية نحو 20% من الأراضي البالغة مساحتها 180 مليون متر مربع، مضيفين أن هذه النسبة ستشمل حصةً لبعض الجهات الحكومية المصرية، بالإضافة إلى مجموعة "طلعت مصطفى" العقارية، المملوكة لهشام طلعت مصطفى، والذي أفرجت عنه السلطات المصرية بقرار جمهوري، حينما كان يقضي عقوبةً سجنية مدتها 15 عاماً بسبب إدانته في قضية قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم، والذي تحصلت مجموعته للتطوير العقاري على أراضٍ في العاصمة الإدارية الجديدة بمساحة 500 فدان، كما تستحوذ على عدد ضخم من المشروعات والشركات في البلاد، وهو يُعدّ من المتنفذين وأصحاب العلاقات الكبيرة داخل الإدارات الرسمية المصرية، وأصحاب القرار.

وتبلغ القيمة المحتملة لهذه الصفقة وحدها نحو ضعف حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال عام 2022، كما تتخطى قيمة رأس المال الذي تم ضخّه في أي صفقة استثمار أجنبية مباشرة في تاريخ مصر، حيث تمثّل تلك القيمة نحو ثلث حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد، والتي وصلت إلى 66.7 مليار دولار خلال السنوات العشر الأخيرة، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

يأتي ذلك في سياق تعزز فيه النفوذ الخليجي في الاقتصاد المصري خلال السنوات العشر الأخيرة، خاصةً السعودي والإماراتي، بعد وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الحكم وانتهاء حكم "الإخوان المسلمين" الذي لم يدُم طويلاً، توازياً مع تدفق المساعدات الكبيرة والتي تزايدت مع تصاعد الأزمة الاقتصادية.

ولكنَّ الطموح الخليجي في الأصول المصرية لم يتوقف عند ما تحقق من مكتسبات كثيرة، إذ تغيّر النهج نحو السعي إلى الاستحواذ على أصول مملوكة للدولة قبل ضخ المزيد من الاستثمارات الجديدة، بعد أن رأت دول الخليج أنَّ الإدارة المصرية أهدرت أكثر من 100 مليار دولار منذ 2013، وهو ما يعززه تقرير نشرته الفايننشال تايمز.

مخاوف حول السيادة

وبينما لم يصدر أي بيان رسمي مصري بشأن قُرب توقيع اتفاق تنمية مدينة رأس الحكمة، تداول إعلاميون مقربون من الحكومة هذه الأخبار بشكل واضح، ومنهم الإعلامي أحمد موسى، الذي أكد خلال برنامجه على وجود استثمارات أجنبية واعدة في رأس الحكمة، مشيراً إلى أن تلك الاستثمارات القادمة سوف تضخ سيولةً دولاريةً كبيرةً في البلاد، وأن المشروع سيكون أكبر من مدينة العلمين الجديدة، التي تقع بالقرب منه، والتي ضخت فيها الحكومة المصرية الكثير من الأموال.

ولكن المشروع أثار مخاوف سياسيةً من استمرار سياسة بيع أصول الدولة، ومخاطر السماح بتوسع النفوذ الإماراتي في البلاد، من بينها ما أوضحه محمد بيومي، الأمين العام لحزب الكرامة، أحد أحزاب الحركة المدنية المصرية المعارضة، لرصيف22، مؤكداً رفضه الكامل للمشروع.

إذ يرى بيومي أن أصول الدولة المصرية ملك للأجيال القادمة، ولا يحق لسلطة ما التفريط فيها، مضيفاً أن "السياسات الاقتصادية غير الصائبة للنظام هي ما أدت إلى مثل تلك الصفقات التي تفرط خلالها مصر في أصولها".

ويبدي القيادي الناصري مخاوفه من توسع النفوذ الاقتصادي الإماراتي في مصر، خاصةً في ظل التعاون الاقتصادي الوثيق بين الإمارات وإسرائيل، ما يسمح باحتمال إعادة بيع رأس المال الإماراتي لصالح إسرائيل، أو أن تكون أبو ظبي وكيلاً لإسرائيل في مشروعات اقتصادية كبرى في مصر.

في الإطار نفسه، يقول الدكتور محمد السعيد إدريس، الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، لرصيف22، إن "السماح بنسبة استثمارات أجنبية في أي مشروع تتجاوز 49%، يمثل بشكل واضح تهديداً للسيادة الوطنية، لأنها تجعل القاهرة رهينةً للمستثمر الخليجي، والذي قد يسمح رأس ماله في المشروع، بتسلل أموال إسرائيلية، وهو ما يعني وجود خطورة في مشروع رأس الحكمة الجديد طبقاً للأنباء الواردة عن نسبة قليلة لمصر في المشروع"، مؤكداً: "لا يجب أن تفرض الأزمة المالية والاقتصادية على مصر التفريط في أي جزء من سيادتها".

ولكن على الجانب الآخر، لا يتفق الخبير الاقتصادي وأستاذ الأزمات والمخاطر الاقتصادية رائد سلامة، مع هذا الطرح، موضحاً أنه من الوارد أن تتعاون الحكومة المصرية مع المستثمر الأجنبي لتقديم الدراسات الخاصة بملف التطوير والتنمية، وقد يحمل هذا التعاون في الاتفاق المرتقب نسباً متفاوتةً، بما لا يمكننا من التعقيب على الصفقة بشكل تفصيلي دون الإعلان عنها بشكل رسمي.

مشروع قديم برؤية جديدة

بحسب الوثائق والتقارير، فإن فكرة مشروع تنمية رأس الحكمة قديمة جداً، حيث صدر قرار جمهوري عام 1975 بإخلاء القرية التي تبلغ مساحتها 55 ألف فدان من سكانها، ولكنه لم ينفَّذ حتى عودة الجدل حول المنطقة.

يرى خبراء أن مثل هكذا مشروع كان من الممكن أن يحظى بالقبول والدعم في إطار سياسة تكامل اقتصادية عربية تتضمن توجيه الاستثمارات العربية في مصر، بطريقة تضمن احتفاظ كل دولة بسيادتها الكاملة على أراضيها

وبحسب تصريحات منسوبة إلى مسؤولين مصريين، فإن مشروع التطوير المرتقب سوف يضع رأس الحكمة كأحد أهم مقاصد السياحة على البحر المتوسط، في إطار رؤية مصر للتنمية العمرانية 2052، وما تتطلبه من التنمية العمرانية المتكاملة لمنطقة الساحل الشمالي الغربي للبلاد، وإنشاء عدد من مدن الجيل الرابع الجاذبة لملايين السكان.

ويبدي سلامة تفاؤلاً بشأن الصفقة التي يصفها بأنها "صفقة القرن" الاقتصادية لمصر، فمنذ قوانين الانفتاح الاقتصادية التي تبنّاها ورسخ لها نظام السادات، لم تناقش ولم توقع مصر صفقةً مع مستثمر أجنبي بتلك القيمة.

وفي هذا الإطار، يرى سلامة أن "وثيقتَي ملكية الدولة وتوجهات الاقتصاد المصري حتى 2030 اللتين أصدرتهما الحكومة المصرية، تحملان قيمةً شكليةً كبيرةً برغم الخلاف والجدل الذي يدور حولهما، إذ تشكلان تغييراً في الرؤية المصرية للتعامل مع الاستثمارات القادمة، فمصر منذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات لم تقدّم أي رؤية معلنة عبر وثائق رسمية للعملية الاقتصادية فيها"، موضحاً أن تلك الوثائق الحكومية الرسمية تمثل حافزاً كبيراً للمستثمرين، حيث أنها ترسم الطريق للنظام الاقتصادي في البلاد.

ويشير سلامة إلى أن المشروع من شأنه أن يخلق وظائف جديدةً، منبّهاً إلى أن العديد من القوى السياسية في مصر لطالما طالبت الحكومات المتعاقبة بالسماح بدخول استثمارات أجنبية مباشرة منذ البداية، بدلاً من التفريط في كيانات قائمة لها مواردها وأسواقها والعاملون فيها، ولا تحتاج إلا إلى بعض التطوير وحسن الإدارة.

ولكن محمد السعيد إدريس، يرى من جانبه أن مثل هكذا مشروع كان من الممكن أن يحظى بالقبول والدعم في إطار سياسة تكامل اقتصادية عربية تتضمن توجيه الاستثمارات العربية في مصر، بطريقة تضمن احتفاظ كل دولة بسيادتها الكاملة على أراضيها، أما وأنه يأتي في ظل سياسة معالجة الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها مصر فإنه ينذر بعواقب وخيمة على مفهوم السيادة.

بين الطموحات والتخوفات وغياب المعلومات الموثوقة، تبقى صفقة رأس الحكمة الجديدة، برغم قيمتها الاقتصادية الكبيرة، محط جدل وخلاف، قد يمكن التغلب عليهما حال الإعلان عن تفاصيل الصفقة والاتفاق، بما يسمح بإبداء عوامل وأسباب الدعم أو الرفض.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard