"قربان للمصالح الإماراتية"... صمت مصري إزاء مساندة أبو ظبي لإثيوبيا في أزمة سد النهضة

الخميس 4 أغسطس 202206:17 م

فيما التزمت السلطات الرسمية المصرية الصمت وامتنعت عن التعليق، أثار بيان البعثة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة في نيويورك، بشأن أزمة سد النهضة الإثيوبي، غضباً وقلقاً في أوساط المتابعين لأزمة السد في مصر، إزاء تبني الإمارات للموقف الإثيوبي بالعودة للتفاوض تحت مظلة الاتحاد الأفريقي.

البيان المعلن يوم الأربعاء 3 أغسطس/ آب الجاري، جاء عقب تقدم مصر باحتجاج رسمي إلى مجلس الأمن الدولي حول إقدام إثيوبيا على الملء الثالث للسد من دون تشاور مع دولتي المصب، وإصرارها على المضي في الانتقاص من حصتي مصر والسودان، ومصر تحديداً من مياه النهر. ويأتي البيان الإماراتي في ظل كونها العضو العربي المؤقت الوحيد في المجلس خلال دورته الحالية.

وجاء بيان البعثة الدائمة للإمارات العربية المتحدة مؤكداً على "الدور المهم للاتحاد الأفريقي"، داعياً مصر والسودان وإثيوبيا إلى "التزام الدول الثلاث بالمفاوضات التي يقودها الاتحاد"، ومطالبة إياهم بمواصلة التفاوض بحسن نية، معتبرة أن إعلان المبادئ لعام 2015 بشأن سد النهضة الإثيوبي هو المرجع الأساسي، مكتفية بالدعوة إلى "استمرار الحوار الدبلوماسي البناء والمفاوضات المثمرة لتجاوز أية خلافات"، وهو ما يتطابق مع الخطاب الرسمي الإثيوبي الرافض لتدخل مجلس الأمن الدولي وإبقاء المحادثات على طاولة الاتحاد الأفريقي الذي تتمتع فيه إثيوبيا بثقل وقبول يتجاوز مصر.

التزمت السلطات المصرية الصمت وامتنعت عن التعليق إزاء البيان الإماراتي الذي أعلن تبني الموقف الإثيوبي، في وقت قبلت مصر بالوساطة الإماراتية أملاً في المساندة

وقبل أيام كرر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تحذيراته إلى إثيوبيا من "رد لا يمكن تخيله" في حال تأثرت إمدادات مصر من المياه، وتلويحه بأن تبعات تعنت الجانب الإثيوبي في أزمة سد النهضة ستنتج حالة من عدم الاستقرار وسيدفع الجميع ثمناً باهظاً لها، وهو ما اعتبره البعض بمثابة إشارة إلى أن مفاوضات أزمة سد النهضة وصلت إلى طريق مسدود، وأن هناك مناوشات قادمة لا محالة، كما دفع الموقف المصري عدة دول عربية لتأكيد دعمها لمصر والسودان وأمنهما المائي، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.

وفي اليوم التالي على تصريحات الرئيس المصري، أرسلت الإمارات مساعدات إنسانية إلى إقليم تيغراي الإثيوبي، تضمنت 46 طناً من المواد الغذائية والمستلزمات الصحية.

قبل أيام كرر الرئيس المصري تحذيراته لإثيوبيا من "رد لا يمكن تخيله" في حال تأثرت إمدادات بلاده من المياه، في حين تشير تسريبات إلى وساطة إماراتية تتبنى شراء مصر حصتها من المياه، على أن تسدد الإمارات الثمن نيابة عن القاهرة لفترة محدودة

تقارب إماراتي إثيوبي مُقلق

وكانت الحكومة السودانية قد أعلنت موافقتها على مبادرة الإمارات للتوسط بينها وبين إثيوبيا لحل خلافاتهما الحدودية ومشكلة سد النهضة الإثيوبي، بيما لم تعلن مصر عن موافقتها أو رفضها للدور الإماراتي.

وفي الوقت نفسه تسعى مصر للحصول على دعم دولي وعربي يسمح لها بمواجهة إثيوبيا دبلوماسياً؛ حيث قام سامح شكري وزير الخارجية المصري مؤخراً بجولة إلى عدد من الدول العربية شملت الأردن، والعراق، والسعودية والإمارات، سعياً وراء توحيد الموقف العربي تجاه ما تعتبره مصر تعنتاً إثيوبياً في أزمة سد النهضة، في ظل تخوفات مصرية من إحتمالية انقلاب موقف الجانب السوداني.

وبالتزامن مع ذلك نقلت وسائل إعلامية عن مصادر دبلوماسية قولها إن أديس أبابا حثت أبوظبي على المضي قدماً بشأن ملف سد النهضة على مستوى ثنائي مع الخرطوم دون إشراك مصر، من أجل التوصل إلى اتفاق فني يراعي مخاوف المسؤولين السودانيين قبل الملء الثالث للسد، الذي بدأ فعلياً في يوليو/تموز المنقضي، والمقدر بنحو 13.5 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما تتابعه القاهرة بقلق بالغ تخوفاً من الإضرار بمصالحها والتأثير السلبي على موقفها مع الخرطوم.

فيما أثار بيان الخبير السوداني، الدكتور. أحمد المفتي، العضو السابق في اللجنة الفنية لتقييم آثار سد النهضة على دولتي المصب قلقاً واسعاً؛ إذ أعلن المفتي أن هناك سيناريوهات عدة مطروحة حالياً للتعامل مع أزمة سد النهضة، بينها اقتراح صريح ببيع المياه المقتطعة من الحصة التاريخية إلى مصر، "بثمن قليل لفترة مؤقتة" قد تمتد تلك الفترة من 10 الي 20 عاماً، تقوم الإمارات خلالها بتسديد ثمن المياه نيابة عن مصر، على أن تسدد مصر ثمن تلك الكميات وفق أسعار جديدة يجري التفاوض عليها عقب انتهاء تلك المدة. وأكد الخبير أن قبول العرض الإماراتي الإثيوبي يعني تنازل مصر عن حقوقها المائية بلا رجعة.

مظلة الاستثمارات والعلاقات

يحظى نظام آبي أحمد في إثيوبيا بدعم إماراتي واسع، يتنوع بين الودائع المساندة للاحتياطي النقدي من العملة الأجنبية والاستثمارات المباشرة. وبدأ التقارب بين بن زايد وآبي أحمد في 2018، عندما بادرت الإمارات إلى تقديم 3 ملايين دولار للاقتصاد الإثيوبي المتعثر، وأخذ التعاون في النمو منذ ذلك الوقت.

وتتنوع استثمارات أبوظبي في إثيوبيا، حيث يوجد نحو 21 مشروعاً في مجال الزراعة، و37 في مجال الصناعة، و7 في حفر الآبار، وأخيراً 5 في التعدين والسياحة.

ويعتقد مراقبون أن العلاقات القوية التي تربط الإمارات مع إثيوبيا، تساعدها على فرض هيمنتها على مضائق المنطقة الاستراتيجية في جنوب البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مثل باب المندب، والاستثمار في موانئ جيبوتي، والمشاركة في قناة بن غوريون في إسرائيل، والتحكم في مياه أعالي نهر النيل.

ووفقاً لبيانات هيئة الاستثمار الإثيوبية، ترتكز الاستثمارات الإماراتية في قطاعات الزراعة والصناعات الزراعية 21 مشروعاً، والصناعة 37 مشروعاً، كذلك العقارات وتأجير الآلات وتقديم الاستشارات بواقع 20 مشروعاً، والإنشاءات وأنشطة حفر الآبار 7 مشاريع. وأخيراً التعدين والصحة والفندقة بواقع 5 مشروعات، ومن المفترض أن تزيد الاستثمارات الإماراتية خلال الفترة المقبلة، إذ تم تدشين نحو 59 شركة إماراتية جديدة للبدء في عدة مجالات مختلفة من الاستثمار في إثيوبيا.

ويشار أيضاً إلى أن كل من السعودية والإمارات تمتلكان أصولاً في إثيوبيا والسودان يمثلان بالنسبة إليهما مصدر أمن للغذاء والثروة الحيوانية.

"جهل إماراتي"

في حديثه لـرصيف22 يؤكد الدكتور أحمد مهران – مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية، أن البيان الإماراتي الأخير بشأن سد النهضة "يعكس جهلاً من الإدارة الإماراتية بشأن أبعاد وتأثيرات وتداعيات الأزمة وخلفياتها السياسية"، لكنه ربما يعكس أيضاً تغيراً في الموقف السياسي يرتبط بالمصالح السياسية والاقتصادية لأبوظبي؛ حيث أن تبدّل المواقف هو أمر عهدته مصر مع كثير من الدول العربية في عدة قضايا أخرى".

وأشار الخبير السياسي إلى أن الأزمة إذا تطورت بين مصر وإثيوبيا "ستكون لها أبعاد دولية تتعدى الحدود الأفريقية لذا لجأت مصر لمجلس الأمن؛ حيث أن مصر لها حلفاء عرب وحلفاء أوروبيين بينما إثيوبيا لها حلفاء في أفريقيا وآسيا وخاصة إسرائيل، وأنه في حال اندلاع صراع مسلح ستكون هناك تأثيرات وتداعيات دولية خطيرة".

ويُبيّن مهران أن لجوء مصر إلى مجلس الأمن الدولي بسبب الأزمة جاء لإثبات موقف لا أكثر، لأن قرارات المجلس "غير ملزمة بالقوة الجبرية لأي دولة"، إلا إذا طلبا مصر تفعيل الفصل الخامس، و"لا يُتوقع منه [مجلس الأمن] موقفاً إيجابياً لحل الأزمة كما هو المعهود عنه".

ويعتبر مدير المركز أن مفاوضات سد النهضة "لم تصل بعد إلى حائط السد"، وأنه لا يمكننا قول ذلك إلاّ في حال انقطاع المياه عن مصر، متوقعاً استمرار المفاوضات لفترة طويلة، وأن ترتبط بمستوى المياه التي تصل إلى كل من مصر والسودان، مشيراً إلى أن إثيوبيا تدرك استحالة قطعها عن مئات الملايين من البشر وتعرف عواقب ذلك.

قلق في القاهرة

من ناحيته يرى الدكتور مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن أزمة سد النهضة هي أزمة مصرية وحلها لن يكون إلاّ بإرادة سياسية مصرية دون اعتماد على أسانيد تأتي من قوى إقليمية أو دولية؛ حيث فشلت المفاوضات الأمريكية ومفاوضات البنك الدولي والاتحاد الأفريقي بخصوص سد النهضة "بسبب إنكار الجانب الإثيوبي للحقوق وتعنته وبدء للملئ الثالث دون النظر للاتفاقيات الدولية ومنها اتفاق المبادئ في 2015". مشيراً إلى العلاقات المصرية الإماراتية "القوية" على حد وصفه، إلى جانب الاستثمارات والمصالح الإماراتية في كل من مصر وإثيوبيا، انعكست على البيان الذي ساوى – في رأيه – بين طرفي الأزمة.

ويستشهد غباشي بموقف روسيا من أوكرانيا حين شعرت بتهديد أمنها القومي وزيارة بيلوسي لتايوان دون النظر إلى الغضب الصيني، معتبراً أنه من حق مصر مراعاة أمنها المائي والقومي، مؤكداً أن لجوء مصر لمجلس الأمن والاتحاد الأفريقي "هو شكل من أشكال الأرضية والحقوق الأدبية، لكن اللجوء إلى الشرعية الدولية لا يُنصف بالضرورة وهو ما شهدناه في قضايا عربية". مؤكداً غياب آليات العقاب في حالة الملء الكامل للسد.

ويشير غباشي إلى أن القاهرة تنظر بقلق للوساطة الإماراتية بين السودان وإثيوبيا، بسبب ميوعة موقف الجانب السوداني في وقتٍ ما وانحيازه للجانب السوداني ثم تغييره ليصبح إلى جانب مصر صراحة، بجانب تخوف القاهرة من تدخل أطراف أخرى كالإمارات في حل أزمة الصراع الحدودي بين السودان وإثيوبيا لأنه قد يكون على حساب مصالح مصر وأزمة سد النهضة.

قربان لمصالح الإمارات

ويستنكر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعية الأمريكية للقانون الدولي، البيان الصادر من البعثة الدائمة لدولة الإمارات العربية الشقيقة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، متسائلاً كيف تصدر الإمارات بياناً بشأن سد النهضة الإثيوبي تساوي فيه بين الطرف المتعنت والطرفين المعتدى عليهما؟، بل وتعلن في بيانها عن دعمها لهدف الأطراف الثلاث "مصر والسودان وإثيوبيا" في التوصل لاتفاق وحل اختلافاتهم لتعظيم المكاسب لهم ولشعوبهم، ورغم أن إثيوبيا نفسها لم تعلن انها تهدف لذلك وتتصرف دائما بشكل أحادي، وقد ثبت للجميع تعنتها وأنها لا تريد التفاوض ولا ترغب في إبرام أية اتفاقات بل وتعلن دائما أن السد لن يضر بدول المصب، وتتهرب أيضاً من صياغة هذه الادعاءات في إتفاق كتابي يحدد كيفية التشغيل والملء ليكون ملزم للجميع.

ويبدي أستاذ القانون الدولي حزنه لصدور هذا البيان من دولة عربية شقيقة كالإمارات، كان يعتبرها وطنه الثاني، ويناشدها بمراجعة هذا الموقف الغير عادل، ودعم مصر بشكل واضح، مؤكداً أن طلبات مصر مشروعة وقانونية ولا نريد سوى وقف التعنت الإثيوبي وحلحلة النزاع بعقد إتفاق قانوني ملزم لكافة الأطراف بشأن مواعيد ملء وتشغيل السد وفقاً للقانون الدولي، وداعياً إلى الأخذ في الاعتبار أن مصر بذلك قد قبلت بأقل الضرر لأن السد به عيوب فنية جسيمة وتشققات حسبما أفادت اللجنة الدولية التي كانت مشكلة في عام 2013، ولم تقدم إثيوبيا حتى تاريخه دراسات الامان، وقد ينهار السد ويسبب كارثة لمصر والسودان وقد يمحي الأخيرة من على الخريطة.

ويشدد عضو هيئة تدريس الجمعية الأمريكية على أن مصر دولة محورية تحدث توازن في المنطقة ولولاها لما أصبحنا في هذا الاستقرار والوضع الحالي، غير أن أمن مصر المائي جزء لا يتجزأ من الأمن المائي العربي وأمن المنطقة بأكملها، وأي ضرر يقع على مصر سيترتب عليه أضرار لا يمكن تداركها للجميع، مؤكداً أن الأمر يتطلب ارادة سياسية من إثيوبيا وإبداء حسن نواياها لتنفيذ التزاماتها التي يفرضها القانون الدولي للوصول إلى إنهاء هذه الازمة، وان انعدمت هذه الإرادة فيجب على مجلس الأمن والمجتمع الدولي التدخل بشكل عاجل لمنع تطور هذا النزاع لمساسه بالأمن والسلم الدوليين، ويجب الضغط على إثيوبيا وإلزامها بالتفاوض والنظر لمصالح دولتي المصب المشتركة معها في ذات الحوض.

بينما يصف الدكتور ناصر مأمون عيسى، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والباحث السياسي بجامعة القاهرة، البيان الإماراتي بكونه "مائع"، ويعتقد أن الإمارات ستنال خسائر من وراءه أكبر من مكاسبها المتوقعة "لأنه أسوأ من أي بيان صدر عن الخارجية الإثيوبية ذاتها، في وقت تقدم الإمارات فيه نفسها على اعتباره وسيط محايد". مبدياً أسفه لكون مصالح مصر والسودان كانت قربانا لمصالح الإمارات الإقليمية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard