شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
بين الأفلام الإباحية والواقع... صدمات بعض الرجال الجنسية بعد الزواج

بين الأفلام الإباحية والواقع... صدمات بعض الرجال الجنسية بعد الزواج

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحريات الشخصية

الجمعة 22 ديسمبر 202301:37 م

لم تتحمل "باربرا"، التي لعبت دورها سكارليت جوهانسون، في فيلم "دون جون"، أن تتفهم سبب استمرار "دون" في مشاهدة الأفلام الإباحية للوصول إلى النشوة التي لم يجدها في الواقع مع حبيبته المثيرة.

يتكرر المشهد في الحياة الطبيعية، فتكون الأفلام الإباحية السبيل الوحيد أحياناً لتكوين الصورة الأولية عن العلاقة الحميمة، وعن حجم الأعضاء التناسلية أو أعضاء الجسم المختلفة وخطوات ممارسة الجنس وغيرها من التفاصيل التي قد يُفاجأ الرجل باختلافها عن الواقع بعد الزواج.

تجارة عالمية وتفاصيل مضللة

في لقاء تلفزيوني، شرحت استشارية الصحة الجنسية الدكتورة هبة قطب، ما يحدث خلف كواليس صناعة الأفلام الإباحية في الولايات المتحدة، وهي أكبر ثاني تجارة مربحة في العالم بعد تجارة السلاح، فأوضحت أن المشاهد التي تبلغ مدتها 10 دقائق يتم تصويرها خلال 4 أيام، كذلك يتم التعاقد مع أبطال الأفلام شرط قبولهم باحتمال فقدانهم القدرة الجنسية بعد فترة قصيرة نتيجة حقنهم بمواد تُظهر الأعضاء الجنسية بحجم أكبر من الطبيعي.

تكون الأفلام الإباحية السبيل الوحيد أحياناً لتكوين الصورة الأولية عن العلاقة الحميمة، وعن حجم الأعضاء التناسلية أو أعضاء الجسم المختلفة وخطوات ممارسة الجنس وغيرها من التفاصيل التي قد يُفاجأ الرجل باختلافها عن الواقع بعد الزواج

وفي السياق نفسه، حذّر موقع الحب ثقافة المتخصص في التثقيف الجنسي، من انخداع البعض بأساليب الممارسات الجنسية في هذه الأفلام، وما تعكسه من إحباط في الحقيقة، كما نشر الموقع عدداً من المقاطع المصورة التي توضح الآثار السلبية لإدمان أفلام البورن وانعكاسها على الحياة الطبيعية.

بحسب تقرير نشرته مجلة نيوزويك الأميركية، بلغت صناعة الأفلام الإباحية في العام 2020 ما يقرب من 13 ألف فيلم، بعدما كانت 1،300 فيلم في العام الواحد، فيما تُقدّر القيمة الإجمالية لصناعة الأفلام الإباحية بـ100 مليون دولار، وتُشاهد مواقعها أعداد أكبر من متابعي نتفليكس، ويتردد عليها متابعون أكثر من متابعي فيسبوك وأمازون.

الصدمة الأولى... شريكتي ليست بطلة الأفلام

يتابع محمد علي (33 عاماً)، الأفلام الإباحية منذ 18 عاماً، فهذه الأفلام كانت السبيل المتاح للمتعة الجنسية دون تكلفة مادية.

يقول علي، لرصيف22، إنه في البداية لم تكن لديه فكرة مفادها أن هذه المشاهد مجرد تمثيل، فكان يعيش تفاصيلها وكأنها مقاطع مصورة من الواقع، حتى علم بعد ذلك أنها تقوم على الأداء التمثيلي.

ويوضح أن تجربته مع أفلام البورنو قد أثّرت في البداية على علاقته الجنسية، إذ اكتشف أن شريكته لم تكن في أدائها مثل بطلات الأفلام الإباحية، كذلك صُدم من عدم قدرته على تنفيذ بعض الوضعيات الجنسية التي كان يرغب في تجربتها، ومن كونه لا يتمتع بالقوة الجنسية ذاتها لأبطال الأفلام.

"اكتشفت أن ما شاهدته لا علاقة له بالواقع حتى أن نوع المتعة أو الألم لا يكون بالحدة المُصدّرة في الأفلام"

استمر محمد في متابعة الأفلام كمُحفزّ وبديل خلال فترات عدم إقامة علاقة، مشدداً على أنه يحاول دائماً أن يتذكر الفرق بين الأفلام وعلاقته بشريكته، إلا أن مُحيطه لم يخلُ من أصدقاء فقدوا السيطرة على أنفسهم فدمّروا حياتهم الزوجية جرّاء المواد الإباحية.

24 عاماً قضاها محمود عباس (36 عاماً)، في متابعة الأفلام الإباحية. يقول لرصيف22، إنه بدأ بمتابعتها وهو في سن الـ12 أو الـ13 سنةً تقريباً، وكان السبب في ذلك اختلاطه بأقرانه وسماعه ما يدور من أحاديث حول الأفلام المُثيرة جنسياً، فراح يشاهدها بدافع الفضول ثم اكتشف تغيّرات تحدث في داخله وهو ما يراه تطوراً طبيعياً للإنسان لا يمكن إيقافه.

كغيره من متابعي أفلام البورن، تخيل أن ما يدور حول أحجام الأعضاء التناسلية والأشكال وفترات الممارسة الطويلة، حقيقي، ومع مرور السنوات والنضج اكتشف أن الأمر مجرد صناعة تعتمد على التصوير والمونتاج، ويعتمد الممثلون على تعاطي مواد مُعيّنة كي تظهر أعضاؤهم بهذه الأحجام: "اكتشفت أن ما شاهدته لا علاقة له بالواقع حتى أن نوع المتعة أو الألم لا يكون بالحدة المُصدّرة في الأفلام"، مضيفاً أن الفارق برز في أن ما يشعر به مع شريكته قائم على المشاعر حسب تجربته الشخصية، فالدافع وراء علاقته بزوجته يكون بدافع التعبير عن الحب أكثر من الرغبة.

لم يتوقف محمود عن متابعة الأفلام التي يستخدمها كمُحفزّ أو مُثير، خاصةً أن هناك أفكاراً لا يمكن تنفيذها في الواقع، كممارسة الجنس في الأماكن العامة، وهو ما يفرغه في مشاهدته لتلك الأفلام، موضحاً أن القدرة على التمييز بين ما إذا كان ما تشاهده علاقةً حقيقيةً أم فيلماً، تصبح خطاً واهياً بعد فترة، وتكون المتابعة بغرض المتعة كمن يتابع فيلماً سينمائياً يتناسى خلال مشاهدته فكرة وجود مصورين وسيناريست وإخراج وغيرهم.

الرفض والعنف وبطلات البورن

مرت بسمة محمود (اسم مستعار)، بتجربة المقارنة بفتيات الأفلام الإباحية، فهي متزوجة منذ 5 سنوات وتعرضت لانتقادات من زوجها، الذي حاول تغيير لون بشرتها لتكون مثل بطلات الأفلام الإباحية باللون البرونزي المثير بالنسبة له، فأحضر لها كريمات تساعد على تغيير لون جسمها.

عانت بسمة من رفض زوجها لها لفترات طويلة، حتى اكتشفت مشاهدته للأفلام الإباحية، فلم تعد تتحمل أن يلمسها أو تحدث بينهما علاقة، وإذا حدثت تشعر بألم شديد، مشيرةً إلى أن عدم مراعاته لرغباتها وحرصه على تحقيق رغباته وما شاهده في أفلامه كان يضغطها ويسبب لها ألماً نفسياً.

تقول بسمة لرصيف22، إن الأفلام كانت تثير غريزته بشكل كبير، وكان يطلب منها أوضاعاً جنسيةً مختلفةً شبيهةً بما شاهده في الأفلام، وهو ما أصابها بالخوف خاصةً مع ممارسته ذلك بعنف وهو ما أدى إلى إصابتها بنزيف شديد في ليلة الزفاف، وفي الأسبوع الثاني عانت من آلام شديدة قضت على إثرها بعض أيام شهر العسل في المستشفى.

المشاهد التي تبلغ مدتها 10 دقائق يتم تصويرها خلال 4 أيام، كذلك يتم التعاقد مع أبطال الأفلام شرط قبولهم باحتمال فقدانهم القدرة الجنسية بعد فترة قصيرة نتيجة حقنهم بمواد تُظهر الأعضاء الجنسية بحجم أكبر من الطبيعي

في هذا الإطار، تروي إيمان ممدوح، أخصائية تعديل السلوك، لرصيف22، ما صادفته من حالات تأثرت حياتها الجنسية بالأفلام الإباحية: "قبل الزواج لاحظت الفتاة اهتماماً كبيراً من الخطيب بالحديث عن الجنس. لم تكن الفتاة تمتلك من الخبرة ما يؤهلها للتمييز بين المستوى الطبيعي للحديث وما يصل إلى حد الإدمان".

وتضيف: "حاول الزوج خلال فترة الخطوبة التواصل الجنسي باللمس. اقتنعت بحديثه حول أن ذلك جزء من التعبير عن المشاعر. تغيّر الأمر بعد الزواج، فكان الاتهام بالبرود للزوجة وفشلها في تنفيذ وضعيات جنسية يطالبها بها، وهو ما جعلها تفتقد اللذة في العلاقة فضلاً عما تشعر به من ألم، وبدأ الزوج بمرحلة جديدة من التقييم والمقارنات التي أدت إلى الانفصال في نهاية الأمر".

تُرجع إيمان الأزمة إلى مرحلة الطفولة بحيث تقوم هذه الأفلام بترسيخ أفكار وصور نمطية على أساس أنها الشكل الطبيعي للعلاقة الجنسية، ولا يحاول أحد تصحيح المفهوم الجنسي الذي قد يصاحب البعض إلى أن يتزوجوا.

النضج العقلي والثقافة الجنسية... سبيلا النجاة

ترى الدكتورة أميمة رفعت، استشارية الطب النفسي والعلاج بالسايكودراما، أن التعميم في تأثر الرجل بشكل سلبي بسبب متابعته الأفلام الإباحية أو لصق متابعة هذه الأفلام بالرجل دون المرأة غير صحيح، موضحةً أن الأمر يخرج عن دائرة الأبيض والأسود، فليس الرجل وحده من يشاهد الأفلام ويتأثر بها، كذلك التأكيد بأن التأثير سلبي في كل الحالات هو أمر مغلوط.

وتضيف رفعت في حديثها إلى رصيف22، أن البشر أطياف من ألوان كثيرة مختلفة: "إذا نظرنا إلى نموذجين أحدهما متطرف إلى أقصى اليمين، نرى أن الأول يعاني من الشعور بالذنب بعد مشاهدته أفلام البورن لارتكابه شيئاً مُحرّماً، ويُعاقب نفسه بشكل لا واعٍ فيختفي الانتصاب لأنه غير قادر على مسامحة نفسه من ثم يدخل في دائرة مشاهدة الأفلام الجنسية مرةً أخرى لتحفيز نفسه. وإذا نظرنا إلى النموذج الآخر نرى أن نشاطه الجنسي يتوقف على هذه الأفلام لكونه غير قادر على التوقف عن متابعتها".

وتوضح رفعت أن الرغبة الجنسية موجودة لدى الطرفين مع اختلاف مُعدلاتها بين الرجل والمرأة، التي يتحكم فيها هرمون التستوستيرون، مُضيفةً أن الجميع قد يشاهد أفلام البورن بهدف الشعور بالإثارة.

تشدد أميمة على أنها لا تروّج لأفلام البورن غير أن بعض الأزواج يحتاجون إلى مشاهدتها للتثقيف الجنسي لجهلهم بهذا الأمر خاصةً في مجتمعات محافظة: "بعض الأهل لا يسعون إلى تثيقف الأبناء جنسياً، ويظهر التابو الخاص بالجنس عالياً، فأحياناً تعطيهم هذه الأفلام لمحةً بسيطةً عن الجنس ويتوقف ذلك على نوع الفيلم".

وتذكر أميمة أن هناك أيضاً من يملكون المعرفة الجنسية، لكن يغلبهم الخوف ويحرمهم من الإثارة بالدرجة المطلوبة أو يصلون إلى درجة مملة في حياتهم الزوجية فيرغبون في مشاهدة شيء مُختلف، فضلاً عما يشاهده فقط للإثارة والتحفيز.

وعلى الجانب الآخر، تقول رفعت إن الزوجة حين تعلم بمشاهدة زوجها فيلماً إباحياً قد تشك في نفسها، وقد تشعر أنها غير قادرة على إثارته بالدرجة المطلوبة، وينعكس ذلك على ثقتها بنفسها، وأحياناً تنفر منه وتكرهه وتتأثر علاقتهما الزوجية بالسلب خاصةً في حالة غياب الحوار الذي يوضح سبب مشاهدة الأفلام وتحديد ما إذا كان إدماناً ويحتاج إلى علاج أو أن الشريك يرغب فقط في الإثارة.

كلما كان الشخص ناضجاً عرف الفرق بين الفيلم الإباحي والواقع، وكان قادراً على التعامل مع الشريك/ ة، وعندما يحدث الانجذاب الجسدي يذوب كلّ منهما في الآخر ليس لمجرد النشوة الجسدية بل للوصول إلى النشوة النفسية وهي قمة الحب

وبحسب رفعت، يتخطى الأمر ضعف النضج العقلي في حالة فقدان الزوج التمييز بين الأفلام وعلاقته الحقيقية بزوجته، فيكون كالطفل الراغب في قطعة شوكولا لها نموذج واحد في مُخيلته يرغب في أن تمتلئ الدنيا به. وعليه، يكون هذا الرجل غير مُدرك أن الشريكة تتأثر بالمواقف أو تملك مزاجاً خاصاً، فقد يكون العشاء الرومانسي أو الحديث الجميل أكثر مُتعةً وإثارةً لها، ولا يسأل نفسه: هل أشبه الرجل الموجود في الفيلم؟ ماذا إذا شاهدته زوجتي؟ هل سيكون ذلك هو نموذج الرجل في مُخيلتها؟ حينها من الممكن أن يتوقف عن مشاهدة الأفلام إذا ما نظر في المرآة لأنه سيكتشف أنه يبحث عما يريد فقط دون التفكير في الطرف الآخر: "لا بد من إدراك الزوج أن ما يشاهده في الأفلام يبعد عن الواقع لكونه مُقدماً بشكل تجاري يهدف إلى مداعبة خياله وغريزته الجنسية إلى أقصى درجة، وأن القائمين على هذه الأفلام يدرسون الآليات الغريبة الأكثر إثارةً، وكلما لاقت رواجاً ضاعفوا من إنتاجها".

باختصار، كلما كان الشخص ناضجاً عرف الفرق بين الفيلم الإباحي والواقع، وكان قادراً على التعامل مع الشريك/ ة، وعندما يحدث الانجذاب الجسدي يذوب كلّ منهما في الآخر ليس لمجرد النشوة الجسدية بل للوصول إلى النشوة النفسية وهي قمة الحب.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

خُلقنا لنعيش أحراراً

هل تحوّلت حياتنا من مساحةٍ نعيش فيها براحتنا، بعيداً عن أعين المتطفلين والمُنَصّبين أوصياء علينا، إلى قالبٍ اجتماعي يزجّ بنا في مسرحية العيش المُفبرك؟

يبدو أنّنا بحاجةٍ ماسّة إلى انقلاب عاطفي وفكري في مجتمعنا! حان الوقت ليعيش الناس بحريّةٍ أكبر، فكيف يمكننا مساعدتهم في رصيف22، في استكشاف طرائق جديدة للحياة تعكس حقيقتهم من دون قيود المجتمع؟

Website by WhiteBeard