شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
هذا الحزنُ الذي نتداوله ككتابٍ شهيرٍ بيننا

هذا الحزنُ الذي نتداوله ككتابٍ شهيرٍ بيننا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والتنوّع

السبت 9 ديسمبر 202301:19 م


 

قد يكون هذا الحزن لأم ميتة تجوب في الجوار، لكننا لا نلمحها. إنها تبحث عن شيء ما لا نعرفه، نسيته هنا قبل أن يقتلها الملل منذ شهور. ربما نسيت الفردة التائهة لجورب صغيرها، أو لعلها تريد صوتها، أو ربما تريد ملعقة معدنية تنبش بها قبور جيرانها القتلى. تترك الكلام بيننا، نتناقله كأنه وصية. نتبادله مثل ديون مستحقة، مثلما يفعل سكان المقاهي حين يأكلون الثرثرة، ومن بين الدخان الكثيف يلكزون النادل المنشغل عنهم خلف البار بالاستمناء والشتائم، يحثّونه كي يفهم النكات السمجة، ثم ليحفظها لهم للمرة القادمة، لأن النسيان يمطر بكثافة.

الكتب في المكتبة مخيفة، تحتاج لشمعدان يزرع بينها، تحتاج لأقلام مكسورة، ومذياع قديم، وفازة مغبرّة. تحتاج لصورة هنا وهناك. تحتاج كل هذا على الرفوف، كي يخفّ وهج القسوة هناك، ولينام من قالوها ملء عيونهم، والأكثر، كي يصدقوا أننا قرأنا أسفارهم ولم نبتسم سخرية، ولم ننقلب على ظهورنا من فرط السخف. لم نرم بها من الشرفات إلى بلل الشوارع حين اكتشفنا كيف يوزعون الكذبات الصغيرة بين السطور، كيف ينقعون أوهامهم لنشربها.

في فيلم قصير، داست الأم، العروس، العاقر، المقتولة، الثكلى، المكلومة، داستْ كومة الكتب بعد أن أضرمت النار فيها، داست الرماد والهباب، وعبرتْ إلى البحر لتغرق بكل طبيعية، كأي حصاة ترمى من يد صغير ينفض الرمل عن سلحفاته البلاستيكية. عبرتْ الحريق. كان وجهها أخضر يتوهّج، وفي رأسها فيرجينيا وولف: "عليك ألقي نفسي بلا هزيمة أو استسلام يا موت".

نتناقل الكلام كأنه وصية. نتبادله مثل ديون مستحقة، مثلما يفعل سكان المقاهي حين يأكلون الثرثرة، ومن بين الدخان الكثيف يلكزون النادل المنشغل عنهم خلف البار بالاستمناء والشتائم، يحثّونه كي يفهم النكات السمجة، ثم ليحفظها لهم للمرة القادمة، لأن النسيان يمطر بكثافة... مجاز

رأيت البنات يقشّرن الحزن، رأيتهن يخترن ألوانه أمام الواجهات. الصبية، زميلة العمل، تقف طويلاً أمام لوحة معلقة على الباب من جهة الداخل (يمنع إدخال السلاح منعاً باتاً تحت طائلة المسؤولية) تذرف دمعةً ساخرةً. تقول للحارس الجبان: "الجميع في الداخل مسلحون، ما فائدة هذا الكتاب هاهنا؟"، يرد كأنه سائق حافلة موتى، قضى عمراً في نقلهم إلى المقابر البعيدة: "من يقرأ يا أستاذة! صدقيني لا أحد هنا يعرف طَهَ منْ مَهَ، صدقيني بلا أي شكوك أو إثباتات مكلفة".

كان جان جينيه يملك في حقيبته التي يحملها إلى فنادق العالم ساعة منبّه، والكتاب الذي يقرأه، وما إن تنتهي إقامته يعيد المنبه إلى الحقيبة، ويترك الكتاب -إذا ما أتمه- وحيداً في غرفة الفندق لنزيلٍ سيدخل بعده، أو ربما تأخذه عاملة خدمة الغرف إلى مكان ما، قد يكون صندوق الأمانات، أو النفايات، أو لعشيقها المعتوه الذي تظنّه يحب الكتب.

يكتب خليل صويلح كتاباً يحمل عنواناً ذكياً "ضد المكتبة". كتاب دخل إلى المطبعة في البرد والحرب والبكاء والعويل، وبكل ما في البلاد من ندوب وجروح وحروق وقروح، وبكل ما في أطرافها من شلل وبتر وجذام، دخل إلى المطبعة، ثم خرج الى رفوف المكتبات ومعارض الكتب. صار كأي كتاب تسحبه من الكعب، تقرأ العنوان، تبتسم ثم تدفعه لينتظر محشوراً بين كتب الرف الثالث إلى اليمين!

رأيت البنات يقشّرن الحزن، رأيتهن يخترن ألوانه أمام الواجهات... مجاز

يضحك منذر مصري، ويشرح معاناته في الأسفار، وفي المطارات، وغرف الفنادق، ومهرجانات الشعر، ومعارض الكتب، وكيف ترك خلفه الكثير من الكتب التي أهداها الآخرون له، حيث لا تعوذهم اللباقة واللطف إذ تركوا اسمه مصبوغاً على الصفحة الأولى، مع خالص المودة والاحترام، تلك التي لا يمكن حملها إلى البلاد: "بتعرف حبي أنا بقول: الكتب ثقيلة كما الأبقار!".

"المكتبة في الليل" احتفاءٌ غير مسبوق، كتبه لنا ألبرتو مانغويل بلا أي دمع يخص ورطة الذكاء الاصطناعي والـPDF .

كم دحرجنا عند تلك الحافة من كلام وهذر وهرج ومرج ولغو وثرثرة وموزون مقفى ومصطلحات أكاديمية وغير أكاديمية وتفلسف وتفذلك وعلاك مصدي، وعلاك مازالت بشرته المعدنية تلمع لليوم، وكتب مقدسة، تنانين من الخطب الرنانة، ووضعنا سوق عكاظ في درج المكتب، بالقرب من وول ستريت، وأعجبتنا فصاحة قس بن ساعدة، وأغرمنا بـ "أما بعد"، وقال الرواة إنه أفصح العرب، وأن قيساً، وتميماً، وأسداً، أفصح القبائل، لكن رجلاً على لحيته الرمادية غبار طلع القاصرات وقليل من مرق أحمر، قال مستهجناً: بل أفصح العرب محمد، ثم أكمل لازمةً لا يقال اسم محمد دونها.

ليست لغة الصفير (تلك التي تختص بها إحدى القبائل في مكان ما على فيسبوك والكرة الأرضية) من أغرب لغات العالم، بل الأغرب ما تقوله عيون المارة لبعضهم البعض كل يوم، كل يوم على الرصيف، وأمام الواجهات، في الحافلة، وفي حمامات الدوائر والمؤسسات، في البنك والمدرسة، في الحدائق وعلى الأدراج والطوابير الطويلة، الكل يرى دموعاً في عيون الكل، أما الأكثر غرابةً أنها لغة قديمة ها هنا، وربما ستصبح الوحيدة، وكما باقي اللغات لا يبدو أنها ستنقرض بسهولة.

في الكلام ثمة ترتيب محكم، ثمة اتفاقية مبرمة بعناية أطنان من الجمل والتراكيب تصطف قرب بعضها، يحكمها منطق المعنى والدلالات. يقف قربها النحاة منذ أبي الأسود وصولاً إلى تشومسكي. الصوت مرتب بعناية، والسكتات فئران تلطي هنا وهناك. تخيل أن كل هذه الآلة محطمة لصالح الصمت الطويل، الصمت الذي يدور مع الناس في الشوارع وفي العيون، ليس من المحتمل أن يقال الكلام كله دفعةً واحدةً. قسوة شديدة أن يقول الصمت كل ما يجب أن يقال.

"كل ما يحصل في العالم، يحصل كي ينتهي في كتاب"، هل هناك أكثر عنفاً من هذا القول يا بورخيس؟... مجاز

ماذا يريد الناس؟ للحظة خمنت أن ثمة كاميرا خفية منصوبة في مكان ما، تحاول رصد ردة فعلي بينما أشرب قهوة ليست منزلية. المارة يمرون، يضحكون، يتجهمون، يبتسمون، يقرأون الأسعار، يبتسمون. تقع حبة فستق من يد الصغير، يراقبها بينما الأم تشدّ يده وتستمر بالتعرّق. تعقد الصبية ربطة شعرها بإحكام فاشل، أحدهم يطبش باب التاكسي. تسألني العجوز عن عيادة الدكتور -عبد الحميد- لآلام المفاصل. أعتذر. أحدٌ ما يركض، لا أحد يخمّن السبب. يسألني شاب عن مركز لتحويل الأموال، أدلّه بدقة. يسألني رجل، بلهجة غريبة، عن شارع باسم فيلسوف، أعتذر ولا أجد وقتاً لتفسير علاقة فيلسوف بشارع أو شهيد بمدرسة، إذ يقاطعني رجل آخر يبدو أنه حزين منذ شهر أو أكثر. يطلب مني أن أدلّه إلى زاروب يفضي إلى البحر. ابتسمت معتذراً: ليس لهذه المدينة بحر. قلت: تستطيع أن تجرب من على سطح ذلك البناء. يقاطعني شاب محاولاً تصويب الخطأ، يتدخل بلطف ويخبر الرجل بأقصر الطرق إلى البحر، ثم فجأة يقف متسول يشرب قهوتي، ويبتسم معجباً بالطعم وبملامحي البلهاء.

كذلك ظننت أن هذا مجرّد اختبار تنتظره كاميرا منصوبة في مكان ما.

ماذا يريد الناس سوى أن يسمعوا أصوات بعضهم البعض في هذا الكهف المخيف.

"كل ما يحصل في العالم، يحصل كي ينتهي في كتاب"، هل هناك أكثر عنفاً من هذا القول يا بورخيس؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard