شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
لمواجهة الجفاف وشحّ المياه... المغرب يلجأ لتحلية مياه البحر

لمواجهة الجفاف وشحّ المياه... المغرب يلجأ لتحلية مياه البحر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الجمعة 17 نوفمبر 202302:00 م

يشهد المغرب منذ سنوات ارتفاعاً في حدّة ظاهرة الجفاف، واتساع مجال انتشارها، ما نتج عنه نقص في الموارد المائية، وترتّبت عليه مضاعفات بيئية واقتصادية سلبية، ارتفعت وطأتها مع السنوات لتصل إلى مستوى صعب.

نتيجةً لهذه العوامل، تعيش المملكة أزمة مياه دعت السلطات إلى مواجهتها وأخذ الأمور بالجدية اللازمة قصد أخذ إجراءات للتخفيف من آثار نقص المياه وحدّتها.

مشاكل هيكيليّة

في ظل هذا الوضع، اضطر نزار بركة، وزير التجهيز والنقل المغربي، إلى اتخاذ رزمة تدابير لمواجهة تحديات الأمن المائيّ، من بينها تسريع إنجاز برنامج السدود الكبرى والصغرى، في إطار "البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي"، لرفع الطاقة التخزينية إلى 24 مليار متر مكعب في أفق سنة 2030.

وعلى المنوال نفسه، دق معطى تراجع مخزون المائي للسدود ناقوس الخطر، ما دفع السلطات المغربية إلى إسراع الخطى للاستعداد لسيناريوهات المستقبل التي تنذر بالأسوأ.

 يعمل المغرب على توجيه نسبة 53 في المئة من المياه التي ستتم تحليتها، للشرب، و23 في المئة للقطاع الصناعي، و29 في المئة للقطاع الفلاحي

لهذا اعتمدت الحكومة تدابير عاجلةً، من بينها برامج استغلال المياه العادمة، في ريّ المساحات الخضراء، وتحسين مردوديّة شبكات التوزيع.

وتنوي السلطات المغربية إنشاء 20 سداً جديداً بالإضافة إلى 50 سدّاً موجوداً حالياً.

لكنّ أحد المشاريع، وهو الأكثر طموحاً، يرتبط بتسريع وتيرة إنجاز محطات تحلية مياه البحر في مدن ساحلية كالدار البيضاء وآسفي، والجديدة، والناظور، وإنشاء محطات أخرى، في ظل سياسة تهدف إلى تحلية مياه البحر لاستخدامها في أنشطة متعدّدة.

دق معطى تراجع مخزون المائي للسدود ناقوس الخطر، ما دفع السلطات المغربية إلى إسراع الخطى للاستعداد لسيناريوهات المستقبل التي تنذر بالأسوأ

في هذا الصّدد، يقول محمد بنعبو، الخبير في شؤون المناخ والبيئة، في حديث إلى رصيف22، إن من شأن المشاريع الإستراتيجية، كإنشاء الأحواض المائية، ومعالجة المياه العادمة في السقي في أفق 2030، فضلاً عن الاعتماد على السدود، المساهمة في التخفيف من الشح الحاصل في الموارد المائية.

ويلفت المتحدث إلى أن إحداث محطات لتحلية المياه، مثل محطة مدينة أكادير، سيكون له وقع إيجابي في تحقيق أهداف التخفيف من الشح الحاصل في الموارد المائية، داعياً إلى التنقيب عن موارد مائية جديدة كونها مشاريع عاجلةً.

كما يشرح أن الاعتماد على محطات تحلية البحر، فضلاً عن تحلية المياه الجوفية المالحة، يعززان القدرة على إيصال المياه إلى جميع الدواوير (القرى).

ويوضح محمد بنعبو، أن سيناريو استمرار أزمة المياه وتفاقمها في المستقبل، سيظلّ بنحو 40 في المئة، نظراً إلى تعرض المغرب في السنوات الست السابقة لإجهاد مائي.

مشاريع محطات تحلية البحر

ولأن التوجه إلى البحر، واستغلال مياهه، أصبحا ضرورةً من ضرورات العصر، وفرضتهما التقلبات المناخية، فقد نجح المغرب في إنشاء محطات للتحلية، فيما توجد أخرى في طور الإنجاز، ومن بينها محطة التحلية في الدار البيضاء، التي تبلغ سعتها 300 مليون متر مكعب في السنة، 270 مليوناً منها مياه صالحة للشرب، و30 مليوناً للسقي؛ وسيبدأ العمل فيها في عام 2026.

كما تؤدي هذه المشاريع إلى توسيع محطة أكادير بسعة 45.6 ملايين متر مكعب في السنة، 18.3 ملايين منها ستخصَّص للماء الشروب، و27 مليوناً للسقي، في أفق 2026.

وهناك مشاريع أخرى في طور الإنجاز في كل من مدن الداخلة، وآسفي، والجديدة، وسيدي إفني، وتزنيت، وكلميم، والصويرة، والجهة الشرقية للمملكة.

تجدر الإشارة إلى أن المغرب أنشأ عام 1976، أول محطة لتحلية مياه البحر في مدينة طرفاية (جنوب)

وتجدر الإشارة إلى أن المغرب أنشأ عام 1976، أول محطة لتحلية مياه البحر في مدينة طرفاية (جنوب)، بطاقة إنتاجية بلغت 70 متراً مكعباً يومياً، أتبعها بمحطات في مدن أخرى بينها بوجدور وأكادير.

ولأن المغرب يمتلك واجهتين بحريتين، بإجمالي 3،500 كيلومتر من الشواطئ، ثلثها على البحر الأبيض المتوسط، والبقية على المحيط الأطلسي، فهذا يوفر الأرضية المناسبة لنجاح مشاريع تحلية البحر.

وفي الوقت الحالي، تتوفر في المغرب تسع محطات لتحلية مياه البحر تنتج 147 مليون متر مكعب في السنة.

ومن الأمور التي حفّزت السلطات المغربية على تسريع وتيرة الاستفادة من محطات التحلية، ما قاله تقرير البنك الدولي، في 27 نيسان/ أبريل الماضي، بأن المغرب من البلدان التي تعاني من شح المياه حديثاً.

كلفة مشاريع تحلية البحر في المغرب

تُعدّ كلفة مشاريع تحلية البحر باهظةً ومستلزماتها كثيرة، لكن هذا لم يمنع المغرب من تخصيص ميزانية تصل إلى 150 مليار درهم (نحو 15 مليار دولار)، لها.

ومما ساهم في تخفيض كلفة هذه المشاريع، نجاح المغرب خلال السنوات الماضية في خفض كلفة تحلية مياه البحر من 50 درهماً (5 دولارات)، إلى 10 دراهم فقط (0.91 دولاراً) للمتر المكعب.

ومن بين طموحات المغرب، توفير نحو 1.3 مليارات متر مكعب من الماء الشروب والمياه المخصصة للزراعة في أفق 2030.

وخصص المغرب أيضاً مبلغ 2.3 مليارات دولار كميزانية لتحقيق ذلك مستعيناً بعدد من المحطات التي تم إنشاؤها في البلاد.

استعمالات المياه المحلّاة

بحسب خبراء، من المتوقع أن يعمل المغرب على توجيه نسبة 53 في المئة من المياه التي ستتم تحليتها، للشرب، و23 في المئة للقطاع الصناعي، و29 في المئة للقطاع الفلاحي.

ويتم إمداد سكان مدينة أكادير (جنوب)، بمياه محلاة للشرب بفضل محطة مجاورة أنشئت على المحيط الأطلسي، وهو ما مكّن من تفادي عجز يقارب 70 في المئة من حاجات المدينة من الماء.

مما لا شك فيه، أن لتحلية مياه البحر آثاراً سلبيةً، تظهر في رمي المياه المرتجعة إلى البحر بعد عمليات التحلية. وهذه المياه تتصف بملوحة شديدة من شأنها قتل الكائنات البحرية، لعدم قدرتها على تحمّل نسبة الملوحة الشديدة.

كما يُمكن أن تُؤثر المياه المالحة، على أنواع متعدّدة من الأعشاب والطحالب والشعاب المرجانية، والحشائش البحرية، في داخل البحر بالنظر إلى عدم اعتيادها على نسبة الملوحة شديدة التركيز.

يشرح محمد بنعبو، الخبير في شؤون المناخ والبيئة، لرصيف22، أن الكل يُجمع على أن مشاريع تحلية البحر لها وقع سلبي على المنظومة البحرية وعلى حياة الأسماك، بالنظر إلى إلقاء النفايات السائلة في البحر، لافتاً إلى أن هناك دراسةً في هذا الخصوص للوقوف على الآثار البيئية باعتبار أن مشاريع تحلية البحر تستعمل المواد الكيميائية.

من جانبه، يوضح عبد الحكيم فيلالي، خبير المناخ والأستاذ الباحث في الكلية المتعددة التخصصات في خريبكة، في حديث إلى رصيف22، أن عدداً من الناشطين يدقّون ناقوس الخطر بخصوص آثار تحلية البحر على البيئة، كاشفاً أن المنظومة البيئية البحرية تشهد اختلالات بسبب رمي المياه المرتجعة إلى البحر.

ويدعو فيلالي إلى الاجتهاد أكثر في طرائق التخلص من تلك المياه من خلال استثمار التطور التقني، بفصل الملح وعرض المياه للتبخّر مستقبلاً للتقليل من الاختلالات البيئية.

وتتمثل الخطورة، بشكل كبير، في ضخ مياه ذات ملوحة وحرارة مرتفعتين إلى البيئة البحرية، وتعتمد درجة الخطورة على الخصائص البيئية والجيولوجية للمنطقة، مثل حركة التيارات البحرية، والأمواج وعمق الماء، والخصائص الفيزيائية.

بالإضافة إلى هذا كله، تُحدث محطات تحلية مياه البحر، ضجيجاً وضوضاء غير عادية، نتيجة استخدام مضخات الضغط العالي، ومولدات الطاقة، مثل التوربينات التي تصدر ضوضاء عاليةً جداً، ما قد يؤثر على التوازن الإيكولوجي وعلى الأحياء في المناطق المحيطة بهذه المحطات.

التوعية حل آخر؟

ارتباطاً بموضوع قلة الموارد المائية، فإن من الأسباب الرئيسية التي تزيد في نقصانه في المغرب، طبيعة الأنشطة الزراعية، التي تفاقم الأزمة، بالنظر إلى أنها تستهلك وحدها ما يزيد عن 80 في المئة من موارد البلاد المائية، خاصةً الأراضي التي تم تخصيصها لزراعة محاصيل مثل البطيخ الأحمر، والتي تبلغ نحو 20 ألف هكتار، وتستهلك كل عام أزيد من 15 مليون متر مكعب من المياه الجوفية.

فضلاً عن هذا، هناك محدوديّة سعة السدود في المغرب، التي أدت إلى انخفاض معدلات تخزين المياه، الناجمة عن الأمطار، مما أدى إلى إهدارها.

كما يعزى الشح في المياه، إلى ارتفاع الطلب والاستغلال المفرط للمياه الجوفية، وتلوثها.

وقد تراجعت حصة الفرد من المياه في المملكة، من نحو 2،600 متر مكعبّ في ستينيات القرن الماضي، إلى قرابة 606 أمتار مكعبة اليوم، وهو المستوى القريب من معدل شح المياه المحدد بـ500 متر مكعب، بل يرجع أيضاً، إلى تزايد أعداد السكان.

في ظل هذا الواقع، اضطرت السلطات المغربية إلى اتخاذ مجموعة من التدابير، من بينها حظر تنظيف الشوارع بمياه الشرب، وقطع المياه ليلاً عن بعض المؤسسات، والإدارات، والصيانة الدورية لمنع أي نوع من التسريبات المائية ومنع سقي المساحات الخضراء وملاعب الغولف بماء الشرب.

وبما أنّ الخصاص الحاصل في الموارد المائية، أضحى واقعاً يفرض نفسه، تعالت أصوات داخل المغرب، تدعو إلى البدء بحملات التوعية بأهمية الماء، وتكثيف هذه الحملات بين أفراد المجتمع، للفت الأنظار إلى مخاطر تبذير هذه المادة الحيوية.

ويدعو عبد الحكيم فيلالي، إلى ترشيد الموارد المائية في الفلاحة، لتجنب الإجهاد المائي.

في السياق نفسه، يحث فيلالي على اتخاذ تدابير تقنية من خلال اعتماد تقنيات حديثة في السقي، كالسقي بالتنقيط، وتكييف المزروعات مع الجفاف، من خلال الحصول على بذور تقاوم الحرارة المفرطة.

ويختم: "لا بد من إعادة النظر في هيكلة المؤسسات التي تسهر على التدبير المائي".

يشار إلى أن القطاع الزراعي في المغرب يسهم بنسبة 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتلعب الزراعة دوراً محورياً في استيعاب اليد العاملة، إذ تسهم في تشغيل نسبة 38 في المئة من إجمالي القوى العاملة في عموم البلاد.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard