شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
خديعتان إعلاميتان تقودان الحرب وتعززان أهدافها

خديعتان إعلاميتان تقودان الحرب وتعززان أهدافها

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحقيقة

الأربعاء 24 يناير 202403:26 م

أعتقد أن قيادات الشعب الفلسطيني بأطيافها السياسية كلها تتعرض لخداع إعلامي وضخ أيديولوجي حول قضيتين مهمتين تتعلقان بمصير هذا الشعب ومستقبل قضيته. الخديعة الأولى هي حول أهداف نتنياهو من هذه الحرب. فبعد أكثر من مئة وعشرة أيام من القتل الممنهج والتهجير الذي لم يحصل له مثيل حتى في أسوأ الحروب، وبعد تحويل غزة إلى مكان غير قابل للحياة، يبدو الحديث عن حرب تُشنّ من أجل استرجاع رهائن، وتفكيك قدرات حماس، حديثاً بلا معنى ومثيراً للاستغراب. فلو استخدمنا المنطق البسيط، لاكتشفنا أن كل حرب عسكرية ترافقها مبادرات أو اقتراحات سياسية من طرفَي الحرب، وهدف هذه المبادرات، عادةَ، هو تحقيق الأهداف المرجوة بتكاليف أقل. فلماذا لا يقدّم نتنياهو أي مبادرة توصله إلى مطالبه؟ ليس بالضرورة أن توافق حماس أو الفلسطينيون أو حتى العالم بشقّيه الداعم والرافض، على مبادرة كهذه، لكن عدم وجود أي مقترحات سياسية من طرف المعتدي يشير دون عناء التحليل إلى أن المعتدي يكذب، لا أقل ولا أكثر.

إذاً نتنياهو وحكومته لا يريدان فقط استرجاع الرهائن وتفكيك قدرات حماس، وهو بالضرورة لا يريد الانتقام لما تلقّاه من إهانة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، إذ إن ما حلّ بغزة وأهلها منذ ذلك التاريخ وحتى الآن يُعدّ أكثر بكثير من انتقام، برغم الخسائر الفادحة واللطمات المتتالية التي يتلقاها هو وجيشه ومنظومته الأمنية. هذا مع العلم أن الدول لا تدير حروبها بمنطق الانتقام أو الثأر، أو رد الصاع صاعين، بل تديرها لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية في نهاية المطاف.

ما هي هذه الأهداف السياسية التي يريد نتنياهو تحقيقها؟

على رأس هذه الأهداف، التخلص من العبء الديموغرافي الفلسطيني بين النهر والبحر، وذلك من أجل تحقيق رؤيته لإسرائيل كدولة قومية لليهود. لكن طرد السكان أو قتلهم ليسا بهذه السهولة، أو لن يكونا بهذه السهولة في عالم تحكمه، ولو نظرياً، شرائع حقوق الإنسان والاتفاقيات المتبادلة بين الدول، واحترام السيادات وما إلى ذلك من قيم وأعراف تمت صياغتها، والاعتراف بها في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. ما العمل إذاً؟ لا بد من توفر البيئة المناسبة محلياً ودولياً، ولا بد أيضاً من توفر الدافع وذلك عبر شيطنة العدو وإفقاده أي حقوق سياسية أو حتى بشرية.

قيادات الشعب الفلسطيني بأطيافها السياسية كلها تتعرض لخداع إعلامي وضخ أيديولوجي حول قضيتين مهمتين تتعلقان بمصير هذا الشعب ومستقبل قضيته. الخديعة الأولى هي حول أهداف نتنياهو من هذه الحرب. أما الثانية، فتتعلق بالتصريحات الأمريكية، على الأقل تلك التي تخص حل الدولتين.
لقد رد نتنياهو بعصبية مفرطة على ذهاب جنوب إفريقيا إلى محكمة العدل الدولية، وفي أثناء ردّه خرجت من فمه جملة لا يمكن استخدامها إلا في سياق يشبه سياق "طوشة الحارات"، إذ قال: أين كانت جنوب إفريقيا حين تم قتل آلاف السوريين؟ لقد "عايرنا" (النا هون لمين بترجع) إن صح التعبير بقتل السوريين وتهجيرهم، لكنه لم يجرؤ على ذكر الأوكرانيين، وذلك لحساسية علاقته ببوتين وعلاقة إسرائيل بروسيا. إذاً، نتنياهو يعتقد أن ما يقوم به لا يختلف كثيراً عما حصل في إدلب أو حلب أو حتى خيرسون أو باخموت. وكما هو معروف فإن منسوب العنف في المنطقة والعالم ارتفع في السنوات الأخيرة وتم القبول به، أو تم التغاضي عنه في أفضل الأحوال. ولذلك فنتنياهو يعتقد، ويبدو أن البيئة العالمية تشجع اعتقاده، بأن الفلسطينيين ليسوا استثناءً، وليسوا أفضل من السوريين أو العراقيين أو الليبيين.
هذا في ما يخص البيئة المناسبة التي تتوافر للقيام بهذا الكم من الإبادة الوحشية ومن التهجيرالممنهج. أما في ما يخص شيطنة العدو، فقد بدأت إسرائيل حربها على غزة بمصطلحين مدروسين تماماً: "حيوانات بشرية" و"داعش". بالطبع لم يتم استخدام المصطلح الأول كشتيمة لنا كما اعتقد البعض، فالدول، أيضاً وأيضاً، لا تخوض حروبها بالشتائم. كما لم يكن هذا المصطلح موجهاً إلينا على كل حال، بل كان موجهاً إلى الغرب وآلته الإعلامية، أي إلى الحلفاء المفترضين. وبالتأكيد لم تكن حماس هي المقصودة به، بل الشعب الفلسطيني برمته. ولهذا رأينا كذب الصحافية الأمريكية في ما يخص تلفيقات قتل الرضّع والاغتصابات المزعومة، ولهذا رأينا زعماء العالم يتوافدون على إسرائيل ويعلنون تضامنهم معها، ويعطونها الضوء الأخضر لقتلنا، إلى أن تم تراجع البعض منهم تحت ضغط الانفلات الإسرائيلي الذي فاق كل تصور لحلفاء إسرائيل قبل معارضيها.
الخديعة الإعلامية الثانية التي نتعرض لها وتنطلي في جزء منها علينا، هي التصريحات الأمريكية، أو على الأقل تلك التصريحات التي تخص حل الدولتين، وخلاف الإدارة الأمريكية مع نتنياهو حول هذه النقطة تحديداً. فلو استثنينا التصريحات الأمريكية المؤيدة لشن حرب على حماس مع بداية الأحداث، فإن أول تصريح غريب من نوعه كان لجون كيربي، إذ أعلن أن الولايات المتحدة "تدعم ممراً آمناً للسكان نحو الجنوب". لقد صرح كيربي بذلك حتى قبل أن ينشر الجيش الإسرائيلي خرائطه لتحرك سكان القطاع.

وبعيداً عن الجفاء الظاهر بين الإدارة ونتنياهو، فإن التضارب في التصريحات حول قبول أمريكا بتهجير الفلسطينيين من عدمه، أو حول رفضها اقتطاع مساحات من قطاع غزة، أو خلافها مع نتنياهو حول اليوم التالي للحرب، لم تدفعها للتحرك. فبرغم مرور أربعة أشهر من هذه الحرب، ومع كل ما تفعله آلة الحرب الإسرائيلية من تجريف للقطاع بكامله، وتجميع للناس عند معبر رفح، كل ذلك لم يدفع الإدارة الأمريكية لتقوم بخطوة عملية واحدة، أو حتى بالتهديد بإجراء عملي، مما يعني أن كل هذه التصريحات ليست إلا لامتصاص غضب الشارع سواء في أمريكا نفسها أو عند حلفائها في المنطقة، أو لأنها لم تجد حتى اللحظة من يعلن قبوله استيعاب الفلسطينيين في حال تم تهجيرهم.

مشروع التهجير يسير حسب المخطط والتصور منذ بداية الحرب، وهو مشروع إسرائيلي أمريكي وليس إسرائيلياً فقط. أو إن شئنا عدم الدخول في النوايا، فهو بموافقة ضمنية أمريكية. تتكشف هذه الموافقة من كم التصريحات المتناقضة أمريكياً وإسرائيلياً، ومن العمل العسكري الدؤوب على الأرض بما يتنافى كلياً مع هدف استعادة مخطوفين أو تحييد قدرات المقاومة

وما تصريحات جون بولتون، رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي السابق، أمس الأول، والتي يقول فيها صراحةً إن قطاع غزة لا يمكن إعادة إعماره، وإن علينا (يقصد أمريكا والعالم)، أن نقوم بتوطين الفلسطينيين في دول اقتصادها قوي، ما هذه التصريحات إلا جس نبض للدول ذات الاقتصادات القوية، حول ما يتم التخطيط له.
ما أريد قوله هو أن مشروع التهجير يسير حسب المخطط والتصور منذ بداية الحرب، وهو مشروع إسرائيلي أمريكي وليس إسرائيلياً فقط. أو إن شئنا عدم الدخول في النوايا، فهو بموافقة ضمنية أمريكية. تتكشف هذه الموافقة من كم التصريحات المتناقضة أمريكياً وإسرائيلياً، ومن العمل العسكري الدؤوب على الأرض بما يتنافى كلياً مع هدف استعادة مخطوفين أو تحييد قدرات المقاومة. فعدم تقديم مبادرات سياسية من أكبر قوة في العالم، مبادرات تخص وقف الحرب، وليس فقط هدنةً هنا أو مساعدات إنسانيةً هناك، لا يمكن أن يعني إلا الموافقة على ما يجري في الميدان. وما يجري في الميدان هو جرف للسكان نحو رفح الحدودية، وعلى هامش هذا التجريف تجري الحرب، وليس العكس.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard