شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!

"وجوهٌ يومئذٍ ناعمة"… مصريون يستخدمون آيات قرآنية في سياقات عادية مثيرة للضحك

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع نحن والتاريخ

الاثنين 29 يناير 202401:00 م

الدين والحس الفكاهي مكونان أصيلان لشخصية الإنسان المصري. فالدين له حضور في كثير من مناحي حياة المصريين، حتى وإن كان الأمر بطبيعته بعيداً عن الدين. والمزاح لازمة من لوازم الإنسان المصري يتغلب به على تحديات الحياة.

في بعض أمور الحياة العادية جداً، تُستحضر نصوص دينية استحضارها غير مبررٍ تبريراً دينياً. لكنها تضفي لمسةً دينيةً طريفةً ومثيرةً للضحك، ومن ذلك كتابة آيات قرآنية في سياقات بعيدة عن الدين، فتعطي لمسةً فكاهيةً لا يملك المرء أمامها سوى أن يضحك كثيراً؛ مثلاً، علَّق صاحب أحد محال بيع مستلزمات المقاهي من فحم ومعسل للشيَش (جمع شيشة، وهي الأرجيلة)، لافتةً كُتبت عليها الآية القرآنية التالية: "الذي جعلَ لكُم من الشّجر الأخضرِ ناراً فإذا أنتُم منه توقدون"، وكتب سائق سيارة ميكروباص على زجاج السيارة الآية: "يا بني اركبْ معَنا ولا تكنْ معَ الكافِرين".

آية: "يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين" على زجاج السيارة

كما تُعلّق في بعض صالونات الحلاقة الآية القرآنية التالية: "وجوهٌ يومئذ ناعمة"، وفي بعض محال عصير القصب الآية: "وسقاهم ربهم شراباً طهوراً".

في هذا المقال، نسلّط الضوء على مشاهد من استحضار آيات قرآنية في سياقات حياتية عادية، بما يشكل خلطاً للدين بخفة الظل خلطاً ينتج مزجاً عجيباً ومضحكاً.

خلق الله لنا جذوع الشجر لندخّن الشيشة

في الحي الساس في مدينة "السادس من أكتوبر"، علّق صاحب أحد محال بيع مستلزمات المقاهي من فحم ومعسل للشيش، لافتةً كُتبت عليها الآية القرآنية: "الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون" (سورة يس الآية 80). وربما كُتبت هذه الآيه لإضفاء لمسة دينية على فعل إشعال النار في فحم الشيشة.

في بعض أمور الحياة العادية جداً، تُستحضر نصوص دينية استحضارها غير مبررٍ تبريراً دينياً. لكنها تضفي لمسةً دينيةً طريفةً ومثيرةً للضحك، ومن ذلك كتابة آيات قرآنية في سياقات بعيدة عن الدين فتعطي لمسةً فكاهيةً لا يملك المرء أمامها سوى أن يضحك حتى يقع على قفاه! 

ربما يقصد بذلك إسكات من يرى أن تدخين الشيشة حرام، وكأن من كتب هذه الآية يشير من طرف خفيّ إلى أن الله الذي خلق لنا جذوع الشجر هو الذي سهّل لنا أمر الشيشة، فلندخن ونستمتع بما خلق الله. وهذه اللمسة شبيهة بمنطق كمال (الذي قام بدوره الفنان نور الشريف)، في فيلم "العار"، في رده على الدكتور عادل (الذي قام بدوره الفنان محمود عبد العزيز)، عندما سأله عما إذا كان ما يدخنونه في الشيشة في هذا المشهد حلالاً أم حراماً، فقال له كمال: "إذا كان حلال أدينا بنشربه، وإذا كان حرام أدينا بنحرقه".

لا تركب الميكروباص مع الكافرين

انتشرت بعض الصور على شبكات التواصل الاجتماعي، لسيارة ميكروباص كُتبت على زجاجها الخلفي الآية القرآنية: "يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين". وكأن صاحب السيارة يشبّه سيارته بسفينة نوح فمن ركبها نجا ووصل إلى حيث ينتهي مشواره بالسلامة، كما بلغ السلامة والنجاة من الطوفان من ركب سفينة نوح! وهذه لفتة تثير الكثير الضحك والتندر الممزوج بلمسة دينية عندما تقع عيناك عليها معلقةً على زجاج الميكروباص؛ وما يدفع إلى المزيد من الضحك والقهقهة، أن ركوب هذا النوع من الميكروباصات مع هكذا سائقين، أمر فيه من المخاطرة ما فيه، والسلامة والنجاة في هذا الركوب هي أمر محاط بالكثير من الشكوك!

شراب رباني طهور من القصب والتمر الهندي

في كثير من محال العصير التي تقدّم مشروبات شعبيةً باردةً في مصر، كمشروب عصير القصب والتمر الهندي والسوبيا، نجد صاحب المحل قد علّق على أحد جدران المحل الآية القرآنية: "وسقاهم ربهم شراباً طهوراً". وكأن صاحب المحل يروّج لمشروباته بتلك الآية. وكأنَّ صاحب المحل قد أراد أن يخلق ارتباطاً نفسياً خفياً بين فكرة الشراب الطهور الذي وُعد به المؤمنون في الآية القرآنية، وبين ما يقدّمه في محل من مشروبات.

لافتة في محل مشروبات مكتوب عليها الآية القرآنية: "وسقاهم ربهم شراباً طهوراً"

ولكن هذه الخدعة التسويقية تصبح مضحكةً جداً لو وجد الزبون أن المشروب المقدّم له، رديء الجودة.

وجوهٌ يومئذ ناعمة... في صالون الحلاقة

تعلّق بعض صالونات الحلاقة الآية "وجوهٌ يومئذ ناعمة"، كتلميح دعائي إلى جودة حلاقة لحية الرجال في هذا الصالون. وتتمثل الفكرة التسويقية هنا في خلق ارتباط نفسي بين البهجة والنعومة التي سينعم بها من يتلقى خدمة الحلاقة في هذا الصالون، وبين النعيم في الآخرة الذي وعد به الله المؤمنين في الجنة، كما تؤكد الآية القرآنية على ذلك. وجدير بالذكر في هذا السياق أن خطيب مسجد النور في مدينة طنطا في محافظة الغربية، هاجم تلك الاستخدامات للآيات القرآنية، مركزاً على ما تفعله صالونات الحلاقة مستنكراً: "وكأن القرآن نزل للدعاية لحلاقة الذقن عند الحلاقين"، وفقاً لما نشره موقع صوت البلد في آذار/ مارس سنة 2014.

نمطٌ من الهتافات الصامتة

يمكن فهم إدراج هذه الآيات القرآنية في هذه السياقات على أنه نوع من "هتاف الصامتين"، إذا ما استعرنا هذا الوسم من سيد عويس في دراسته التي عنونها بـ"هتاف الصامتين: ظاهرة الكتابة على هياكل المركبات في المجتمع المصري المعاصر". وفي هذه الدراسة، تتبّع عويس بالرصد والتحليل العبارات التي كتبها المصريون على هياكل السيارات والعربات واللوريات منذ الأول من أيلول/سبتمبر 1967 وحتى آب/أغسطس 1970. وكانت من بين تلك العبارات آيات قرآنية وأحاديث نبوية ودعوات وابتهالات وآيات من الكتاب المقدس. وكانت أغراض هذه العبارات أغراضاً دينيةً مثل الطلب من الله وحمده وشكره والاستسلام لإرادته وتعظيمه وتكريمه والتقرب إليه والرجاء فيه كما أوضح سيد عويس في دراسته سابقة الذكر.

تنكيت لا يتنافى مع التعظيم

يستنكر بعض المتشددين دينياً مزج لمسة قرآنية في موقف فيه طرافة وضحك، مثل السائل الذي أرسل يستفتي موقع إسلام ويب في موقف استخدم فيه صديق له آيةً قرآنيةً في موقف طريف: "لي صديق جمعني وإياه حفل عرس لأحد الأخوة فأراد أن يلقي نكتةً أو طرفةً علينا وهو من هذا النوع الذي يكثر من سرد النكت، فقال إن أحدهم وقد نزل عنده ضيف فذبح له دجاجةً حتى إذا صار الغداء أحضر اللبن والخبز لكي يأكل منه الضيف، ريثما تأتي الدجاجة وأبلغ زوجته أن لا تحضر الدجاجة لكي يشبع الضيف من اللبن ويوفر الدجاجة، وأخبر الضيف أن أهل بيته يسخّنون الدجاجة في الفرن وشبع الضيف من اللبن والخبز، وفي العشاء فعل الأمر نفسه وكذلك في غداء اليوم الثاني، فما كان من الضيف بعد أن نفذ صبره إلا أن قال لصاحب البيت إن دجاجتك هذه مثل "آل فرعون تُعرض على النار غدواً وعشياً ".

 علَّق صاحب أحد محال بيع مستلزمات المقاهي من فحم ومعسل للشيش (جمع شيشة وهي الأرجيلة بلغة الشوام)، لافتةً كُتبت عليها الآية القرآنية التالية: "الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون"، وكتب سائق سيارة ميكروباص على زجاج السيارة الآية: "يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين"

يواصل المُستفتي صاحب السؤال: "فما وسعني إلا أن أوقفه وأقول له إن كلام الله يجب أن يوقَّر ويعظَّم ولا يُتخذ في أماكن التنكيت والضحك ". ولكن جاء الرد من موقع إسلام ويب، بعدم حرمة استخدام الآيات القرآنية وذلك لأن "التنكيت أحياناً قد لا يتنافى مع التعظيم"، وأنه كما برر من كَتَب هذه الفتوى: "لا بأس بنكتة هذا الضيف".

الكوميك الديني كمزج مضحك

وكانت قد انتشرت في مصر أيضاً الكوميكسات المضحكة التي تمزج صوراً لمواقف مضحكة من الأفلام مع آيات قرآنية. وقد أثارت هذه الكوميكسات انتقادات ممن يرون أنها تمثل تقليلاً من تعظيم الدين في نفوس الناس، ولكن المدافعين عن هذا النمط من الكوميكسات رأوا أن هذا تشدد لا داعي له؛ إذ إن هذا النمط ليس سوى قالب فني لتوصيل الأفكار، ومنها أفكار دينية وأخلاقية، مثلما تفعل الأغاني الدينية وأفلام الكرتون الدينية وفقاً لما نشرته اليوم السابع.

حتى الدعوة السلفية المصرية تلجأ إلى الفكاهة

وفي هذا السياق يقول الكاتب حامد فتحي لرصيف22: "الفكاهة مكون أصيل في الشخصية المصرية، رصدها الرحالة الأوروبيون في زياراتهم إلى مصر. كما أنّ النوادر والطرائف التي تُسمى بالمصرية "النكت"، تُتناقل من جيل إلى آخر، وتكتسب مع كل جيل إضافات تناسب واقع العصر، لكنها في طريقها إلى الأفول في الوقت الحالي بسبب تنافسها مع وسائل ترفيه أخرى، والانفتاح العالمي بين الثقافات الذي جعل المحلية تختفي وتتراجع أمام الترفيه والفكاهة المعتمدة على التكنولوجيا والتي تصدر عن مختلف جغرافيا العالم".

لافتةً كُتبت عليها الآية القرآنية: "الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون"

ويضيف فتحي: "لا يطيق المصريون الكآبة والنكد، ويرفضون تصوير الدين على أنه شيء يخلو من الفكاهة والطرافة، ولهذا يرفضون رجال الدين المتجهمين، حتى أنّ الدعوة السلفية لجأت إلى الفكاهة للترويج لدعوتها في بداياتها من خلال تقديم خفيفي الظل منهم ليقدموا طرائف من التراث". ويستطرد فتحي: "ذات مرة أخبرني واحد من قيادات الدعوة السلفية، أنّ أحد الإخوة كما يسمون أنفسهم، كان له الفضل في فتح قلوب الناس أمام دعوتهم بسبب طرافته وفكاهته، واستمعت إلى هذا الرجل في صغري وكان من أهم المتحدثين المفضلين للجميع لطرافته وخفة دمه".

ويتذكر حامد فتحي طرائف شبيهةً من الطفولة في هذا الاتجاه: "في سن الطفولة كنا نتوارث تحويرات تخفف من حدة حفظ القرآن والاستماع إلى الخطب الدينية، على غرار تحوير واختلاق أحاديث بطريقة السرد نفسها لكن بهدف التندر، مثل: 'عن أبي صفيح طبّق الله وجهه ...'، أو كما يقول الأطفال: 'سيدنا نفويخا' وهكذا". ويؤكد: "في الأحاديث الرائجة بين المصريين يصفون الشخص الذي لا يضحك بأنّه 'حنبلي'. وعموماً الفكاهة من طباع البشر التي تسبق الدين وتُعدّ أكثر عمقاً في الشخصية وتكوين المجتمعات".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard