شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
هشام طلعت مصطفى نموذجاً… القوانين المصرية في خدمة مطوّرين عقاريين كبار

هشام طلعت مصطفى نموذجاً… القوانين المصرية في خدمة مطوّرين عقاريين كبار

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

اقتصاد نحن والحقوق الأساسية

الخميس 25 يناير 202401:40 م

محمد عمر (اسم مستعار)، شاب مصري يبلغ من العمر 31 عاماً، ينتمي إلى طبقة متوسطة الدخل، يبحث كغيره كثيرين عن "شقة العمر". بالنسبة له، فإن خيارات البحث محدودة جداً، وفق حالته الاقتصادية التي تزداد انكماشاً بمرور الوقت، في ظل ارتفاع مستمر لأسعار العقارات، وتقييم "غير عادل" لقيمة الوحدات السكنية لمتوسطي الدخل، حيث يتشبّث عمر بحدود هذه الطبقة.

وبينما تسيطر على عمر حالة من اليأس، بسبب المتاح أمامه من خيارات وبدائل سكنية؛ تطارده إعلانات تلفزيونية لمجموعة طلعت مصطفى -وهي واحدة من كبريات شركات التطوير العقاري في مصر- عن مشروعات الشركة العقارية الضخمة كـ"مدينتي" و"نور". إعلانات تستهدف طبقة اجتماعية مختلفة تماماً، تبعد كثيراً عن حدود الطبقة المتوسطة التي يأمل "عمر" أن يحتفظ بمكانه فيها، خاصة مع تدهور الحالة الاقتصادية العامة للكثيرين؛ بسبب تهاوي سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار الأمريكي بشكل غير مسبوق.

أحدث إعلانات مجموعة هشام طلعت مصطفى


"مدينتي" و"نور" مشروعان يفصل بينهما ما يزيد على عقد، يربط بينهما اسم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، كواجهة للمجموعة. خلال فترة إنشائهما، برزت عدة شواهد تُشكّك في إدارة الحكومة المصرية لملف تخصيص الأراضي للاستثمار العقاري بعدالة وشفافية.

وبينما بطلان إجراءات تخصيص أراضي مشروع "مدينتي"، ومخالفتها للقانون أمر محسوم بحكم محكمة مصرية، فإن تخصيص أراضي مشروع "نور" عام 2021 لصالح مجموعة طلعت مصطفى، ومن قبلها مشروع "سيليا" عام 2018، صاحبته حالة من التعتيم بموجب قوانين أقرتها الحكومة المصرية؛ ويبدو أنها صبّت في صالح كبار المطوّرين العقاريين في السوق المصري.

عزّزت هذه القوانين انعدام الشفافية في إدارة هذا السوق؛ الأمر الذي أثر في أسعار العقارات، خاصة في محافظة القاهرة، الأكثر كثافة سكانية في مصر، وجعل أسعار العقارات -كالتي يبحث عنها "عمر"- في يد المطوّرين العقاريين الأكثر استغلالاً وامتلاكاً لمساحات الأراضي المُخصّصة لهذا الغرض.

في هذه القصة، نتتبّع كيف استفاد رجال أعمال ومطوّرون عقاريون مصريون وعرب من تعديلات أقرتها الحكومة المصرية، حول إجراءات تخصيص الأراضي في البلاد؛ تسبّبت في غياب الشفافية وتوزيع غير عادل للأراضي، وجعلت رجل الأعمال المصري هشام طلعت مصطفى أكبر المتربحين من هذه التعديلات.

"مدينتي" و"نور": صعود وسقوط وصعود

حقّقت مجموعة طلعت مصطفى رواجاً وتأثيراً في السوق العقاري المصري؛ كونها من أوائل الشركات التي تملّكت مساحات أراضٍ شاسعة لإقامة مدن متكاملة، بدءاً من مدينة "الرحاب" التي أُسست عام 1996، وصولاً لـ "مدينتي"، أكبر مشروعات المجموعة، التي جرى التعاقد عليها عام 2005، في صفقة مع هيئة المجتمعات العمرانية، خالفت قانون تنظيم المناقصات والمزايدات، الصادر بالقانون رقم 89 لسنة 1998.

وتمكّن هشام طلعت مصطفى -الذي جمعته علاقة عمل مع أبناء الرئيس السابق محمد حسني مبارك- من التعاقد مع هيئة المجتمعات العمرانية التابعة لوزارة الإسكان، وحصل على أرض تمتد على مساحة 8 آلاف فدان (33.6 مليون متر مربع، الفدان يساوي أربعة آلاف و200 متر مربع) في القاهرة الجديدة، حيث كانت تمثل أكثر من 11 في المئة من إجمالي مساحة القاهرة الجديدة، بنظام الأمر المباشر من دون مقابل، وذلك في الأول من آب/أغسطس عام 2005، لتشييد "مدينتي".

يحيى شوكت، رئيس شركة "10 طوبة"، المتخصصة في دراسات العمران، أكد أن عقد "مدينتي" كان انتهاكاً واضحاً لقانون المناقصات والمزايدات.

خلال حكم نظام مبارك، جمع هشام طلعت النفوذ السياسي والاقتصادي في البلاد؛ فإلى جانب مشروعاته العقارية الضخمة، وصداقاته مع أبناء الرئيس، احتفظ هشام بعضويتي مجلس الشورى ولجنة السياسات بالحزب الوطني "المُنحل".. ولكن كيف بقي تأثيره ونفوذه المتزايد إلى اليوم؟ 

خلال حكم نظام مبارك، جمع هشام طلعت النفوذ السياسي والاقتصادي في البلاد؛ فإلى جانب مشروعاته العقارية الضخمة، وصداقاته مع أبناء الرئيس، احتفظ هشام بعضويتي مجلس الشورى ولجنة السياسات بالحزب الوطني "المُنحل".

لم تقتصر نشاطات هشام طلعت مصطفى فقط على مشروعاته العقارية الضخمة في الامتدادات العمرانية للعاصمة المصرية، بل توازت نجاحات مشروعاته العقارية مع نشاط واضح في تسجيل الشركات والحسابات البنكية في ملاذات الإعفاءات الضريبية.

"Suisse Secrets" هو مشروع صحفي تعاوني، يستند إلى بيانات حساب مصرفي مُسرّبة من بنك كريدي سويس العملاق السويسري. زوّد مصدر مجهول صحيفة Süddeutsche Zeitung الألمانية بالبيانات، التي شاركتها مع OCCRP و46 شريكاً إعلامياً آخر حول العالم.

خالد علي، الحقوقي المصري، يقول إن منح الأراضي كان أقصر الطرق للثراء السريع لرجال الأعمال. ويضيف قائلاً: "يحصلون على أرض بدون مقابل تقريباً أو بمقابل زهيد، ويقومون ببيع الوحدات السكنية للمواطنين على الخارطة، فيجمعون الأموال ويقومون بالإنشاءات على حساب المواطن، ويحقّقون الأرباح والمكاسب بدون رأس مال".

لكنّ الموازين تبدّلت بعد إدانة هشام طلعت مصطفى في قضية مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم عام 2008، بعد ما كشفته التحقيقات عن ملاحقته وتهديداته لها من القاهرة وحتى دبي؛ إضافة إلى اعتراف قاتلها، محسن السكري، ضابط جهاز الأمن الوطني السابق (أحد أجهزة وزارة الداخلية المصرية، كان يسمى بجهاز أمن الدولة خلال فترة حكم الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك) بأنه أقدم على قتلها بإيعاز من هشام طلعت مصطفى، مقابل مليوني دولار أميركي.

وبالتزامن مع إدانته وحكم الإعدام شنقاً الذي طاله بصحبة السكري عام 2009، ظهر للمرة الأولى عقد تخصيص أراضي مشروع "مدينتي"، الذي استخدمه محامو المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لرفع دعوى قضائية ضد الشركة العربية للمشروعات والتطوير العمراني، التابعة لمجموعة طلعت مصطفى عام 2010.

يقول خالد علي: "زعمت الهيئة أنها ستحصل على مقابل عيني للأرض، يتمثل في عدد من الوحدات السكنية بعد إنشائها؛ بل قامت وزارة الإسكان أيضاً بمدّ المرافق كافة من مياه وكهرباء وغيرها حتى حدود أرض مدينتي، لتُسهّل على رجل الأعمال تنمية المنطقة".

هشام لم يكن الفائز الوحيد بتعاقدات مع الحكومة المصرية، متمثلة في هيئة المجتمعات العمرانية، بالمخالفة للقانون؛ فشركة "بالم هيلز" المملوكة بحصة أكبر لعائلتي منصور والمغربي، تمكّنت من الحصول على مساحة 230 فداناً (966 ألف متر مربع) في الامتداد الشرقي لمدينة القاهرة الجديدة، وذلك في 23 آب/أغسطس عام 2006، بسعر 241 مليوناً و50 ألف جنيه مصري (42.3 مليون دولار أميركي)، ليُقدّر سعر المتر المربع بنحو 250 جنيهاً مصرياً (44 دولاراً)، في صفقة انتهت ببطلان التعاقد بحكم محكمة.

(سعر صرف الدولار الأميركي خلال عام 2006، بلغ نحو 5.7 جنيه مصري)



في 22 حزيران/يونيو عام 2010، حكمت المحكمة الإدارية العليا في مجلس الدولة في مصر، ببطلان عقد بيع أرض "مدينتي"، ما وصفه حينها حقوقيون بالحكم التاريخي. تبعه بعد أقل من عام، حكم شبيه ببطلان التعاقد الذي تمّ في 23 آب/أغسطس عام 2006، بين هيئة المجتمعات التابعة للحكومة المصرية، وشركة "بالم هيلز" المملوكة بالحصة الأكبر لعائلتي منصور والمغربي، على أرض بمساحة 230 فداناً بمنطقة الامتداد الشرقي لمدينة القاهرة الجديدة.

في عام 2018، تمكّنت مجدداً مجموعة بالم هيلز، من التعاقد مع الحكومة المصرية على مساحات كبيرة من الأراضي، وهو تعاقد مباشر لم يخضع لمناقصة أو مزايدة علنية، ولم تعلن هيئة المجتمعات العمرانية عن تفاصيله؛ بسبب تعديلات الحكومة المصرية عدة قوانين تُنظّم تخصيص الأراضي، والرقابة على التعاقدات الحكومية.

هذه التعديلات، منعت الرقابة على تعاقدات الحكومة المصرية بشأن تخصيص الأراضي، وحرمت منظمات المجتمع المدني من ممارسة أيّ دور رقابي لاحق على تلك العقود، من خلال ساحات المحاكم المصرية، كتلك الدعوى التي رفعها المهندس حمدي الفخراني، المعروفة بقضية "مدينتي"، عندما عجز عن الحصول على قطعة أرض وفقاً لقانون المناقصات والمزايدات، وقاد الدعوى محامو المركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية؛ منهم المحامي خالد علي، نتجت عنها بنهاية المطاف استعادة الخزانة المصرية ملايين الجنيهات.

بعد الحكم ببطلان التعاقد، تمكّنت الحكومة المصرية من توقيع تعاقد جديد بخصوص مشروع "مدينتي"، يشمل آلية لتطبيق وتنفيذ حصول الحكومة على نسبة تقدر بسبعة في المئة من إجمالي مسطح المباني، على ألا يقل المقابل العيني عن 9.98 مليار جنيه (1.65 مليار دولار) تقريباً؛ يشمل 3.195 مليون متر مربع من المباني كاملة التشطيب، بحسب التقرير المالي لمجموعة طلعت مصطفى، وصدر العقد الجديد بموافقة مجلس الوزراء في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر 2010، قبل عدة أشهر من سقوط نظام مبارك.

وتستمر عمليات التشييد والبناء في مشروع "مدينتي" شرقي القاهرة (حتى تاريخ نشر التحقيق)، وتطرح مجموعة طلعت مصطفى وحدات سكنية للمواطنين، بأسعار تتزايد بمرور الوقت؛ فبلغ سعر الوحدة السكنية في المدينة بمساحة 133 متراً مربعاً، في أحدث طرح لها في شهر نيسان/أبريل 2023، نحو خمسة ملايين جنيه (161.7 ألف دولار) وذلك بدون وديعة الصيانة، (مبلغ مالي يُدفع مقدماً عند التعاقد على الوحدات السكنية لصيانة المشروع، عادة ما يُقدّر بـعشرة في المئة من الثمن الإجمالي للوحدة).

خلال المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحكومة المصرية في شهر تشرين الأول/أكتوبر عام 2022، بعنوان "خارطة طريق لاقتصاد أكثر تنافسية"، تباهى هشام طلعت مصطفى -بعد سنوات من خروجه بعفو رئاسي من القضية المُدان فيها بقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم- بما قدّمه للدولة المصرية من أرباح، قائلاً: "إجمالي نصيب الدولة بمشروع مدينتي بلغ نحو 60 مليار جنيه (نحو 3.06 مليار دولار) حتى الآن، ويُمثّل 85 في المئة من حصة الوزارة فى المشروع".

عصر جديد... قواعد جديدة


هشام طلعت مصطفى يتحدث عن أرباح "مجموعته" خلال السنوات الأخيرة بأحد اللقاءات التلفزيونية

بعد تولي عبد الفتاح السيسي رئاسة مصر عام 2014، تصدّرت أجندته حينها خطط تشييد وبناء مدن جديدة، وجاءت العاصمة الإدارية الجديدة على قمة الأولويات؛ لتتجاوز تكلفة تشييدها 59 مليار دولار في ست سنوات تقريباً.

قبل العفو الرئاسي، وتحديداً في نيسان/أبريل عام 2017، حصلت مجموعة طلعت مصطفى القابضة، على أراضٍ فى العاصمة الإدارية الجديدة بمساحة 500 فدان (الفدان يُعادل أربعة آلاف و200 متر مربع) لإقامة مشروع عمراني متكامل؛ بلغت قيمة التعاقد 4.4 مليار جنيه تقريباً، ما يعادل حينها 242 مليون دولار أميركي، تُدفع على أقساط لمدة تسع سنوات، وبالعملة المحلية. يُعرف هذا المشروع اليوم باسم "سيليا".

حقّقت مجموعة طلعت مصطفى ارتفاعاً في مبيعات الوحدات السكنية عام 2018، بنسبة نمو بلغت 93 في المئة، مدفوعة بارتفاع مبيعات مشروع "سيليا"، الذي طُرحت وحداته للمرة الأولى في العام ذاته في حزيران/يونيو، وبلغت مبيعاته 12 مليار جنيه (655 مليون دولار أميركي) في أول 6 أشهر من الطرح.

بينما تُحقّق كبرى الشركات العقارية في مصر، وعلى رأسها مجموعة طلعت مصطفى، مزيداً من الأرباح؛ تتحطم أحلام الشباب في تملك شقة سكنية، وتأسيس منزل مستقل للزواج.

محمد عمر من بين هؤلاء الشباب، الذين فرضت عليهم الظروف الاقتصادية و"جشع" أصحاب الشركات العقارية، تأجيل حلم "عش الزوجية" إلى أجل "غير قريب".

بينما تُحقّق كبرى الشركات العقارية في مصر، وعلى رأسها مجموعة طلعت مصطفى، مزيداً من الأرباح؛ تتحطم أحلام الشباب في تملك شقة سكنية، وتأسيس منزل مستقل للزواج. يقول عمر: "لما يبقى معايا المليون جنيه الشقة هتبقى بكام؟ حاسس بأن الشقة أمام عيني وكل ما أجري عليها، بتبعد عني".

فالحصول على "شقة تمليك"، هو أحد الشروط الأساسية لموافقة أهل أي عروس على إتمام عقد الزواج؛ كونها أولوية في ظل تصاعد أسعار الإيجارات، وانخفاض رواتب "الطبقة المتوسطة" مع تراجع قيمة الجنيه المصري أمام العملة الأميركية، وفقاً لـعمر الذي يتقاضى راتباً شهرياً مقداره ثمانية آلاف جنيه (258.8 دولار) مقابل عمله باحثاً في مركز للدراسات في القاهرة.

يقول: "لما يبقى معايا المليون جنيه الشقة هتبقى بكام؟ حاسس بأن الشقة أمام عيني وكل ما أجري عليها، بتبعد عني".

يبلغ سعر الوحدة السكنية في مشروع "سيليا" بالعاصمة الإدارية، بمساحة 119 متراً مربعاً، وبنظام التقسيط على 11 عاماً، نحو أربعة ملايين و284 ألف جنيه مصري (143 ألف دولار أميركي)، وفق فريق مبيعات مجموعة طلعت مصطفى القابضة؛ أيّ ما يعادل نحو راتب "عمر" الشهري "كله" لـ 45 سنة متواصلة.

مع اهتمام الدولة بالنشاط العقاري، عادت ممارسة تخصيص مساحات عملاقة من الأراضي إلى مطوّرين عقاريين كبار بهدف الاستثمار، وكانت أكبر صفقتين من نصيب مجموعة طلعت مصطفى، وبالم هيلز. جاءت الصفقتان بعد قرار مجلس الوزراء رقم 25 لعام 2019 بتغيير قانون تخصيص الأراضي، من نظام المناقصات والمزايدات رقم 89 لسنة 1998 إلى نظام تخصيص الأراضي بالأمر المباشر.


غياب التوزيع العادل للأراضي

يرى الحقوقي خالد علي أن قانون تخصيص الأراضي بالأمر المباشر، تسبب في ضياع التوزيع العادل للأراضي، وأسهم في غياب الشفافية، بل وأضاف صفة تشريعية على تعاقدات "غير قانونية" سابقة بين رجال الأعمال والدولة.

في 17 كانون الثاني/يناير 2021، صدر قرار وزارة الإسكان بمنح "الشركة العربية" المملوكة لهشام طلعت مصطفى، أرضاً على مساحة 5 آلاف فدان (2.1 مليون متر مربع) لإنشاء مدينة "نور" بحدائق العاصمة الإدارية الجديدة، وهي المقابلة للعاصمة الإدارية.

اكتفى القرار الوزاري الصادر بتاريخ 16 آب/أغسطس 2021، بذكر أن مقابل التخصيص يشمل "الحصة العينية والنقدية"، وأن الشركة العربية للاستثمار العمراني دفعت مبلغ 13.86 مليون جنيه مصري (887 ألف دولار أميركي)، يُمثّل عشرة في المئة من المصاريف الإدارية؛ إلا أن هشام طلعت مصطفى كشف تفاصيل أخرى عن المقابل، في لقاءات تليفزيونية.

يقول المحامي الحقوقي خالد علي، إن الحكومة المصرية برّرت تغيير قانون تخصيص الأراضي، بضرورة تسهيل التعاقد والاستثمار؛ ولكن ما حدث أن المساحات الكبيرة من الأراضي مُنحت لرجال أعمال دون غيرهم، ولم يُكشف عن أسباب حصولهم عليها، ولم نعرف هل هم فقط القادرون على التنمية العمرانية؟! وهل يُعدّ ذلك أفضل مقابل مادي لسعر الأرض الممنوحة لهم؟! بل لم يحق للشعب أن يعرف المقابل المادي للأرض، وفقاً لخالد علي.

كيف تسبب قانون تخصيص الأراضي بالأمر المباشر، في ضياع التوزيع العادل للأراضي، وأسهم في غياب الشفافية، بل وأضاف صفة تشريعية على تعاقدات "غير قانونية" سابقة بين رجال الأعمال والدولة؟

الصفقات التي حصل عليها هشام طلعت مصطفى بعد العفو الرئاسي، في العاصمة الإدارية الجديدة، تتبع شركة العاصمة الإدارية الجديدة، التي تتولى التعاقد على المشروعات كافة داخل العاصمة، وتُعدّ شركة مملوكة لثلاث جهات؛ هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وجهاز أراضي القوات المسلحة، وجهاز الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، وأُسست الشركة عام 2016 بقرار رئيس الجمهورية، برأسمال بلغ 20 مليار جنيه مصري، بحسب تصريحات إعلامية لخالد عباس رئيس شركة العاصمة الإدارية.

في شهر أيلول/سبتمبر 2022، وبعنوان "من يملك القاهرة"، كشفت دراسة أصدرتها شركة "10 طوبة" المتخصصة في الدراسات العمرانية، عن امتلاك شركات التطوير العقاري التي تعود إلى عائلات (مثل منصور وطلعت مصطفى) نحو 36 في المئة من حيازات الأراضي في القاهرة (الأراضي التي رصدتها الدراسة تمثل إجمالي الحيازات التي حصلت عليها كبرى الشركات والكيانات ذات النشاط العقاري المُسجّلة في البورصة المصرية؛ سواء كانت بملكية مباشرة أو مشاركة بين عامي 2011 حتى عام 2021)، وأغلب هذه الحيازات مملوكة لسبعة مستثمرين فقط، وهم مالكو حصص مسيطرة على خمس شركات عقارية، ضمن أكبر عشر شركات عقارية مُدرجة في البورصة المصرية.

وفاق وعفو

وتمتلك بعض الحكومات كالإمارات والكويت والنرويج، حصة من تلك الأراضي، بالإضافة إلى شركات عائلية سعودية ومصرية، كعائلة بن لادن، والراشد، والمغربي.

وعلى رأس هؤلاء جميعهم -وبعد شركات الحكومة المصرية مباشرة- يأتي هشام طلعت مصطفى ومجموعته العقارية.

منذ خروجه من السجن بعفو رئاسي، يظهر هشام طلعت مصطفى "عادة" بجوار رئيس مجلس الوزراء، أو وزير الإسكان، في كبرى مؤتمرات الاقتصاد والتطوير العمراني في مصر.

هذه اللقاءات لا تُمثّل دليلاً على وجود صداقة تجمعه مع المسئولين؛ ولكنّها في الوقت نفسه تكشف بشكل ما عن "وفاقه" مع الدولة؛ فغالباً ما يُقدّم هشام طلعت مصطفى تبرعات مليونية لجهات كـ "صندوق تحيا مصر". ففي نيسان/أبريل عام 2020، قدّمت مجموعة طلعت مصطفى، تبرعاً بقيمة 62 مليون جنيه لمواجهة أزمة كورونا، منها 25 مليون جنيه لصندوق تحيا مصر، الذي سبق أن أعلنت رئاسة الجمهورية عن تأسيسه في الأول من تموز/يوليو عام 2014؛ بغرض "دعم" الاقتصاد المصري.

بعد أقل من شهر على هذا التبرع السخيّ، وتحديداً في 22 أيّار/مايو عام 2020، صدر قرار رئاسي رقم 232 بالعفو عن ضابط "أمن الدولة" السابق محسن السكري، المحكوم عليه بالسجن المؤبد (بعد تخفيف حكم الإعدام)؛ لإدانته بجريمة قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم، بإيعاز من هشام طلعت مصطفى؛ لكنّه بقي في السجن لإدانته في جرائم أخرى.

يشير يحيى شوكت، رئيس شركة "10 طوبة"، إلى أن تخصيص مساحات شاسعة من الأرضي، لعدد محدود من الشركات في مدينة واحدة جديدة، يمنح المستثمرين مساحة للتحكم في أسعار الوحدات السكنية واحتكار السوق العقاري المصري.

مع تغيير إجراءات تخصيص الأراضي عام 2019، أصبح من الصعب الوصول إلى تفاصيل تعاقدات الدولة مع المطوّرين العقاريين، ومعرفة القيمة الفعلية لصفقات مثل مدينة "نور" بين رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى والحكومة المصرية؛ كما سلبت هذه "التغييرات" حق الاعتراض على إجراءات تخصيص تلك الأراضي في ساحات القضاء.

فأصدرت الدولة المصرية قانون رقم 32 لسنة 2014، بتنظيم إجراءات الطعن على عقود الدولة؛ ما يمنع تقديم طعون على أي تعاقد تقوم به الحكومة المصرية، سواء مع القطاع الخاص أو مع جهات أجنبية.

وخلال ثماني سنوات من محاولات الطعن على القانون؛ رفضت المحكمة الدستورية العليا الطعن المُقدّم من المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأسقطت المحكمة دعوى عدم دستوريته، في 14 كانون الثاني/يناير 2023؛ ما يحرم المواطنين حق الطعن في صحة عقود الدولة والتصرف في الممتلكات العامة، والذي أقرته مواد دستورية:

وعلّلت المحكمة الدستورية رفضها الدعوى بما وصفته بمرور الاقتصاد القومي "بمرحلة دقيقة، احتاج فيها إلى العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية، وحجب كل ما يزعزع الثقة في سلامة البناء الاقتصادي، وضمان احترام الدولة تعاقداتها".

قبل ذلك التعديل التشريعي، كان يحق للمواطنين الطعن بالبطلان على العقود التي تكون الدولة طرفاً فيها أمام المحاكم، والاطلاع على أصول التعاقدات.

يقول المحامي خالد علي: "طوال العقود الماضية، قبل هذا القانون، صدرت العديد من الأحكام القضائية التي تُبطل بيع بعض الشركات، وبالتالي قامت الحكومة بتعديل القانون ليصبح من حق طرفي العقد فقط، الطعن عليه أو اللجوء إلى المحاكم، وفي حالة مثل بيع شركة عمر أفندي، لم يعد للعامل الحق في رفع دعوى ضد بيعها حتى في حال وجود فساد".

مَن الرابح؟

يُظهر القرار الوزاري رقم 537 بتاريخ 16 آب/أغسطس عام 2021، تعاقد هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، مع الشركة العربية للتطوير العمرانى، التابعة لمجموعة طلعت مصطفى في مشروع نور؛ تحصل الهيئة بموجب التعاقد على مقابل مادي وعيني من المشروع، من دون ذكر تفاصيل عن إجمالي المبلغ أو طريقة تحصيله، وألزمت الشركة بدفع 13 مليون جنيه مصري (828 ألف دولار) رسوم الأرض.

ويحذر المحامي الحقوقي خالد علي، من أن الوضع الحالي لمنظومة السوق العقاري المصري نتج عنه "مبالغات" في تسعير بعض الوحدات العقارية من دون رقابة.

ارتفع صافي أرباح مجموعة طلعت مصطفى القابضة بنسبة 34 في المئة -خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2023- إلى 2.68 مليار جنيه (87 مليون دولار أميركي)، مقابل 1.99 مليار جنيه (64.56 مليون دولار أميركي) عن الفترة نفسها من عام 2022.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2023، قالت المجموعة في بيان للبورصة المصرية، إنها حققت نتائج أعمال غير مسبوقة في أول تسعة أشهر من 2023؛ إذ بلغت مبيعاتها العقارية التعاقدية 93.14 مليار جنيه (ثلاثة مليارات دولار أميركي)، ما وصفته برقم تاريخي غير مسبوق في قطاع النشاط العقاري في مصر.

وبينما يواصل هشام طلعت مصطفى "التوغل" في السوق العقاري المصري؛ محققاً أرباحاً تُقدّر بملايين الدولارات؛ لجأ رياض العزاوي، زوج المطربة اللبنانية سوزان تميم، إلى القضاء البريطاني عام 2022، لرفع دعوى قضائية ضد رجل الأعمال المصري هشام طلعت مصطفى، ولم يتضح لنا تفاصيل تلك الدعوى حتى تاريخ نشر هذا التحقيق.

ولكن في آب/أغسطس عام 2023، تمكّن هشام طلعت مصطفى من الحصول على حكم قضائي من محكمة مصرية برد "الاعتبار"، في قضية مقتل سوزان تميم، بعد مرور نحو ست سنوات من حصوله على عفو رئاسي؛ وهو الآن يقود أهم مشروعات التطوير العقاري في السوق المصري.

ملخص التحقيق


أنجز هذا التقرير بدعم من أريج

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard