شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
أبعاد أزمة المياه في مصر وتداعيات سد النهضة (4)... النزاع المصري الإثيوبي

أبعاد أزمة المياه في مصر وتداعيات سد النهضة (4)... النزاع المصري الإثيوبي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الأربعاء 18 أكتوبر 202311:55 ص

في المقال السابق عقدنا موازنة بين الفرص والمكاسب الإيجابية مقارنة بالتداعيات السلبية لسد النهضة على مصر. إذ تُلقي التداعيات السلبية بظلالها الكثيفة على الحاضر والمستقبل المصريين، وبالأخص في غياب رؤية وقيادة مصرية واضحة، وتطورات مستمرة في إدارة النزاع المصري الإثيوبي.

بدأ هذا النزاع عندما أعلنت الحكومة الإثيوبية رسمياً عن نيتها بناء سد النهضة في آذار/ مارس 2011. وبعد شهر واحد بدأ بناء السد، بينما كانت مصر منشغلة بثورة يناير. عارضت دولتا المصب، مصر والسودان، القرار الإثيوبي الأحادي الجانب ببناء السد، وقد خشي المصريون حينها أن يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في وصول مياه النيل إليهم.

أدت الاعتراضات لتشكيل لجنة النيل الثلاثية عام 2011 لتقييم آثار سد النهضة على مصر والسودان وإثيوبيا.

أدت تلك الاعتراضات لتشكيل لجنة دولية (لجنة النيل الثلاثية) في تشرين الثاني/ نوفمبر من نفس العام، لتقييم آثار السد على مصر والسودان وإثيوبيا، وتكونت من 10 أعضاء، اثنين ممثلين عن كل دولة وأربعة خبراء دوليين، وأصدرت تقريرها، الذي وقعه الأعضاء العشرة، في أيار/ مايو 2013.

وجد تقرير اللجنة مشاكل مختلفة تتعلق بالوثائق التي قدمتها إثيوبيا بشأن السد، وانتقد عدم وجود تحليل بشأن العديد من القضايا الحاسمة الأخرى. وشملت الانتقادات الآتي:

جودة وثائق المشروع: كانت التصاميم المقدمة للجنة عامة، دون مواصفات أو شروط خاصة بالموقع، كما كان تقرير التصميم قديماً ولم يتضمن التغييرات الكبيرة التي طالت المشروع.

السلامة: طلبت اللجنة المزيد من التحليل، إذ لم يكن لديها إذن للوصول إلى جميع المعلومات المطلوبة للتحقق من سلامة السد. شككت في بعض الافتراضات الهندسية مثل قوة القص، وأثارت بعض المخاوف الأخرى مثل الانزلاق والتسرب، واقترحت تعديلات على تصميم بعض أجزاء السد.

التغييرات في التدفق لدول المصب: وجد التقرير أن سد النهضة يسمح بتوسيع المحاصيل المروية السودانية، مما سيؤدي إلى انخفاض التدفقات إلى مصر. وطلب إجراء دراسة مفصلة حول هذه المسألة.

التأثيرات البيئية والمخاطر المناخية: كانت دراسات التأثيرات على السكان المحليين أو النظم البيئية أو مصائد الأسماك أو التنوع البيولوجي أو المناخ محدودة للغاية. لم يُؤخذ في الاعتبار شكل التأثيرات على الأوضاع البيئية والاجتماعية والاقتصادية لدول المصب بسبب ارتفاع السد، إذ يعتمد المشروع على أنماط هطول الأمطار الغزيرة، الأمر الذي يتطلب فهماً أفضل للظروف الهيدرولوجية المستقبلية لضمان عدم إلحاق الضرر بدول المصب، خاصة أثناء مواسم الجفاف.

عملية التشغيل: قُدمت بيانات محدودة للغاية.

● أوصى التقرير أيضاً بإجراء دراستين شاملتين من أجل "قياس التأثيرات النهائية بالتفصيل". وشمل ذلك تقييماً للآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية، ونموذج محاكاة للموارد المائية وأنظمة الطاقة الكهرومائية.

في 28 أيار/ مايو 2013، قبل ثلاثة أيام من نشر لجنة النيل الثلاثية لتقريرها، حوّلت إثيوبيا مجرى النيل الأزرق للبدء في بناء سد النهضة، وفُسّر ذلك على أنه إشارة إلى النوايا الإثيوبية للمضي قدماً في بناء السد دون موافقة دول المصب. اعترضت مصر على التحويل ولكن دون جدوى، كما طالبت بوقف البناء حتى الانتهاء من الدراسات التي أوصت بها اللجنة. وردت إثيوبيا بأن اللجنة لم تطلب إيقاف العمل، زاعمة عدم وجود تناقض بين الشروع في البناء والعمل في الدراستين في وقت واحد.

بعد الكثير من المداولات، وفي آذار/ مارس 2015، توصلت مصر والسودان وإثيوبيا إلى تفاهم وتوقيع اتفاقية إعلان المبادئ بشأن سد النهضة، وهي تلزم أطرافها الثلاثة بإجراء الدراستين الشاملتين اللتين أوصت بهما اللجنة، ووضع المبادئ التوجيهية والقواعد الخاصة بملء السد وتشغيله السنوي. وبدأ الخلاف فور توقيع الاتفاقية، مع الجدل حول تفاصيل واختصاصات الدراسات.

إحدى نقاط الخلاف الرئيسية كانت تتعلق بوقت ملء وتشغيل سد النهضة في مواسم الجفاف، خاصة في ظل عدم وجود أي موقف واضح ستتخذه إثيوبيا بهذا الشأن

استمرت المفاوضات حتى عام 2019، مع تصاعد التوترات. تنص المادة رقم 10 من الاتفاقية على أنه يمكن استخدام الوساطة في حالة فشل الدول الثلاث في التوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد. وبناءً على طلب مصر، توسط وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين وممثل عن البنك الدولي بين إثيوبيا ودولتي المصب، مصر والسودان. واتفقت الدول الثلاث على أربع جولات من المحادثات في إثيوبيا والقاهرة وواشنطن، لكن إثيوبيا انسحبت بعد اعتراضها على المسودة النهائية للاتفاق المطروح للتوقيع في الجولة الرابعة.

وفي أيار/ مايو 2020، قدمت مصر التماساً إلى مجلس الأمن تطلب فيه من إثيوبيا احترام التزاماتها واستئناف المحادثات، وحث الأمين العام للأمم المتحدة الدول الثلاث على مواصلة المفاوضات. في حزيران/ يونيو 2020، دعا رئيس جنوب أفريقيا ورئيس الاتحاد الأفريقي إلى وساطة جديدة، أدت إلى استئناف المفاوضات في سلسلة من الاجتماعات بين الدول الثلاث، إلى جانب الاتفاق على تأجيل ملء خزان السد حتى التوصل إلى اتفاق ثلاثي.

الجدير بالذكر إن إحدى نقاط الخلاف الرئيسية كانت تتعلق بوقت ملء وتشغيل سد النهضة في مواسم الجفاف، خاصة في ظل عدم وجود أي موقف واضح ستتخذه إثيوبيا بهذا الشأن. في الفترة من 9 إلى 17 تموز/ يوليو 2020، عقدت سلسلة من الاجتماعات تم الاتفاق فيها على بعض المسائل الفنية المتعلقة بعملية الملء، في حين لم يتم الاتفاق على جوانب أخرى مثل الوضع الملزم قانوناً للاتفاقية.

السدود المصرية والسودانية لا يمكن إطلاقاً أن تؤثر على باقي دول حوض النيل.

في هذه الأثناء، بدأ الإثيوبيون عملية الملء الأولى لخزان السد في حزيران/ يونيو 2020، إذ أعلن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي عن تعبئة كمية المياه المطلوبة للسنة الأولى من الملء، دون الحصول على موافقة دولتي المصب. وأوضحت إثيوبيا أن الملء له مبررات، نظراً للحاجة إلى كمية صغيرة من المياه لاختبار أول توربينين.

أجرت إثيوبيا عملية ملء ثانية في نهاية أيار/ مايو 2021، وكان المبرر هذه المرة هو تخزين ما يكفي من المياه لتركيب وتشغيل أول توربينين مرة أخرى. جاء الإعلان الإثيوبي لبدء عملية الملء الثانية للسد بعد النفي في البداية، إذ أعلنت السودان عن وجود أدلة على استئناف عملية الملء، مع تسجيل البيانات الهندسية والفنية انخفاضاً في منسوب مياه النيل الأزرق، مما يعني منع المياه عند المنبع، وهو ما اضطر إثيوبيا للإفصاح عن بدء الملء الثاني.

وفي 5 تموز/ يوليو، أعلن وزير الري المصري إرسال إثيوبيا لإشعار رسمي ببدء مرحلة الملء الثانية، وأعربت مصر والسودان عن اعتراضهما وتحذيرهما من المزيد من تجميع ومنع سريان المياه دون اتفاق، كما اعتبرت مصر الإجراء الأحادي الذي اتخذته إثيوبيا بمثابة تهديد للاستقرار الإقليمي. غرد وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي في 19 تموز/ يوليو بأن إثيوبيا حققت هدف العام الثاني لملء سد النهضة. لاحقاً، أجرت إثيوبيا عملية ملء ثالثة في آب/ أغسطس 2022.

أدت الحملة الدبلوماسية التي قامت بها مصر والسودان إلى مطالبة أعضاء جامعة الدول العربية بتدخل مجلس الأمن الدولي. وفي الإحاطة التي عقدها المجلس في 8 تموز/ يوليو 2021، أكدت وزيرة الخارجية السودانية على أنه يجب تشغيل السد على أساس اتفاق ثلاثي ملزم قانوناً يأخذ في الاعتبار الاستخدام المنصف والمعقول دون التسبب في ضرر لدول المصب. وأعربت الوزيرة عن مخاوفها من التهديدات التي يشكلها موقع السد بالقرب من الحدود السودانية، وأنه في غياب التعاون الثلاثي يهدد نصف السودان ومصر بأكملها. وأشارت إلى أن إثيوبيا رفضت جميع المقترحات لمعالجة هذه المسألة. بينما زعم وزير الخارجية المصري أن الإجراءات الأحادية التي اتخذتها إثيوبيا هي "في الأساس إعلان لملكيتها لنهر النيل"، وتنتهك القوانين الدولية. وطلب من الأعضاء اعتماد مشروع القرار الذي تقدمت به تونس والذي يقترح التوصل إلى اتفاق منصف في إطار زمني محدد.

جاء الإعلان الإثيوبي لبدء عملية الملء الثانية للسد بعد النفي، إذ أعلنت السودان عن وجود أدلة على استئناف عملية الملء، مع تسجيل البيانات انخفاضاً في منسوب مياه النيل الأزرق، مما يعني منع المياه عند المنبع، وهو ما اضطر إثيوبيا للإفصاح عن بدء الملء الثاني

اعترض وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي على طرح هذه القضية أمام مجلس الأمن، بحجة أن مصر والسودان شيدتا سدوداً وقنوات مختلفة دون مراعاة حقوق دول الحوض الأخرى. وحذر من أن "إثيوبيا لا تستجيب بشكل جيد للضغوط والتدخلات السياسية غير المبررة"، إلا أنه أعلن مواصلة المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، كما أعرب عن اعتقاده بأنه لا يزال من الممكن التوصل إلى اتفاق، وأضاف: "لا ينبغي لأحد منا أن يعطش وهو يشاهد الآخرين يشربون".

الجدير بالذكر أن السدود المصرية والسودانية المذكورة، لا يمكن إطلاقاً أن تؤثر على باقي دول حوض النيل، إذ تحتل السودان ومصر المركزين الأخيرين في الترتيب في دول الحوض، ولا يمكن أن يؤثر اقتطاعهما للمياه على أي من الدول التي تقع قبلهما.

إلى الآن، تستمر إثيوبيا في إتخاذ القرارات أحادية الجانب، فأعلنت في آب/ أغسطس 2023 عن استكمال الملء الرابع. وحتى وقت كتابة هذا المقال، تحاول الدول الثلاث استكمال المفاوضات والمحادثات مع الكثير من التوتر، ولا يوجد حل يلوح في الأفق.

أيضاً في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تُخيم على كل من مصر وإثيوبيا، فالأمور ليست دائماً بهذه البساطة، فهناك عوامل أخرى تؤثر على إدارة ملف المياه في مصر، وهذا ما سنشرحه في المقال القادم.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما أحوجنا اليوم إلى الثقافة البيئية

نفخر بكوننا من المؤسّسات العربية القليلة الرائدة في ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺇﺫﻛﺎﺀ ﺍﻟﻮﻋﻲ البيئيّ. وبالرغم من البلادة التي قد تُشعرنا فيها القضايا المناخيّة، لكنّنا في رصيف22 مصرّون على التحدث عنها. فنحن ببساطةٍ نطمح إلى غدٍ أفضل. فلا مستقبل لنا ولمنطقتنا العربية إذا اجتاحها كابوس الأرض اليباب، وصارت جدباء لا ماء فيها ولا خضرة.

Website by WhiteBeard