شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
خطوات صنع حديث في الغربة...

خطوات صنع حديث في الغربة...

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الأحد 10 ديسمبر 202303:41 م

مرغمة أعود اليوم في ذاكرتي نحو ملامح حياة تكاد تكون بعيدة جداً وقريبةً في آن معاً، عن حياة كان كل ما فيها مرمزاً!

وكل ما فيها يعني معانٍ كثيرة أقلها ما يشير إليها مباشرةً، عن حياة كنت أظنها مرهقة...

مرغمة أعود اليوم لأفكر في تلك الحياة، وأنا أرى نفسي أتقهقر بخطى متسارعة نحوها وباتجاهها، وأسأل نفسي عن أدواتي في استعادتها؟ هل مازلت أملك حرفية الالتفاف عن المباشر؟ هل مازلت أستطيع أن أقول ما أريد قوله بطريقة أستطيع فيها تفسير حديثي بطرق متعددة؟

هل يمكن لي اليوم بعد كل هذه السنين أن أعود؟

وبعد كل هذه الأسئلة أجد نفسي أعود بلا أي بديل، أعود وكأني ما بدأت، أو كأني بدأت مرات كثيرة، وكأني لم أنتهِ إلى لحظة ما يوماً.

أعود وكأني ما بدأت، أو كأني بدأت مرات كثيرة، وكأني ما انتهيت!

البداية

في البلاد كنت لا أحتاج أكثر من أن أرمز كل الكلمات المفتاحية، ومثل مبرمجة خبيرة أقول ما أعني دون أن أقول ما أقول، أعول دوماً على بداهة الطرف الآخر، على قاعدتنا ومعارفنا ومعلوماتنا المشتركة، عن تضامننا الأساسي في كل الأوجاع والآلام، أعول على أن ما أقوله ليس جديدًا ولم يكن يومًا، ولكنه طارئ والحديث عنه يصبح واحداً من الواجبات لأن أكون فعلًا وفي اللحظة.

في البلاد يبدأ كل شيء بتبرير مسبق، قبل الحديث مع أشخاص جدد نضع على الطاولة بعض التعريفات والمصطلحات، ماذا نقصد وهكذا سوف نتحرك في حديثنا، أما مع الغرباء فنكتفي بتلميحات عن أي شيء أو نصمت، أو نقول جملاً بلا معنى، جملاً تكررت حتى صارت هي الرمزية، (نقولها كأننا نقول أننا لا نثق بالغرباء لنقول ما ننوي قوله، أو نقولها لنقول للأصدقاء أن المكان ليس آمناً للحديث الصريح).

في البلاد للحديث المرمز طعم الحرية، وحينما قاربنا حريتنا يوماً صار للحديث المباشر طعم التحدي. ولكنه ورغم مباشرته لم تخفت رمزيته، ربما بمقدار ما كرهنا من "رموز" أثقلت حياتنا كانت حياتنا رمزية حتى العبث.

في البلاد كنت لا أحتاج أكثر من أن أرمز كل الكلمات المفتاحية، ومثل مبرمجة خبيرة أقول ما أعني دون أن أقول ما أقول

الذكرى

في البلاد الغريبة، في البلاد التي لا نملك فيها إلا حيواتنا وهروبنا المستمر، في هذه البلاد بدا كل شيء صادماً حتى النخاع، صار للكلام صوت، وللصوت المباشر وقع، وللمفردات في تعريتها حقيقة قاسية عن حياة مرهقة عشناها هناك في البعيد، ولكن أيضاً صار للمباشرة وقعٌ مختلف لزمنٍ متغير ومكان جديد. صارت للرمزية حنينها، مع أن فقدانها كان خفةً احتجناها جميعاً.

هذه كلماتنا وهذه هي أصواتنا، وإن سُرقت منا فنحن نعرف من سرقها، جزء من حربنا المستمرة هي أن نكون أصوات الراحلات والراحلين، أصوات الناس التي لم تستطع أن تقول.

في البلاد البعيدة تحدثنا، بلغات أخرى وبسياقاتٍ مختلفة ولكننا لم نسكت، تحدثنا عن كل شيء، حاولنا امتلاك أصواتنا مجدداً، حاولنا أن نغير السردية، أن نقصد دوماً ما نقول، وأن نقول ببطء واهتمام ونحن نركز على مخارج الحروف، هذه كلماتنا وهذه هي أصواتنا، وإن سُرقت منا فنحن نعرف من سرقها، وجزء جوهري من حربنا المستمرة هي أن نكرر ونعيد هذه الكلمات، أن نكون أصوات الراحلات والراحلين، أصوات الناس التي لم تستطع أن تقول.

في البلاد التي أصبحنا فيها، وأصبحت شكل حياتنا اليومي، نصرخ على الملأ، نقول، نردد، نسير بلا خوف، نتحدث للأصحاب والغرباء بلغات مكسرة متعبة ولكنها صادقة، لا تتشكل إلا كما نريدها أن تكون.

واليوم الآن!

في هذه اللحظة الآن! أفكر في تلك الحياة، حياتنا!

أسأل نفسي كيف يمكن أن أكون في نفس المكان مرة أخرى؟ وماهي قواعد النقاش الذي علينا أن نخوضه دون أن نخوضه؟ كيف يمكنني اليوم أن أقوم بالحديث المرمز بلغات شتى، أن أتكلم من جديد وأنا أعني نصف ما أقول، وربما لا أعي أغلب ما أقول!

أو في أحسن الأحوال أقول كلاماً بلا معنى هرباً من أن أقول ما لا أعنيه، كيف تسارع كل شيء وعدت لأنظر حولي وكأن الجميع يبحث عن سبب لاتهامي، ثم في آخر الليل المتعب تأتيني أخر الأفكار أن ما يحدث متاهة، أو ربما في الحقيقة أنا ما خرجت يوماً ولكن حلمت حلم يقظة غريب.

في مدينة الغرباء لم نعد نملك شيئاً رغم أننا وعينا منذ زمن أننا لا نملك شيئاً. في مدينة الغرباء اللطفاء أرى اليوم شبحاً أهرب منه... يخيفني الصمت، ولكن أرتعب من الحديث أيضاً، وإذا نطقت فلا بد أن أعرف كيف سأقول ما أقول، كيف يمكن لكلمات كانت لزمنٍ طويل بديهيات، أن تصبح من جديد خاضعة لتعريف المزاج.

في آخر الليل المتعب تأتيني آخر الأفكار أن ما يحدث متاهة، أو ربما في الحقيقة أنا ما خرجت يوماً ولكن حلمت حلم يقظة غريب

في هذه اللحظة وفي مدينة حزينة لا أقول إلا بصعوبة، ولا أتحدث للغرباء، ولا أجد في زوايا النقاش إلا أن أستعمل كلمات بلا معنى، تحمل في رمزيتها لا معناها معها، لتقول إنني خسرت صدقي، وخسرت اللعبة من جديد، وأٌجبر الآن أيضاً أن أرمز حديثي وأن أتفادى بمهارة سابقة مسترجعة التفافات الحديث أمامي حتى أحمي نفسي! حتى لا يتمكن الأذى مني.

ولكن وفي نفس الوقت تمتلكني أسئلة بلا أجوبة، أسئلة تخنقني

هل يمكن لي اليوم بعد كل هذه السنين أن أعود لكل عادات الحديث المرمز؟

ومن الغرابة حقاً أنني أجد نفسي أعود بلا أي بديل.

أعود وكأني ما بدأت، أو كأني بدأت مرات كثيرة، وكأني ما انتهيت!

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard