شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
دخلت مقهى

دخلت مقهى "الحرية" في القاهرة بحجابي، وشربت البيرة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

لأني من الأقاليم، أي المحافظات خارج القاهرة، كنت، مثل كثيرين يزورون القاهرة لأول مرة، منبهرة بالانفتاح النسبي الذي تتمتع به، دوناً عن باقي محافظات مصر، فهي العاصمة، وبها الكثير من الملهيات والانفتاح، بحكم السياحة وصناعة السينما وأشياء كثيرة أخرى.

كنت متردّدة بالذهاب إلى المقاهي العادية، وكنت أنبهر عند رؤيتي امرأة تدخّن الشيشة وسط تقبّل الجميع، في مناطق عادية وشعبية، كذلك كنت أتأمل صديقتي التي تشتري السجائر من السوبر ماركت، بثقة ودون أن ينظر لها البائع على أنها تفعل شيئاً خاطئاً أو يوصمها، على عكس مدينتي التي لا تدخّن فيها النساء التبغ سوى نساء الغجر وأسرتي المتشدّدة التي لن تسمح لي بالتواجد في أماكن تدخّن فيها نساء، حتى لا أتعلم منهن الانحلال!

في محيط كهذا، كان الاقتراب من عالم البارات والخمور مخيفاً ومثيراً للكثير من التساؤلات، كنت في البداية متحفّظة كما كانت أفكاري، أؤمن بحرية الجميع في فعل الأشياء بشكل نظري، ولكن عندما أراها أمامي تندهش عيناي من هذا العالم المنفتح جداً.

أتذكر المرة الأولى التي شربت فيها النبيذ عندما أخبرت صديقتي عن خبر سعيد في حياتي، فأخرجت زجاجة من ثلاجتها وقالت لي: "اشربي، احتفالاً بالحدث". كان الأمر ذا رهبة. خفت من أن تكون ردّة فعل جسدي قوياً، ولكن ذلك لم يحدث، فقط شعرت برعشة لذيذة خفيفة تجاوزتها وفرحت بانتصار شرب الخمر لأول مرة.

أتذكر المرة الأولى التي شربت فيها النبيذ عندما أخبرت صديقتي عن خبر سعيد في حياتي، فأخرجت زجاجة من ثلاجتها وقالت لي: "اشربي، احتفالاً بالحدث"

تدريجياً، بدأت الأمور تنفتح أكثر، أصادق أشخاصاً يشربون وأشرب معهم حسب السياق، وعادة يكون خارج مصر هو المكان الأنسب الذي أفعل فيه ما أريد دون حكم من أحد، حتى وإن كنت بالحجاب، بسبب وجودي في دوائر آمنة ومع أشخاص ثقة، وبسبب وجودي في بلدان منفتحة مثل لبنان، دون أن ينظر لي أحد أو يوصمني أي شخص بأني محجبة وأشرب كأساً من الجن، فلم أشعر أني أفعل شيئاً مستهجناً أو غريباً، وهذه قناعاتي؛ إذ أرى أننا أحرار في أن نفعل ما نريد بالملابس التي نريد، طالما لم نقترب من أماكن مقدسة أو مساحات عمل.

تدريجياً، بدأت أرتاد أماكن للشرب، في القاهرة، أكثر فأكثر. دخلت ذات مرة مقهى "الحرية" الشهير جداً، مع مجموعة أصدقاء في سني، ولأني بدوت أصغر سناً حينها، سألني النادل: "أنت مواليد كام؟"، فقط ليسمح لي بالدخول، وهذا لأنه رآني محجبة.

دخلنا جميعاً وكنت أشعر بالحرج والضيق بسبب حجابي، طلبت بيبسي وطلب أصدقائي بيرة. تكرّرت المرات في مطاعم وأماكن للشرب عديدة في القاهرة، وكان تحفظي مثلما هو، أشعر أن هذه الأماكن لا ترحّب بي، وهناك نظرة غير مريحة من النُدل ومسؤولي هذه الأماكن عندما يرون حجابي، وأشعر أنا كذلك بالضيق أيضاً.

سكرت ذات مرة عندما شربت بيرة مع أصدقائي في أحد أزقة منطقة الزمالك العريقة بالقاهرة، زجاجة بيرة بتركيز 15%. سكرت ولم أتمكن من التركيز تماماً والسيطرة على نفسي، ولا أعرف كيف بدوت، لأنه توجب عليّ السير ربع ساعة حتى أصل إلى المنزل، وظللت سكرى حتى اليوم التالي.

شيئاً فشيئاً جرأني صديق لي، وشدني حين وقفت خارج محل خمور بينما كان يشتري لنا زجاجات بيرة، أجبرني على الدخول لأنه لا ينبغي لي أن أخجل من أي شيء، وتوعد لأي شخص يمكن أن ينظر لي نظرة سيئة، وهذا لم يحدث. مرة أخرى خرجت معه في إحدى الروف الشهيرة، وشجعني على خلع حجابي مثلما تفعل بنات كثيرات. كنت خجلى من فعل ذلك، وتمنيت لو أني غير محجبة وحسب. قمت إلى الحمام. خلعت حجابي وهذبت شعري وارتديت حلقاً جميلاً وخرجت له. أخبرني أني جميلة جداً، وأنه لا داعي للخجل وبدأت شيئاً فشيئاً أستجمع قواي لأتعامل على أن كل شيء عادي. مرة أخرى خرجت مع صديق آخر وكرّرت خلع الحجاب ببساطة أكثر هذه المرة، ولكني توقفت لبرهة فيما بعد، وأصبحت أكثر شجاعة وجرأة بعد كل هذه التجارب.

بالتأكيد أنا أكره الحجاب وأرغب بخلعه لكني الآن محجبة ومضطرة لارتدائه، ولا أؤيد فكرة أن أحترم الحجاب وأتسق مع ذاتي، كما قالت لي إحدى الصديقات التي استعلت على تجربتي، لأنها استطاعت أن تخلع الحجاب أم أنا فلا، فأنا حرة أن أفعل ما أريد وأنا محجبة، والحجاب ليس صك طهر وعفاف كما يعتقد البعض، لا إهانة للحجاب، الذي لا أؤمن به بالطبع، ولكن من غير المنصف أن نصنف الأشخاص بناء على ملابسهم، سواء إيجابياً أو سلبياً، فكم من نساء غير محجبات أعرفهن وهن محافظات وذكوريات أو لا دينيات، ولا يمنعهن أحد من الحجاب أو دخول الأماكن المقدسة، على عكس ما يحدث مع المحجبات.

لتكن حياتنا بيدنا ولنجبر العالم أن يقبلنا كم نحن، لا أن نغير من أنفسنا لأجل عالم لن يرتضي بما نفعل مهما كان بسيطاً وبديهياً

قرّرت أنه لا داعي لخلع الحجاب وانا أشرب البيرة (بالطبع أخلعه متى أريد بسبب تفضيلي الشخصي، لا لأني محجبة ويجب أن أحترم حجابي)، بل من باب التمرّد أولاً، وحرية فعل ما أشاء دون إملاء من أحد، ومن باب تمثيل أن ليست كل من ترتدي الحجاب مؤمنه به وترغب في الالتزام بالدين ومعاييره، ومن باب الحرية أولاً وأخيراً، فأنا أؤمن بحق النساء في أن يفعلن ما يردن في المكان والتوقيت الذي يردن، فلطالما عشنا نفعل ما يمليه علينا المجتمع لقرون، ولم ولن نصبح سعداء.

في مرة أخرى، جلست في مقهى الحرية مع صديقي وأمامي زجاجات بيرة وأدخن السجائر وأنا في مدخل المقهى ويمكن لأي مار أن يراني. نعم فتاة محجبة في مدخل المكان تشرب البيرة ولا تشعر بالخجل. لم ينظر لي أحد باستهجان، وكنت واثقة مما أفعل ومن مشاعري، وكنت على استعداد أن أواجه أي شخص سينظر لي نظرة غير مريحة أو يشعرني بأني غير مرغوبة في المكان، ولكنه لم يحدث. ألقيت نظرة متمعنة في المقهى حولي، ووجدت أن كل الفتيات غير محجبات باستثناء فتاة واحدة في ركن بعيد، تشرب القهوة مع شاب يشرب البيرة ويتحدثان.

شعرت بالفخر بنفسي، وتذكرت أني كنت مكان هذه الفتاة في يوم من الأيام، ولم ألُمها بالطبع أو أشعر بأنني أفضل منها، ولكن شعرت أن وجود امرأة محجبة في مكان مكتظ بالسياح والنساء غير المحجبات، يشير إلى أن هناك شيئاً مختلفاً أفعله، نضال من نوع مختلف.

لا داعي لأن يجبرني أحد على من يجب أن أكون وماذا يجب أن أفعل، لأختار المكان الذي أريد وأرتدي فيه ما أشاء دون أن أتعرض للنظرات غير المرحبة أو الكلمات السخيفة، لتكن حياتنا بيدنا ولنجبر العالم أن يقبلنا كم نحن، لا أن نغير من أنفسنا لأجل عالم لن يرتضي بما نفعل مهما كان بسيطاً وبديهياً. 


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard