شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"جدار أريحا"... كيف تغطي البروباغندا الإسرائيلية "الفشل الاستخباراتي"؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

السبت 2 ديسمبر 202302:15 م

منذ بداية الحرب على غزة، لم تتوقف الاتهامات الإسرائيلية-الإسرائيلية. الكل يحاول التنصل مما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ويلقي باللوم على الطرف الآخر، برغم اعترافات المستوى العسكري بالفشل في توقع الهجوم، وكذلك المستوى السياسي الذي لم يُحسن تقدير الموقف ولا تبعاته نتيجة السياسات الإسرائيلية الضاغطة على كافة أبناء الشعب الفلسطيني، وهو ما أدى إلى انفجار الجميع.

اللافت أن صحيفة "نيويورك تايمز"، نشرت أمس 1 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، تقريراً، تقول فيه إن "إسرائيل" كانت على علم مسبق بالهجوم، قبل عام من حصوله، لتظهر أسئلة عدة حول ما تضمنته الوثائق التي اطّلعت عليها الصحيفة الأمريكية، ثم ردة الفعل الإسرائيلية حولها، وكيف تجاهل الإعلام الرسمي الحديث عن هذه التسريبات، وكيف تحدث الإعلام الأجنبي عنها؟ وتفاصيل أخرى حول تلك السردية والسرديات المضادة لها، وما الذي يُمكن أن تؤدي إليه هذه التسريبات في الجيش والحكومة الإسرائيلية؟

جدار أريحا

يروي التقرير الذي أعدّه الكاتبان رونين بيرغمان، وآدم غولدمان، وكلاهما ينشران من داخل تل أبيب، أن "المسؤولين الإسرائيليين كانوا على علم بخطة حركة حماس الهجومية، وبتفاصيلها المنشورة في 40 صفحةً، قبل عام من هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لكن الجيش وأجهزة الاستخبارات وصفت تلك الخطة بأنها طموحة، ومسألة تنفيذها صعبة على حركة حماس. وأطلقت إسرائيل على الخطة اسم 'جدار أريحا'، وتشتمل على تفاصيل الهجوم 'الطموح' لحماس، ومن ضمنه عملية اجتياح التحصينات المحيطة بقطاع غزة، والاستيلاء على مستوطنات واقتحام قواعد عسكرية".

وبحسب خطة "جدار أريحا"، فإن "حماس في بداية الهجوم، كانت ستُطلق وابلاً من الصواريخ، ثم مسيّرات تدمير الكاميرات الأمنية على السياج، ثم يدلف عدد كبير من المسلحين إلى داخل المستوطنات من خلال الطائرات الشراعية والدراجات النارية وكذلك مترجلين". ويشير التقرير إلى أن حماس اتبعت المخطط بدقة صادمة. كما تحدثت الخطة المسرّبة عن تفاصيل دقيقة حول حجم ومواقع القوات العسكرية الإسرائيلية، وكذلك مراكز الاتصالات، ومعلومات حساسة، ثم تساءلت الصحيفة عن قدرة حماس على جمع تلك المعلومات الدقيقة، وعمّا إذا كانت هناك تسريبات إسرائيلية أم لا. لكن معظم الخبراء والقادة الإسرائيليين قللوا من قيمة الخطة واستبعدوا نجاح حماس في تنفيذها.

التجاهل والمفاجأة

تسترسل الصحيفة الأمريكية، في نشر باقي التفاصيل المتعلقة بخطة "جدار أريحا"، وتفيد بأن "فرقة غزة في العام الماضي، وبعد وقت قصير من اطّلاعها على الخطة، لم تكن نوايا حماس واضحةً لديها". وفي تموز/ يوليو 2023، قبل ثلاثة أشهر فقط من الهجمات، حذر محلل مخضرم في وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200، من أن حماس أجرت تدريباً مكثفاً دام يوماً كاملاً، وبدا مشابهاً لما ورد في المخطط، لكن مسؤولاً عسكرياً إسرائيلياً برتبة عقيد في فرقة غزة، تجاهل التحذيرات والمخاوف لدى الوحدة 8200 بحسب الرسائل المشفرة التي اطلعت عليها "نيويورك تايمز"، كما أن مسؤولين عسكريين اعترفوا بأنهم لو أخذوا تحذيرات الوحدة 8200 على محمل الجد، لدفع الجيش بتعزيزات صوب الجنوب لتقليل حدة الهجوم أو منعه.

بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" فإن "إسرائيل" كانت على علم مسبق بالهجوم، قبل عام من حصوله، لتظهر أسئلة عدة حول ما تضمنته الوثائق التي اطّلعت عليها الصحيفة الأمريكية، ثم ردة الفعل الإسرائيلية حولها، وكيف تجاهل الإعلام الرسمي الحديث عن هذه التسريبات، وكيف تحدث الإعلام الأجنبي عنها؟ وتفاصيل أخرى حول تلك السردية والسرديات المضادة لها، وما الذي يُمكن أن تؤدي إليه هذه التسريبات في الجيش والحكومة الإسرائيلية؟

ويشير التقرير إلى أن الخطة أثبتت فشل المسؤولين العسكريين الإسرائيليين في معرفة قدرات حماس وتوقعها، فحدثت المفاجأة يوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وتبدأ الوثيقة بالآية 23 من سورة المائدة: "قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"، وهي الآية نفسها التي تستخدمها حماس في بياناتها ومقاطعها المصورة كافة، وهو ما حذرت منه الوحدة 8200 من خلال محلليها، لكن تم تجاهل التحذير مجدداً. ويروي التقرير أن الخطة تعتمد على اختراق 60 نقطةً في السياج الأمني، ثم اقتحام الحدود والدخول إلى المستوطنات، وأهم الأهداف كان اقتحام القاعدة العسكرية "رعيم"، والتي تضم فرقة غزة.

بحسب الصحيفة الأمريكية، فإن الخطة في نظر إسرائيل كانت جريئةً، لذا استهانوا بها، وحتى لو فكرت حماس في الاقتحام، فسيكون ذلك من خلال عشرات المقاتلين وليس المئات منهم كما حدث، "حتى الاستخبارات فشلت في استيعاب مساعي حماس في الحصول على تصريحات عمل داخل إسرائيل، ما يفيد بعدم نيتها الدخول في الحرب، وهو ما يندرج بالطبع تحت خطة الخداع الإستراتيجي".

تعتيم وتكتم مقصودان

على الرغم من أن تسريبات "نيويورك تايمز"، حظيت باهتمام إعلامي عالمي، لكن التغطية الإعلامية الإسرائيلية للموضوع كانت "صادمةً"، وهو ما يأتي في إطار المساعي السياسية الإسرائيلية لتغطية الفشل في عملية "طوفان الأقصى"، برغم الاتهامات المتبادلة بين المستويين العسكري والسياسي، والخلاف الأزلي بينهما، وهو ما تحدثنا عنه بالتفصيل في تقرير رصيف22، بعنوان: "من حرب أكتوبر إلى 'طوفان الأقصى'... سردية الجدل الإسرائيلي بين السياسي والعسكري".

هذا الفشل ظهر في اعترافات العديد من القادة والسياسيين الإسرائيليين، فنجد رئيس جهاز الاستخبارات، أهارون هاليفا، يعترف بالفشل الاستخباراتي الإسرائيلي في توقع الهجوم، كما اعترف قائد سلاح الجو، تومار بار، بأن الجيش ومن ضمنه سلاح الجو فشلا في المهمة، كذلك رئيس الأركان، هرتسي هاليفي، اعترف بالفشل العسكري والاستخباراتي، وبرغم ذلك يحاول الإعلام الموالي لحكومة نتنياهو التغطية من وقت إلى آخر على هذا الفشل، ولا يتناوله إلا لو اعترف المسؤولون به، وهو ما لاحظناه عقب ظهور تسريبات "نيويورك تايمز".

ومن خلال محركات البحث عن الخطة التي تمت تسميتها باسم "جدار أريحا"، وتعني باللغة العبرية "חומת יריחו"، وبرغم مرور 24 ساعةً كاملةً على نشر تسريبات الصحيفة الأمريكية، نجد ندرةً وشحاً كبيراً في التناول، بل إن الصحف الكبرى مثل "هآرتس" وصحيفة "يديعوت أحرونوت" وموقع "والا"، لم تتناول جميعها الموضوع لا من الناحية الخبرية ولا التحليلية. ومن خلال تعقب رصيف22 للتغطية الإعلامية العبرية، لم نعثر إلا على 5 مواقع فقط تحدثت عن الخبر على استحياء، منها صحيفة "معاريف" وكذلك موقع "القناة السابعة"، وموقع "نيوز وان"، وموقع القناة 12 العبرية، وموقع "بحدريه حريديم"، وهو ما يتضح في الصورة أدناه، وكل هذه النتائج حتى وقت كتابة هذا التقرير، لكن من المتوقع أن يجد الإعلام نفسه مضطراً إلى النشر والحديث، بعد أن يدلي كتّاب الرأي والمحللون بدلوهم حول تلك التسريبات.


وعلى الرغم من أن تناول صحيفة "معاريف" الإسرائيلية للتسريبات الأمريكية، كان عبارةً عن مجرد خبر دون تحليل، لكنه خبر حظي بتعليقات واسعة من الإسرائيليين، حيث يقول أحدهم: "كلهم متهمون، سياسيون وعسكريون"، ويعلق آخر بقوله: "السؤال الكبير الذي لا تطرحه أي وسيلة إعلامية (ربما عن قصد) هو: هل قام المستوى الأمني ​​بتمرير الإجراء إلى المستوى السياسي؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهل تم ذلك عن قصد؟ في ما يبدو أن هذا هو ما حدث"، ويضيف آخر: "الحقيقة هي أن نتنياهو لم يسمع، ولم يعرف، ولم يرَ! كان منشغلاً بلجنة التحقيق معه والتعتيم على محاكمته"، واستمرت الانتقادات والتعليقات الإسرائيلية بزخم كبير على خبر صحيفة "معاريف"، لأنها أشهر وسيلة إعلامية تحدثت عن التسريبات الأمريكية حتى وقت كتابة هذا التقرير ونشره.

على الرغم من أن تسريبات "نيويورك تايمز"، حظيت باهتمام إعلامي عالمي، لكن التغطية الإعلامية الإسرائيلية للموضوع كانت "صادمةً"، وهو ما يأتي في إطار المساعي السياسية الإسرائيلية لتغطية الفشل في عملية "طوفان الأقصى"، برغم الاتهامات المتبادلة بين المستويين العسكري والسياسي، والخلاف الأزلي بينهما

إحباط بعد الإنكار

نشرت شبكة "سكاي نيوز" الإنكليزية، تقريراً عن الوثيقة المسربة من قبل صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أفادت من خلاله بأن الجيش الإسرائيلي حينما سُئل عن التقرير رفض التعقيب، ورد بأنه "يركز حالياً على القضاء على التهديد الذي تشكله حركة حماس، وأنه سيتم النظر في أسئلة من هذا النوع في وقت لاحق"، وتشير "سكاي نيوز" إلى أن هناك حالةً من الإحباط داخل دولة الاحتلال، بعدما ذكرت وسائل إعلام محلية أن المسؤولين العسكريين تجاهلوا تحذيرات مراقبي الحدود الذين قالوا إنهم شاهدوا استعدادات حماس للهجوم، وذكرت الصحافة المحلية أن امرأةً شابةً قالت إنها شاهدت مسلّحين يستخدمون طائرات من دون طيار ويحاولون تعطيل الكاميرات الحدودية في الفترة التي سبقت الهجوم، بحسب تقرير "سكاي نيوز".

وفي ما يتعلق بحالة الإحباط السائدة على المستوى الشعبي والعسكري والحكومي، كانت صحيفة "هآرتس" في نسختها الإنكليزية، قد نشرت في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تقريراً يؤكد كافة شواهد خطة "جدار أريحا" المنشورة في "نيويورك تايمز"، وأشار التقرير إلى أن بعض المجندات اللواتي يخدمن على طول السياج الحدودي، حذّرن من حدوث شيء غير عادي على الحدود، سواء من تدريبات حماس التي تم رصدها أو التحركات غير العادية، لكن تم تجاهل التقرير والرسائل من قبل مراقبي الجيش الإسرائيلي ومعظمهم من المجندات.

ومع مرور نحو 24 ساعة على نشر التسريبات التي احتوتها خطة "جدار أريحا"، لم يعلق أي مسؤول إسرائيلي عليها حتى الآن، وفي ما يتعلق بالحليف الدائم لتل أبيب، أي واشنطن، فقد صرح مسؤول أمريكي لشبكة "سي أن أن"، بأن الإدارة الأمريكية لم يكن لديها علم مسبق بوثيقة جدار أريحا، وأكد أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية ستراجع الأمر ومعلوماتها حول هذا الشأن.

وفي سياق متصل، وبحسب ما نشرته "بوليتيكو"، فإنه لا توجد مؤشرات تفيد بأن إسرائيل شاركت خطط حرب حماس أو ما يدور الحديث عنه هنا، وهي خطة "جدار أريحا" مع مسؤولين أمريكيين، وهو ما أكده ثلاثة مسؤولين أمريكيين، بقولهم إن مجتمع الاستخبارات الأمريكي لم يحصل على تفاصيل حول خطة "جدار أريحا" من نظيره الإسرائيلي، على الرغم من العلاقات الوثيقة بين واشنطن وتل أبيب والتنسيق بينهما من الناحية الاستخباراتية، وذلك وفقاً لمسؤولين حاليين وسابقين، وبحسب "بوليتيكو"، رفض المسؤولون الكشف عن هويتهم للتعليق عن خطة "جدار أريحا"، بسبب حساسية الموضوع.

ما قبل"جدار أريحا"

لا يتوقف الأمر عند تفاصيل خطة "جدار أريحا"، إذ نشرت شبكة "سي أن أن" الأمريكية تقريراً عن الوثيقة المسرّبة، بيّنت فيه أنه كانت هناك تحذيرات استخباراتية قبل شن الهجوم بأسبوعين، وتحديداً في 28 أيلول/ سبتمبر الماضي، يشير إلى أن حركة حماس تستعد لتصعيد الهجمات الصاروخية عرب الحدود، كما حذرت برقية بتاريخ 5 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أي قبل يومين من الهجوم، صادرة عن وكالة المخابرات المركزية، من تزايد احتمال العنف من جانب حماس.

وأشار تقرير "سي أن أن"، إلى أنه في اليوم السابق لعملية "طوفان الأقصى"، أي في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وصلت تقارير استخباراتية تفيد بنشاط غير عادي من جانب حركة حماس، وهو ما يؤكد لاحقاً أن الهجوم كان وشيكاً. وبرغم تلك التحذيرات، لم تدفع القيادة الإسرائيلية بتعزيزات صوب الجنوب، ووفقاً للتقرير، فإنه من غير الواضح ما إذا كان قد تمت مشاركة أي من هذه التقييمات الأمريكية مع إسرائيل.

وتقول مصادر مطلعة للشبكة إن "خليةً صغيرةً من ناشطي حماس خططت للهجوم المفاجئ القاتل عبر شبكة من الهواتف المدمجة في شبكة الأنفاق تحت قطاع غزة على مدى عامين، وإن خطوط الهاتف في الأنفاق سمحت للعناصر بالتواصل مع بعضهم البعض سرّاً، مما يعني أنه لا يمكن لمسؤولي المخابرات الإسرائيلية تعقبهم.

وتضيف أنه خلال عامين من التخطيط، استخدمت الخلية الصغيرة العاملة في الأنفاق خطوط الهاتف للتواصل والتخطيط للعملية، لكنها ظلت خاملةً حتى جاء وقت التنشيط واستدعاء المئات من مقاتلي حماس لشن هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وقالت المصادر إنهم تجنبوا استخدام أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف المحمولة خلال فترة العامين لتجنب اكتشافهم من قبل المخابرات الإسرائيلية أو الأمريكية.

وتكشف المعلومات الاستخبارية التي شاركتها إسرائيل مع المسؤولين الأمريكيين، كيف أخفت حماس التخطيط للعملية من خلال إجراءات استخباراتية قديمة الطراز مثل عقد اجتماعات التخطيط شخصياً والابتعاد عن الاتصالات الرقمية التي يمكن للإسرائيليين تتبع إشاراتها لصالح الهواتف السلكية في الأنفاق.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard