شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
الغردقة مدينة أفلاطون الفاضلة... حين نقع في الحب دون أن نشعر

الغردقة مدينة أفلاطون الفاضلة... حين نقع في الحب دون أن نشعر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب نحن والتنوّع

الجمعة 9 فبراير 202412:56 م

تركت كتابة الشعر منذ 5 سنوات، ولو عدت إلى أحضان القصائد من جديد لأصبحت الغردقة، هي أولى قصائدي، وملكة بنات أفكاري، وموطن كل العشاق في أبياتي. سأكتب عنها من دون مجاملة للبلاغة، وأستحضر روح التمرد في كل حروفي، وأتحول إلى امرأة تدوّن حكايتها مع العبث بقلوب الرجال، كما لو كانت تحكي قصصاً بطوليةً. هذه المدينة المصرية الساحلية الواقعة على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر، وحدها قادرة على مداواة كل شرخ فعلته بك الأيام في روحك. فكيف بدأت الرحلة؟ وإلى أين انتهت؟

من ملوي إلى الغردقة

عند التاسعة صباحاً، ركبت حافلةً من مدينة ملوي الأثرية جنوب مصر، إلى الغردقة. سرنا في طريق الشيخ فضل، وقطعنا مسافة 450 كيلومتراً، لمدة خمس ساعات متواصلة مررنا خلالها بين جبال شاهقة مترامية على أطراف الطريق، كأن ألوان الطيف قد أسدلت على وجهها ستائر ساحرةً لا تزول، ولوحات من المناظر الطبيعية تشاهدها طوال سيرك، حتى تصل إلى كمين رأس غارب، وهنا يجمع أحد أفراد الأمن بطاقات الهوية من المسافرين ويتم فحصها قبل السماح لهم بدخول المدينة

يسيطر على الغردقة، مدينة أفلاطون الفاضلة في نظري، الطابع الحضاري، فهناك حالة من التجانس الرائع بين السكان المحليين والسياح الأجانب وحتى السياح المحليين

وصلت إلى الغردقة حيث قابلتني في واجهة المدينة منشآت زجاجية فريدة، ومبان معمارية يفوح منها عبق الإبداع، وحيث الشوارع نظيفة للغاية، وأشعة الشمس اللامعة تغمر البيوت التي تظنها قصوراً من شدة الإتقان، وحيث النساء الأجنبيات على الأرصفة يقدن الدراجات، أو يمشين على الطريق بملابس خفيفة قصيرة، ويتمتعن بحرية الحركة بدون قيود، وأجسادهن تتنفس والرياح اللطيفة تغازلهن. اعتقدت أنني في عاصمة المدينة، وأن في الداخل حريةً أقل وبيوتاً تقليديةً أو أقل جمالاً، لكن كل قطعة منها أجمل من التي قبلها.

مساكن تليق بالبشر

لا تتجاوز المباني الأربعة طوابق، بعكس العبث المعماري والتشويه البصري في الجيزة والمطرية وعين شمس والخصوص والقائمة لا تنتهي. في الغردقة تأخذ البيوت شكلاً معمارياً واحداً، بمسافة واضحة من الطريق، كأنها جمهور عريض يجلس في حفل أوبرالي فترتدي البدلات المنمقة، والأشجار الصغيرة تصطف بانتظام ودلال في مدخل كل بيت، تستقبل الضيوف بابتسامة تمحو من نفوسهم ضجيج سيارات القاهرة، وأصوات باعة الخضروات في سوق العبور.

طريق في الغردقة

استأجرت مسكناً غير فندقي مع أسرتي طوال الرحلة، في شارع المدارس، واكتفيت في الليلة الأولى من وصولي بمتعة النظر إلى عمارة البيوت الهادئة التي تدخلها الشمس من كل جانب، وهي منازل صحية صالحة للعيش وللحياة، وصالحة للتنفس ولتربية الأطفال، بيوت لا تدخلها الأمراض، والمسافة بين كل منزل وما يقابله تتيح بناء منزل آخر، بعكس أحياء مصر القديمة الشعبية التي لو مددت فيها يدك من الشرفة لاستطعت أن تقبض على ريموت التلفزيون في المنازل المجاورة لك، لتغلق خزّان الأحزان الذي لا يجف، أو تغلق أفواه الجيران أنفسهم ونستريح جميعاً.

أشعة الشمس الذهبية بين أحضاني

السابعة صباحاً بتوقيت المدينة الفاضلة. تسلل شعاع حانٍ من أشعة الشمس الرقيقة إلى غرفتي وغازل خصلات شعري بأدب، وتسرب إلى جسدي بهدوء تام. استشعرت الدفء ففتحت النافذة، ونظرت إلى الأسفل، إلى الشارع الذي أسكن فيه: حتى القطط الشاردة هنا نظيفة، جسدها مملوء، لا تظهر في عيونها نظرات خوف، ويبدو أن المدينة تعتني حتى بالأرواح الضالة. تناولت فطوري ونزلنا للبحث عن أحد الشواطئ.

في شاطيء الغردقة

ملابس النساء الأجنبيات المتشبعات بالحرية، شجعتني على التجرد من الخوف والتمرد على عرف دساتير الأحياء الشعبية الملعونة الظالمة للنساء، وارتديت فستاناً قصيراً أزرق بلون السماء، يناسب الصيف. ساقاي كانتا عاريتين تماماً وذراعاي كذلك، وشعري على ظهري يتراقص فرحاً. لم أرَ وجه سلفيّ أو إخوانيّ. هنا يختفي المجاهدون من الشوارع، ولا أحد يتربص بحرية النساء؛ بائع الطعمية وسائق التاكسي والكاشير في السوبر ماركت، كلّ يحترم عمله ونفسه ولا يترصد لامرأة. ولو فعلها، يعاقَب فوراً ويطرَد من المدينة كلها... النساء هنا غير مجبرات على ارتداء ملابس تمنعهنّ حتى من التنفس.

لقاء البكيني مع البوركيني

على شاطئ الفيروز، يلتقي البكيني مع البوركيني دون اعتراض من كليهما، ويسبحان في عمق المياه معاً، ويجلس السياح الأجانب، خاصةً الروسيين والأوكرانيين، منهم بجانب السياح المحليين المصريين، ويتمتعون بالنظر إلى زرقة المياه ويرقصون على ظهر اليخوت، والشبان في مقتبل العشرينات يغنون مهرجانات حسن شاكوش. صياح هذا المطرب الشعبي أعادني في لحظة إلى منطقة إمبابة والكيت كات والمرج، وشعرت بالدوران، لولا أن طلب منهم أمن حراسة الشواطئ احترام راحة الآخرين.

أجرّب للمرة الأولى في حياتي الغوص في مياه مالحة، وأتمشى على الساحل أبحث عن قواقع وأصداف للذكرى، وأعبث في الرمال بقدميّ الحافيتين، وألاحظ خلفي صوت سائح أجنبي في عمر والدي، يردد كلمات أغنية "سيرة الحب" لكوكب الشرق أم كلثوم، الصادرة من مذياع المطعم المجاور. خطف انتباهي فنظرت وابتسم لي، فبادلته الابتسامة وأكملت سيري. الأطفال يلعبون في مرح، النساء والرجال جميعهم بملابس مبتلة نصف عارية في قلب المياه، ولا أذكر واحداً منهم تجرّأ على النظر إلى امرأة، في مشهد استثنائي. تكاد تبكي من فرط الأدب.

المياه للرجال فقط عند السلفيين

أحدهم نزل إلى المياه، وأخذ ينادي زوجته التي ترتدي النقاب، باسم أنس، ابنهما، حتى تلتقط له صوراً تذكاريةً وهو يسبح في المياه عارياً، بينما الزوجة تكتفي بالنظر إلى المياه فقط دون أن تلمسها، ودون أن يغمر جسدها الماء المالح الصافي، فهي محرومة من الاستمتاع بالحياة لأنها امرأة فقط، وكل النساء اللواتي جئن إلى الشاطئ ويرتدين النقاب كن يجلسن بعيداً، أما رجالهن فكانوا يمرحون ويلعبون ويغطسون ولا تمر سائحة عارية بجوارهم إلا وتلحق بها نظرات خفية مليئة بالاشمئزاز ومعبّأة بالسباب.

اللافت للنظر أن السائحات الأجنبيات كن يصدرن ظهورهن للشمس نائمات على بطونهن، ويقف أزواجهن ويضعون كريمات الوقاية من الأشعة الضارة على أجسادهن. لم أرَ امرأةً مصريةً واحدةً في كل الشواطئ التي ترددت عليها تفعل هذا.

وعلى شاطئ "تايتنك"، جلست بجوار فوج سياحي قادم من أحد دور الرعاية، فيه مسنّون وذوو إعاقة. كان المرافقون الشباب يحاولون إدخال نوع من الفرح والمرح على نفوسهم، ويلعبون معهم بالقرب من المياه. كان الشاطئ يمتاز بكثرة السياح المسنّين رجالاً ونساءً من جنسيات مختلفة.

تستطيع أن تنعم بالمأكولات البحرية المطهوة باحترافية في أي وقت. مقدّمو الخدمة في كل مكان أغلبهم مواطنون مصريون من الأقصر وأسوان، يتحدثون لغات عدة، لا سيما الإنكليزية والروسية والألمانية، حتى لو كانوا غير متخصصين في اللغات أو حاصلين على شهادات جامعية. هم يتقنون أفضل الأساليب في التعامل مع السياح بكل جنسياتهم، ولا يبدون أي أساليب استغلال أو تحايل، ويأخذون من الذوق طريقةً أساسيةً في الحديث تجبركم على إعطائهم مزيداً من المال كمكافأة على حسن أدبهم. أيضاً الأسعار عموماً، من سكن وطعام وشراب ووسائل مواصلات وتذاكر دخول إلى الشواطئ كلها اقتصادية، والمثير للاهتمام أن كل شيء متوافر دائماً، لكن لا ضجيج، لا توجد أصوات مزعجة ولا تشمّ دخان سيارات يخنقك، ولا زحام، والأهم من كل هذا لا يوجد توك توك، لأن التاكسي هو وسيلة النقل الأساسية داخل المدينة.

أحببت الغردقة في زيارتي الأولى لها. وقعت في غرامها وبكيت عند مغادرتي إياها، لا أريد الرحيل برغم أن قصة الحب بيننا لم تتجاوز 10 أيام، لكنها قادرة على إيقاعكم في حبها

أنوار الشوارع التجارية ليلاً تشعركم بأنك تمضون في مهرجان حافل بالبهجة، مفعم بالحركة والألوان. السلع المعروضة للبيع من ملابس وأحذية وحقائب وأكسسوارات، وأدوات تجميل، جيدة، لا تندسّ بينها سلع رديئة. الشوارع السكنية ليلاً هادئة تسمح لك بالنوم الهانئ، والجيران في المنزل المقابل وفي المنزل ذاته وعلى ناصية الشارع، يحترمون هدوء المدينة، وأنا أتحدث هنا عن مساكن شعبية لا عن فنادق، العاملون فيها مطالبون بتوفير أقصى درجات الراحة للضيوف.

يسيطر على الغردقة، مدينة أفلاطون الفاضلة في نظري، الطابع الحضاري، فهناك حالة من التجانس الرائع بين السكان المحليين والسياح الأجانب وحتى السياح المحليين. اتساع الشوارع وعدم تزاحم السيارات أو تزاحم الناس عموماً على الطرقات تعطيها مظهراً فريداً من التنظيم والرقيّ.

ولكونها مدينةً فسيحةً وواسعةً فهي صالحة للتنفس، والطرقات نفسها تتنفس ولها رائحة ذكية، وصناديق القمامة المتراصّة على جوانب الطرق لائقة غير متكدسة، لا تفوح منها روائح كريهة. في الغردقة يختفي التسوّل، بعكس القاهرة الكبرى، التي تعجّ بالمتسولين، كذلك الطابع الديني بمظاهره لا يظهر على المدينة. لاحظت منزلاً تقليدياً مكوناً من طابق واحد، معلقة على جبهته لوحة مكتوب عليها "مسجد"، بينما لم ألاحظ كنائس في المناطق التي زرتها، وفجأةً قد تجد جِمالاً تعبر الطريق دونما إذن، وتسأل نفسك من أين جاءت؟ وإلى أين تذهب؟

اغرورقت عيناي قلة قلة الأفواج السياحية في المدينة مدعاة للحزن. شاهدت العاملين في المطاعم المجاورة للشواطئ يجلسون بلا عمل لساعات طويلة، والبواخر التي تأخذ السياح في رحلات غطس أو رحلات تجول بين الجزر المائية، معطلة ومعلقة وعلى الشاطئ أصحابها يعدّون حصى الأرض.

إلى اللقاء أيتها المدينة الفاضلة

أحببت الغردقة في زيارتي الأولى لها. وقعت في غرامها وبكيت عند مغادرتي إياها، لا أريد الرحيل برغم أن قصة الحب بيننا لم تتجاوز 10 أيام، لكنها قادرة على إيقاعك في حبها. ودّعت الأشجار على الطرقات، ودّعت الهواء النقيّ، وقلت للشمس إلى لقاء آخر، تغازلين فيه خصلات شعري من جديد.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهة. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard