شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
حين عُدّت الألعاب النارية في خدمة الإسلام… احتفال المسلمين بعيد الميلاد عبر التاريخ

حين عُدّت الألعاب النارية في خدمة الإسلام… احتفال المسلمين بعيد الميلاد عبر التاريخ

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

من الثابت في تاريخ الإسلام أن القدس (أورشليم) سقطت بين أيدي المسلمين في تشرين الأول/أكتوبر 636 م، لكن المستشرق الفرنسي ألفريد لويس دي بريمار، قدّم في كتابه "تأسيس الإسلام بين الكتابة والتاريخ"، موعداً آخر لذاك الفتح هو نهاية كانون الأول/ديسمبر 634 م.

يُمكن التوفيق -نسبياً- بين ادّعاءات بريمار وبين تأكيدات المؤرخين الإسلاميين بأن تاريخ بريمار هو موعد بداية الحصار العربي للمدينة لا استسلامها، وهو ما سيقودنا إلى إشكالية أخرى هي أن هذا التوفيق سيجبرنا على اعتبار أن المدينة صمدت أمام الحصار عامين كاملين برغم أنها قاومت لمدة 4 أشهر فقط، بحسب غالبية المؤرخين الإسلاميين.

على أي حال، فإن رواية بريمار -برغم ضعفها- منحتنا مشهداً درامياً ولحظةً دراميةً بامتياز، فلحظة وصول جيوش المسلمين إلى أورشليم تزامنت مع احتفالات عيد الميلاد.

بحسب بريمار، فإن مسيحيي المدينة المقدسة اضطروا إلى البقاء في بيوتهم بدلاً من الاحتفال في بيت لحم كما جرت العادة، وفي تلك الأثناء ألقى صفرونيوس، بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية في القدس، موعظة عيد الميلاد في أجواء أليمة تطرّق فيها إلى "السيف البربري المتوحش للساراسين (العرب)، السيف المسلول من غمده والمليء بقساوة شيطانية حقيقية"، وألقى البطريرك الأرثوذكسي باللائمة في ذلك على المسيحيين الذين كثرت خطاياهم حتى أن الله سخّر عليهم العرب الذين منعوهم من الاحتفال بعيد الميلاد.

في كتابه "كناشة النوادر"، يذكر عبد السلام محمد هارون أن احتفال المسلمين بعيد الميلاد أمر قديم جداً، فالشاعر الحسين بن الضحاك كتب إلى يوسف الكاتب وزير الخليفة المأمون (تُوفي عام 213هـ)، شعراً بمناسبة قدوم عيد ميلاد المسيح 

تمثّل هذه الشهادة دليلاً مهماً على حجم النظرة المغلوطة التي امتلكها الأوروبيون طوال العصور الوسطى عن العرب. ففي كتابات تلك الفترة الدموية والقتالية بين الأمّتين أفادت غالبية الإشارات إلى المسلمين بأنهم "برابرة" و"قتلة" و"دمويون".

بعد هذه الواقعة بسنوات، وتحديداً عام 539هـ/1144م، فرض عماد الدين زنكي والد نور الدين محمد بن زنكي، حصاراً على الرها، أول إمارة صليبية أقامها الأوروبيون في الشرق، حتى أسقطها ليلة عيد الميلاد، وفقاً لما أورده شاكر مصطفى في كتابه "100 من معارك الجهاد في الإسلام".

العكس تماماً جرى عام 1703م، حين قاد الأسقف دانيال بيتروفتش، حملةً ضخمةً ضد مسلمي الجبل الأسود الذين تمسّكوا بإسلامهم في مواجهة جيرانهم الصرب المسيحيين شديدي التعصب، الذين قرروا الهجوم على قرى المسلمين ليلة عيد الميلاد وقتلهم جميعاً. وفي عام 2000، وقع العكس حين استهدفت الجماعة الإسلامية 38 كنيسةً في 11 مدينةً إندونيسيةً عشية ليلة عيد الميلاد متسببةً في مقتل 19 فرداً وجرح 120 آخرين.

على سبيل الخيال، لو أتى أحدٌ إلى صفرونيوس أو بيتروفتش، أو إلى أحد إرهابيي إندونيسيا، وأخبرهم بأن أياماً أتت على خلفاء المسلمين "البرابرة" كانوا يحتفلون فيها بأعياد الميلاد ويجعلونه مناسبةً قوميةً وليس موعداً للقتل والذبح، لكذّبوه واتهموه بالهرطقة، ولكن هذا ما جرى فعلاً بعد مئات السنوات من "أسلمة" القدس ثم المشرق العربي كله، وهو أمر لم يحدث في عصرٍ إسلامي واحد أو في عهد خليفة بعينه بل تكرّر من وقتٍ إلى آخر في مختلف دول الإسلام.

الأمويون: احتفالات في الشوارع

يذكر الدكتور محمد منير في كتاب "العيش المشترك الإسلامي المسيحي في ظل الدولة الإسلامية"، أنه سُمح لبطريرك الإسكندرية في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، بالاحتفال بأعياد الأقباط.

هكذا، وبموجب إذن الخليفة، حمل المسيحيون الصلبان والشموع والأناجيل ونظموا مسيرات احتفاليةً في الشوارع.

العباسيون: جوارٍ وفاكهة

قرّب الخليفة العباسي المنصور، الطبيب المسيحي جورجيس بن بختيشوع من بلاطه ومنحه نفوذاً ووثق بآرائه في الحُكم حتى أنه في سنة 151هـ/ 768م، أرسل له 3 جوارٍ روميات بمناسبة حلول ليلة عيد الميلاد.

وفي رسالة الدكتوراه الخاصة به بعنوان "إسهامات أهل الذمّة في الحضارة الإسلامية"، يؤكد سمير الجبوري أن الخليفة العباسي الأمين اشتهر بإقامة مجالس الطرب والغناء خلال حلول عيد الميلاد.

في رسالة الدكتوراه الخاصة به بعنوان "إسهامات أهل الذمّة في الحضارة الإسلامية"، يؤكد سمير الجبوري أن الخليفة العباسي الأمين اشتهر بإقامة مجالس الطرب والغناء خلال حلول عيد الميلاد.

وفي كتابه "كناشة النوادر"، يذكر عبد السلام محمد هارون، أن احتفال المسلمين بعيد الميلاد أمر قديم جداً، فالشاعر الحسين بن الضحاك كتب إلى يوسف الكاتب وزير الخليفة المأمون (تُوفي عام 213هـ)، شعراً بمناسبة قدوم عيد ميلاد المسيح قال فيه: "وليلة ميلاد عيسى المسيح/ قد طالبتني بميثاقها... فهذي قدوري على نارها/ وفاكهتي ملء أطباقها".

الأندلس: سكب الماء وشراء الطعام

يقول أستاذ التاريخ كمال السيد أبو مصطفى في كتابه "مالقة الإسلامية في عصر دويلات الطوائف"، إن الأندلس عاشت جوّاً كبيراً من التسامح مع المسيحيين حتى أنهم كانوا يشاركون في إحياء أعيادهم الدينية وتحديداً عيد الميلاد عبر الاهتمام بشراء أنواع معيّنة من الفاكهة وتبادل الهدايا مع جيرانهم.

يحكي محمد بن أحمد العزقي الأندلسي، في كتابه "الدرر المنظوم في مولد النبي المعظم"، جانباً من أشكال هذه الممارسات قائلاً إن أهل الأندلس المسلمين اعتادوا الاحتفاء بهذه المناسبات عبر "بدعٍ صنعوها بموائد نصبوها لأبنائهم ونسائهم وتهادوا فيها بالتحف التي انتخبوها، ونصب ذوو اليسار نصبات في الديار كما نصب أهل الحوانيت".

بحسب أبو مصطفى، في عيد الميلاد اعتاد صبيان الأندلسيين المسلمين رشّ الماء في الأسواق والشوارع واللعب بالمقارع والعصي وشراء الأطعمة والتهادي بين بعضهم بها.

في كتابه، علّل العزقي هذه الممارسات بـ"تأثير الجوار عليهم ومخالطته لتجارهم".

الفاطميون: مصر أولاً

فور قدوم المصريين إلى مصر، سعوا إلى تأكيد اختلافهم عن أعدائهم العباسيين في العراق، والأمويين في الأندلس، فاهتموا بغرس وجودهم في مصر واعتمدوا على الاحتفالات الباهظة لتحقيق ذلك.

يقول إبراهيم رزق الله، في كتابه "التاريخ الفاطمي الاجتماعي"، إن الفاطميين اتخذوا من الاحتفالات الضخمة وسيلةً للتقرّب إلى المصريين وإثبات عظمة دولتهم في عيون رعيتهم وعيون أعدائهم فيرهبون جانبها ويحجمون عن الهجوم عليها.

وتضيف إيناس البهجي، في كتابها "تاريخ الدولة الفاطمية"، إن حكّام مصر الجدد ابتعدوا عن وسائل الإكراه لتحبيب المصريين بمذهبهم الشيعي وبدلاً من ذلك لجأوا إلى وسيلة أخرى، وهي تحويل جميع المناسبات المصرية إلى احتفالات قومية تنظمها الدولة بكل بذخ سواءً أكانت قوميةً أو دينيةً.

احتفل الفاطميون بمناسبات سُنّية، والعيد الأكبر وبأخرى شيعية مثل عاشوراء والغدير وبعيد ميلاد الإمام علي وزوجته فاطمة التي ينتسب إليها الخلفاء الفاطميون، وفرعونية مثل فتح الخليج وقبطية مثل عيد الميلاد.

وتورد الدكتورة نجوى كيرة، في كتابها "الجواري والغلمان في مصر خلال العصرين الفاطمي والأيوبي"، سبباً آخر لاهتمام الفاطميين بعيد الميلاد وهو أن حكام القاهرة اهتموا بكسب وِد الأقباط وسط دولة تعيش فيها أغلبية سنّية ظلّت مواليةً للعباسيين حتى فترة قريبة، لذا كان الفاطميون أكثر اطمئناناً إلى مُلكهم من المسيحيين أكثر من مسلمي مصر السُنّة، لذا قرّب الخلفاء الفاطميون المسيحيين منهم وعيّنوا الوزراء والأطباء منهم كما تزوّج الخليفة العزيز بشقيقة بطريرك بيت المقدس.

في ليالي الأعياد القبطية، كان الخلفاء الفاطميون يأمرون بضرب العملات التذكارية للاحتفال بالمناسبة، كما كانت تُقام طقوس حاشدة يحضرها الوزراء والخلفاء بأنفسهم ويتسابقون في توزيع الطعام والهدايا على الناس.

يقول أستاذ التاريخ كمال السيد أبو مصطفى في كتابه "مالقة الإسلامية في عصر دويلات الطوائف"، إن الأندلس عاشت جوّاً كبيراً من التسامح مع المسيحيين حتى أنهم كانوا يشاركون في إحياء أعيادهم الدينية وتحديداً عيد الميلاد 

ويضيف محمد زغلول سلام، في كتابه "الأدب في العصر الفاطمي"، أنه كثيراً ما كان الخلفاء الفاطميون يترددون على الأديرة بصحبة الوزراء والشعراء، لتقديم التهنئة للرهبان. يقول سلام: "كان دير القصير من منازله الفسطاط، وكان رهبانه يرحبون بالزائرين خاصةً في أعياد النصارى حيث يكون القصف والشراب والغناء، وكانت لهذا الدير مكانة لدى خلفاء الفاطميين، وكان يتردد عليه الحاكم بأمر الله لقضاء أوقات بين رهبانه".

يقول محمد منير، في كتابه إن الكثير من المسلمين كانوا يقلّدون الخلفاء ويترددون على الأديرة للاحتفال بعيد الميلاد بين المسيحيين، وفي بعض الأحيان كانت الحماسة الشعبية بالاحتفال تتجاوز الحد ويسرف الحضور في تناول الخمور إلى حدٍ عدّ معه سلام شافعي في كتابه "أهل الذمة في مصر في العصر الفاطمي الأول"، أن الإقبال الكبير على شُرب الخمور في عيد الميلاد أحدث انتعاشاً في هذه الصناعة طوال العهد الفاطمي.

وحسب ما يروي المقريزي، ففي هذا العيد كانت تباع الشموع والفوانيس ولا يبقى أحد من الناس على كافة المستويات إلا ويشتري منها لأولاده وأهله. ويضيف أن الناس كانوا يتسابقون على شراء الفوانيس لتعليقها في المنازل والمحال ويتنافسون في الإنفاق على تزيينها.

ويضيف المقريزي أنه كانت من عادة الأقباط ممارسة الألعاب النارية في الشوارع، وهو ما خلّده شاعر مسلم بقوله: "ما اللعب بالنار في الميلاد من سفهٍ/ وإنما فيه للإسلام مقصود".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard