حقيقة النقطة والتنقيط في اللغة العربية

الأحد 23 مايو 202110:05 ص

التجأ الكثيرون من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى نوع من الحيلة اللغوية للتمويه عن منشوراتهم المساندة للقضية الفلسطينية، فلا يتم حظرها أو حظر حساباتهم الذي اعتمدته إدارة الفيس بوك في الآونة الأخيرة.

وتتمثّل هذه الحيلة في إدخال بعض التغيير على اللغة المستخدمة فيصعب بذلك التقاطها من خلال ما يُسمى "خوارزميات" فيسبوك. ولعل أهم حيلة جلبت انتباهنا هي تغييب التنقيط أو التشكيل من الكلمات. وهكذا عادت اللغة العربية إلى سيرتها الأولى. الأمر الذي اقتضى منا البحث عن أصول هذا التنقيط.

أصول التنقيط في اللغات السامية  

سنقصد بالنقطة تلك العلامة أو الرمز الدالّ على نهاية جملة ما، نهاية لغوية أو معنوية، وقد وُضعت في اللغات السامية لتعطي للنص بُعداً صوتياً وربما تشكيلياً. هي من أقدم علامات التشكيل ponctuation، إذ تعود إلى العصور القديمة ولم تكن وقتها تُستخدم سوى للتفريق بين كلمة وأخرى، أي أنها كانت تلعب مهمة الفضاء الفاصل بين المفردات، بعد النقطة تم استنباط رموز أخرى كالفواصل ونقاط التعجّب والاستفهام وغيرها.

العرب في مقابل ذلك استعملوا السجع للانتقال من جملة إلى أخرى وكصنو لتلك النقطة، ولم يستخدموا التنقيط أو التشكيل إلا في بداية العصر الإسلامي، وكان من التفريق بين الحروف مثل "الفاء" و"القاف"، "التاء" و"الثاء".

التجأ الكثيرون من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى نوع من الحيلة اللغوية للتمويه عن منشوراتهم المساندة للقضية الفلسطينية، فلا يتم حظرها. وتتمثّل هذه الحيلة في التخلّي عن التنقيط فيصعب بذلك التقاطها من خلال ما يُسمى "خوارزميات" فيسبوك

تحدّث القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى" عن نوع من "الحاجة إلى النقط" وفرّق بين نقاط مربعة وأخرى دائرية، ويسمى تنقيط الحروف "إعجاماً" أو "شكلاً"، الكلمة المأخوذة من "شَكَلَ الدابة" فهو نوع من القيد الذي نضعه حتى لا يفرّ المعنى كما تفرّ الدابة وهي بلا شَكْل.

يقول هشام بن عبد الملك " اشكلوا قرائن الآداب، لئلا تندّ على الصواب"، بل وتغنى البعض بهذا الأمر ذاهباً إلى تشبيه النقط بالثمار في قول الشاعر: وكــأن أحرُفَ خَطهِ شجرٌ/ والشكل في أغصانه ثمرٌ.

دلالاتُ النقطة

  وقد حاولوا بعدها خلق تنقيط خاص يتماشى مع طبيعة اللغة العربية ويفصل بين المفردات في الجمل والفقرات، كالفاصلة المقلوبة والنقطة الفاصلة والاستفهام، وكلها تقلب عكس ما يستعمل في اللغات اللاتينية التي تكتب من الشمال إلى اليمين عكس العربية كما هو معلوم.

يعرف الجرجاني النقطة في كتابه "التعريفات" على أنها: "نهاية الخط، ونهاية السطح ونهاية الجسم التعليمي". النقطة في الثقافة الإنسانية ثقيلة الرموز فـ"معجم الرموز" لآلان غيربران وجون شوفالياي، يخصّص لتلك الهامة الصغيرة فقرة تقول: "ترمزُ النقطة إلى الوضعية القصوى لتجريد الجسم، هي المركز، الأصل، المنتهى، هي مبدأ الانبعاث وختام العودة. النقطة إشارة إلى القوة المبدعة لنهاية كل شيء".

يعني ذلك أننا إذا جردنا جسماً من كل مكوناته وأبعاده فلا يبقى سوى تلك النقطة الصغيرة. فهل هي ما نضع آخر السطر؟

"كل خط أفقي هو بمثابة الغيم المتشكّل للتو على هيئة نساء محاربات، وكل قوس معقوف هو بمثابة قوس مرفوق بقوة نادرة، كل نقطة هي بمثابة صخرة متدحرجة من قمة عالية."

 لا شك أن التنقيط لم يتزامن مع وضع رموز الكتابة بل جاء في مرحلة لاحقة، وقد مثّل ما يشبه الأثاث المرفّه في سياق الكتابة. ولم يتخذ شكله الحديث كما تذهب الأغلبية إلا في الحقبة المسماة بالنهضة الأوروبية.

يعني ذلك أن أشكالاً قديمة لتلك النقطة وتلكم الفواصل وجدت منها ما يسمى بالنقطة المتكاملة أو الكاملة le point parfait الدالّة على نهاية الجملة، وهي عبارة عن فاصلة مكتوبة بين نقطتين (.،.) وشبه النقطة sous- point (./) الدالة على انقطاع بسيط وخاطف في الكلام، والنقطة المتوسطة point moyen إلخ...

إذا ما اقتنعنا بالفرضية القائلة بأن اللغة انطلقت إشارية لتنتهي إلى ما هي عليها اليوم، وأن الكتابة لا تخلو من نوع من الشفوية، فهل التنقيطات تلك عدا رموز تحاول الحفاظ على تناغم شفوي للكلام المقروء، خاصة وأن لها تأثيراً على القراءة بصوت عال؟

لاحظ انخفاض الصوت المتزامن مع النقطة خاصة والتوقف المتراوح الطول مع الفواصل والنقاط الفواصل. سنحتار أحياناً ونحن نفكر في شأن تلك النقطة المرسومة نهاية كل جملة أو كل فقرة أو كل عمل مكتوب، هل هي من وضع القلم أو هي من وضع اللسان أو إذا لم تكن من الاثنين.

كل نقطة صخرة متدحرجة

الخطاط الأمير الصيني ونغ كشي Wang Xizhi الذي يعتبره البعض أول خطاط في التاريخ (303، 361م) يقول في قراءة بصرية لورقة مكتوبة بالصينية (من الأعلى إلى الأسفل) وقد ورد ذلك في معجم الرموز المذكور أعلاه: "كل خط أفقي هو بمثابة الغيم المتشكّل للتو على هيئة نساء محاربات، وكل قوس معقوف هو بمثابة قوس مرفوق بقوة نادرة، كل نقطة هي بمثابة صخرة متدحرجة من قمة عالية.".

 في حكاية ساخرة فرنسية عن كتاب  موضوع على حدة في مكتبة، وكل من يتصفّح ذاك الكتاب لا يمضي وقتاً طويلاً حتى يسقط مغشياً عليه، لتفشي لنا الحكاية في آخرها السر العجيب المضحك ألا وهو عدم احتواء ذلك الكتاب على نقطة واحدة

نستشفّ من كل هذا أن النقطة عريقة لذلك هي محملة بثقل رمزي غير هين، ولذلك أيضاً أن كل اعتباطية في وضعها، وخاصة وضع النقاط الثلاثة المتلاحقة جزافاً هو من قبيل عدم المعرفة بتلك النقطة.

لكل عمل إبداعي مكتوب (ونقصد بالطبع العمل العظيم) نهاية قد يرمز إليها بنقطة نهائية لا كلام بعدها، لكن نفس تلك النقطة تبيح بداية لذلك العمل في أشكال أخرى من التواجد، فلنا رغم تلك النقطة أن نتخيل سطوراً أخرى، أن نكتب عملاً دراسياً ونقدياً، أن نكتب جزءاً ثانياً وثالثاً لذاك العمل، فما النقطة في هذه الحالة سوى حالة من التوقف أو نوع من الحسم الذي التجأ إليه الكاتب ضمن حدود عمله، الحسم الذي لا يدوم طويلاً.

غياب النقطة، بداية الهلوسة

حاول البعض أن يحدد وقت التوقف المتزامن مع تلك النقطة بخمس عشرة ثانية والتي قد تكون متوازية مع التنفس الإنساني الذي لن يستطيع البقاء دون نفس في ماء السطور طويلاً، ولا هو نوع من الأسماك المتنفسة في الكتابة.

نعثر في حكاية ساخرة فرنسية أن مكتبة تحتوي على كتاب مختلف اللون موضوعاً على حدة، وأن كل من يدخل إلى ذاك المكان ويفتح ذاك الكتاب لا يمضي وقتاً طويلاً وهو يتصفحه حتى يسقط مغشياً عليه، لتفشي لنا الحكاية في آخرها السر العجيب المضحك ألا وهو عدم احتواء ذلك الكتاب على نقطة واحدة.

قد يضع الكاتب نقطة اعتباطية، أو من ملل أو تعب أو حيرة أو قرار واعٍ مثلما نجد على سبيل المثال في رواية ديدرو Diderot المعنونة بـ "جاك القَدَري (الجبري) ومعلّمه" Jacques le fataliste et son maître أن الكاتب لكي ينهي كتابه يكتب "...وكان جاك ينام"، نهاية معنوية لا حاجة لها بتلك النقطة إن شئنا.

بعض الكتاب ينهون أعمالهم بعبارة "تمت" أو "انتهت" على شاكلة الأفلام السينمائية القديمة، مثل سارتر في كتابه الشهير "الغثيان" ترجمة سهيل إدريس. وإن بدت الرواية مفتوحة وبلا نهاية في جملتها الأخيرة: "المطر سيهطل غداً على بوفيل"، لكنها نهاية قصرية مادية لرواية تتناول يوميات كاتب فيلسوف متأمل في تفاصيل يومية وأفكار بلا نهاية.

ويتحدّث سارتر عن النقطة كاستعارة للنهاية قائلاً: "إنها هنا لا مرئية وحاضرة، هي ما يعطي بعض تلك الكلمات الأبّهة والقيمة العالية للبداية".

أي عمل يتناول قضايا ما هو إلا عمل تقريبي، فالخوض في الأفكار هو بمثابة الخوض في "كم من حبة قمح يلزم كي نكون كومة (قمح)" كما فكر فرويد، فمتى يمكن أن نقول -ونحن على ثقة مما نقول- إن عملا كتابياً انتهى؟ قد نستطيع القول إن الجملة انتهت لغوياً أو معنوياً فنضع نقطة دالة على ذلك.

العمل المكتمل هزيمة

ومن جهة أخرى، ستُعدّ نهاية عمل شعري نوع من السقطة أو الفشل في المواصلة، أما النقطة فتصبح تجسيداً لذلك الفشل. لذلك عمد الشاعر الفرنسي "أبولينير" إلى حذف التنقيط بكل أنواعه من كتابه الشعري المعروف "كحول" ليؤسس نوعاً آخر من الإيقاع الشعري المنساب كحركة الماء المتواصلة.

لم يرد أبولينير أن يضع روابط أخرى غير المفردة، وكيف ترتبط بالمفردة الأخرى لغوياً ومعنوياً دون الحاجة إلى نقطة فاصلة أو نقطتين مفسرتين، أو علامة استفهام كدليل على السؤال.

كأنه أراد التخلص نهائياً من انشغال التنقيط والحيرة التي يخلفها في النفس، كأنه أراد "محو الحنين من قصائده" الكحولية، أما مارسيل بروست الذي "يرفض العودة إلى السطر" (في مقالة لليليتيا بيانشي) يكتب جملة لن تجد نقطتها إلا بعد صفحات ثمانية.

"الفواصل، النقاط، الفواصل النقاط، أنا لا أفهم شيئا من ذلك كله لكن لا يهم، فلا وجود للفواصل في التلفاز"، كما يقول الكاتب التلفزي الساخر الذي شارك في كتابة "دمى الأخبار" les Guignols de l’info الشهير. قال ذلك كثورة على النقطة وأخواتها التي رأى فيها البعض نوعاً من التعسّف، خاصة على النص الشعري.

النقطة في نهاية النص  ليست سهلة أو واضحة بحيث تساوي إسدال الستار في مسرحية ما، ولا هي نوع من الانفراج الذي نجده في التراجيديات أو حتى في الكتابات الروائية والقصصية. هي نقطة ملعونة  وغير محببة بل ومشكوك في أمرها دائماً

فهذا النص يحمل في طياته تنقيطاً لا مرئياً يختلف باختلاف القراءة والنفسية القارئة. الشاعر وهو يكتب يشبه إلى حد بعيد ذاك المحاصر للكلام والملتحق بركبه الهارب، لذلك قد تتزامن النقطة لديه مع انعدام للكلمة - إننا نقول ذلك افتراضاً لا غير- وقد يحتاج القارئ إلى قراءة مسترسلة بلا تقطعات.

النقطة الملعونة

أن نضع نقطة نهائية لقصيدة هو بمثابة حد لذاك السفر النفسي اللذيذ والعميق، نقطة الشعر عمياء إذا ما أبيح لنا استعارة عنوان لكتاب جون ايف جيرار، الباحث الفرنسي في مجال المنطق Le point aveugle، وما النقطة العمياء سوى تلك التي سقطت في سهو الكاتب ورغماً عنه، ألا تكون نقطة نهاية القصيدة؟

هي ليست بالنقطة السهلة ولا بالواضحة التي قد تساوي إسدال الستار في مسرحية ما، ولا هي نوع من الانفراج الذي نجده في التراجيديات أو حتى في الكتابات الروائية والقصصية. هي نقطة ملعونة –نكاد نقول- وغير محببة بل ومشكوك في أمرها دائماً.

سنجد قصائد عديدة بلا نهاية دالة على فشل أو رفض لذاك الانهاء، من بين هؤلاء الشاعر الفرنسي مالارميه الذي ترك قصائد غير تامة inachevés ضمن سياق التيار الرمزي الشائع آنذاك، وعديدة هي الكتب التي حامت حول عدم إنهاء الشاعر الفرنسي المذكور لقصائده.

وضمن السياق نفسه –ربما- كتب الشاعر والكاتب والناقد الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخس (القرن العشرين) كتابه الموسوم بـ"كتاب الرمل" قائلاً في مفتتحه: " عدد صفحات هذا الكتاب هو عدد لا نهائي، لا وجود لصفحة يمكن اعتبارها الأولى، أو لصفحة يمكن اعتبارها الأخيرة".

النقطة تعظم بعظمة العمل، ويصعب وضعها في تلك الأعمال الكبرى من قبيل الملاحم التي لا تنتهي، تضعف أحياناً وسط الكلام فنقول "نقطة على السطر"، أو "انتهى". وهي تعبير ضئيل عن النهاية في نهاية المطاف، دعونا نقتسم مرارة سارتر حين يقول: "الأيام تُضاف إلى الأيام بلا نقطة وبلا قافية"!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard