شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
تهريب السّلع الجزائرية لتونس...  حل للفقر أم للبطالة؟ أم فقدان للسيطرة على الحدود؟

تهريب السّلع الجزائرية لتونس... حل للفقر أم للبطالة؟ أم فقدان للسيطرة على الحدود؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والفئات المهمشة

الأحد 21 يناير 202402:07 م

"ماذا تَفعل أجرةُ ألف دينار تونسي، حوالي (322 دولار) لموظف تونسي و ربّ أسرة مكونة من 5 أفراد في ظل غلاء الأسعار؟" تتساءل نعيمة علاقي، المرأة الخمسينية من أصيلة محافظة القصرين الواقعة بالقرب من الحدود الجزائرية في حديثها لرصيف22 وهي تجلس أمام بسطة لبيع بعض المواد الاستهلاكية الجزائرية في وسط المدينة.

نعيمة، كأغلب الأشخاص في مدينة القصرين الذين يستهلكون السِّلع الجزائرية بمختلف أنواعها دون السؤال عن مصدرها وجودتها، وما إذا كانت تتوفر فيها الشروط الصحية أم لا؟ فالمهم أن تقتني المواد بثمن مناسب لتُلبِّي حاجياتها وحاجيات عائلتها.

البضائع الجزائرية تغزو الأسواق التونسية

المتجول في وسط مدينة القصرين التونسية يشاهد صفوفاً طويلة من السلع الجزائرية المتوزعة بطريقة عشوائية هنا وهناك على اابسطات، وتحتل الأرصفة وجانبَي الطريق، وتحتوي  مختلف المنتجات الاستهلاكية مثل الزيت النباتي والجبن والزبادي والشوكولاتة ومواد التنظيف والملابس الجاهزة. 

تستهلك نعيمة، كأغلب الأشخاص في مدينة القصرين السِّلع الجزائرية بمختلف أنواعها دون السؤال عن مصدرها أو جودتها، فالمهم أن تُلبِّي حاجيات عائلتها 

حتى مداخل الإدارات والبنوك والمنشآت العمومية لا تخلو من هذه البضائع، التي دخلت تونس في الغالب إمّا تهريباً أو تحت غطاء الاستهلاك الشخصي إنما بغرض بيعها.

تُعرض جل المواد الاستهلاكية الجزائرية بأسعار أقل بكثير من أسعار المنتجات المحلية، ووسط إقبال كبير من التونسيين الذين يعتبرونها بديلاً جيداً بسبب غلاء المعيشة. كما يتضاعف إقبال التونسييين على هذه المواد خلال المواسم والمناسبات التي تتطلب نفقات إضافية كالعودة المدرسية، والمناسبات الاجتماعية، والدينية، والأعياد.

كامل نصري رجل ستيني، دفعه إفلاس محلّه المُخصّص لبيع المواد الغذائية إلى التجارة بمواد التنظيف الجزائرية. رصيف22 التقاه خلال جولته في وسط المدينة، عندما كان جالسا وراء بسطته ويتحاور مع زبونة عن ثمن المواد المعروضة. يقول: "اشتغلتُ في محلي لمدة 35 سنة، لكن الأرباح بدأت في التراجع منذ 5 سنوات بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية التونسية، وفقدان البعض الآخر من السوق، وعمّق هذه الأزمة افتتاح مركز تجاري في نفس المنطقة، ففقدتُ حينها كل زبائني، ما دفعني الى امتهان التجارة الموازية منذ حوالي سنة لأتمكن من العيش".

ويُتابع حديثه لرصيف22: "لم أتمكن من الإبقاء على عملي، فإمكانياتي المادية لا تسمح بذلك".

حلول الفئات الأضعف

لا يختلف حال كامل عن حال نبيل عمري (37 عاماً)، وهو أب لطفلين وحاصل على شهادة جامعية التاريخ والجغرافيا، لم يسعف نبيل الحظ في إيجاد عمل في القطاع الحكومي يتناسب مع مستواه التعليمي، فاضطر إلى التوجه لتجارة المواد الاستهلاكية كالعصير والشوكولاتة والبسكويت والألعاب التي يستقدمها من الجزائر. رصيف22 التقاه في وسط مدينة القصرين، بينما هو يجهّز بسطته في الصباح الباكر على قطعة من الخشب يقول: "انتهت الحلول أمام الشباب العاطل عن العمل. والتجارة عبر الجزائر هي الحلّ الأخير، فثمن المنتجات الجزائرية أقل بكثير من ثمن التونسية، وهو ما يدفع التجار إلى تفضيلها، حيث يجلب الحريف (المهرب) القطعتين والثلاث بثمن قطعة واحدة محلية الصنع، دون إعطاء أهمية لنوعيتها". 

يبيع الحريف "المهرّب" القطعتين والثلاث من الجزائر للتاجر التونسي بسعر القطعة الواحدة محلية الصنع.  

ويتابع: "بالطبع نريد تشجيع الاقتصاد التونسي حتى يعود بالنفع على التنمية، ويحرك العجلة الاقتصادية. لكن عندما لا توفّر الدولة فرص عمل للشباب و أصحاب الشهادات العليا يجب عليها ألا تُضَيِّق الخناق على الباحثين عن موارد الرزق البديلة والسَّاعين لكسب قوتهم وقوت عائلاتهم"

ويرى أن السلطات المحلية في محافظة القصرين تُراعي ظروف الباعة لأنها تعي جيداً الوضع الاجتماعي للمواطنين، وانعكاسات الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد على مقدرتهم الشرائية، وإلا ستسود حالة من الفوضى قد تهدد السلم الاجتماعي، خاصة وأن مثل هده المهن تنأى بالشباب عن السرقة والعنف وتجارة المخدرات وغيرها من الظواهر الخطرة، في محافظة مصنفة على أنها الأفقر في تونس".

وفي بسطة نبيل، كانت نوال ساهلي ( 22 سنة) ورفيقَتَيْها يُقلّبن في أكياس الشوكولاتة والبسكويت ليخترن نوعًا محدّدًا لشراءه .

تقول العشرينية نوال ساهلي التي كانت ورفيقتها يبحثن في هذه البسطة عن نوع محدد من الحلويات: "يبلغ ثمن قطعة الشوكولاتة الجزائرية دينار واحد (0.280 دولار) بينما ثمن مثيلتها التونسية 3 دنانير (0.9 دولار) وهو سعر باهظ جداً، لذا نشتري الجزائرية، فهي في متناول الجميع". 

يرفض التاجر نبيل الإجابة على سؤال كيفية إدخال السّلع المهرّبة من الجزائر، مكتفياً بالقول إنه "سر المهنة" ولأن الجواب سيضر بالكثيرين ممن يعتاشون على هذه الأعمال. 

يرفض نبيل الإجابة على سؤال كيفية إدخال السّلع من الجزائر، مكتفياً بالقول إنه "سر المهنة" ولأن ذلك سيضر بالكثيرين ممن يعتاشون على هذه الأعمال.

وفي آخر معطيات نشرها المعهد الوطني للإحصاء وهو جهة حكومية، بلغت نسبة البطالة في تونس 15.8% في نهاية 2023 ، في حين بلغت البطالة في صفوف حاملي الشهادات الجامعية العليا 24.6%، بينما تصنف محافظة القصرين من المحافظات الأفقر على المستوى الوطني منذ 2014.

كما بلغت نسبة التضخم في تونس 8.1% خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر 2023، وفق آخر إحصائيات المعهد الذي أكد ارتفاع الأسعار عند الاستهلاك خلال هذا الشهر فقط بنسبة 0.6% مقارنة بالشهر الذي سبقه.

حلول اقتصادية بين البلدين

لكن ماذا عن تفعيل مناطق التّبادل الحر وإدماج التجارة الموازية في الدورة الاقتصادي؟ تتميز الحدود التونسية بمساحاتها الشاسعة وبكونها مترامية الأطراف من الناحية الغربية التي تحدها بالكامل دولة الجزائر، وعلى طول 965 كيلومتر، كذلك الحدود الجنوبية الشرقية مع دولة ليبيا التي يبلغ طولها 459 كيلومتر.

كما تتميز هذه الحدود بتضاريسها الصعبة كالجبال على الحدود الغربية مع الجزائر، والصحراء والسباخ على الحدود الجنوبية الشرقية مع ليبيا، وتساعد جغرافيا الحدود مواطني المناطق الحدودية وخاصة في التونسية، في عملية تهريب مختلف المواد، لا سيما البنزين والحديد والمواد الإلكترومنزلية والمواد الاستهلاكية المفقودة في الأسواق بسبب الفارق في العملة وفرق السعر بينها وبين المواد التونسية.

ووفق دراسة للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، فإن عدد العاملين في القطاع الموازي (اقتصاد الظل) بلغ 1.6 مليون شخص سنة 2020، أي 44.8% من إجمالي اليد العاملة في البلاد، في حين يعتبر القطاع الزراعي أحد أهم مجالات التشغيل في القطاع الموازي، إذ يشغل ما يزيد عن 85% من العاملين يليه قطاع البناء والأشغال العامة، ثم قطاعات أخرى كالتجارة والنقل. 

بحسب المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، فإن عدد العاملين في القطاع الموازي بلغ 1.6 مليون شخص سنة 2020، أي 44.8% من إجمالي اليد العاملة في البلاد. 

يقول الكاتب والمؤرخ محمد ذويب إن التجارة عبر المناطق الحدودية هي عادة دَأَبَ عليها سكان المناطق الحدودية حول العالم وموجودة عبر التاريخ.

ويصنف ذويب في حديثه لرصيف22 التهريب إلى ثلاثة أنواع، وهي التهريب المنظم أولاً، والتهريب المعاشي ثانياً، وثالثاً التهريب الخطير. يقول: "الدولة تتعامل مع هذا الملف وفق حاجياتها الأساسية حيث تغض النظر عن موضوع التهريب والمهربين في حال تعلّق الأمر بالمواد المفقودة من الأسواق التونسية مثل ما يحصل الآن في مواد الزيت والسكر والقهوة"، معتبرا أنه تعاطٍ براغماتي مع ملف التهريب، وفق تعبيره.

ويقترح بعض الحلول لتنظيم التجارة الحدودية مثل تركيز الدولة على مناطق التبادل الحُر والأسواق المنظمة في المناطق الحدودية، وأن تصبح هي من تُحدّد نوعية السلع وكمياتها.

يتابع: "في حال توفرت الإرادة السياسية لدى الدولة فيجب تقنين هذا النوع من التجارة ودمج (التجار) في العملية الاقتصادية، من خلال تخصيص أماكن لهم في الأسواق وإلزامهم بدفع الآداءات، وبالتالي تنتفع الدولة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية من جهة وتحقق حاجياتها الأساسية من جهة اخرى".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

نؤمن في رصيف22، بأن بلادنا لا يمكن أن تصبح بلاداً فيها عدالة ومساواة وكرامة، إن لم نفكر في كل فئة ومجموعة فيها، وأنها تستحق الحياة. لا تكونوا زوّاراً عاديين، وساهموا معنا في مهمتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard