شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
في زمن الحروب... هل على الفنانين التوقف عن العمل؟

في زمن الحروب... هل على الفنانين التوقف عن العمل؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

اعتذر الفنان المصري محمد سلام عن المشاركة في موسم الرياض في بث خرج به على متابعيه على صفحات التواصل الاجتماعي بسبب الحرب على غزة، ولقي قراره الكثير من المديح، وعندما حاول زميله بيومي فؤاد تبرير ذهاب بقية فريق المسرحية للمشاركة تعرض لحملة كراهية واسعة أدت به لإغلاق حسابه على موقع فيسبوك.

وبغض النظر عن الجدل نفسه وعن موسم الرياض وقرار الاستمرار في العروض رغم الحرب على غزة، فإن الجدل الدائر أعادني إلى مسألة الحاجة إلى الفن في زمن الحرب من عدمها، وإلى اعتبار الفن رفاهية يجب التخلي عنها ما إن تتأزم المجتمعات إما بسبب أنه من غير اللائق أن يستمر أو لأنه مكلف ولابد من ترتيب الأولويات في زمن الحرب.

بداية، لا بد من الحديث عن أن الفن مهنة يمتهنها كثيرون، ليس فقط الفنانون الذين يظهرون أمام المشاهد للعمل الفني، فالعمل الفني في المسرح والسينما والتلفزيون عمل جماعي، تعتمد عليه أسر كثيرة لتأمين معيشتها، ورغم التفاوت الكبير بين أجور النجوم وأجور الفنيين إلا أن تلك الأجور الضئيلة تشكل معيشة عائلات بأكملها، وتصرف على أطفال يذهبون إلى المدارس، وتعيل كبار السن في الأسر.

اعتذر الفنان المصري، محمد سلام، عن المشاركة في موسم الرياض في بث حي خرج به على متابعيه بسبب الحرب على غزة، ولقي قراره الكثير من المديح، وعندما حاول زميله بيومي فؤاد تبرير ذهاب بقية فريق المسرحية للمشاركة تعرض لحملة كراهية واسعة

في زمن الحرب، أعتقد أن المسألة الأساسية التي يجب أخذها بعين الاعتبار من قبل الفنان عندما يقرر الاستمرار في العمل من عدمه هي الصحة النفسية، أي أن يشعر الفنان أنه قادر على العمل والعطاء دون أن يشكل ذلك خطراً على سلامته النفسية، خاصة في حالة الممثلين، لأن التمثيل يتطلب من العاملين فيه جهداً نفسياً كبيراً، إذ يقوم على أن يقدم الممثل مشاعره للمشاهد وأن يتلاعب بذاكرته وأحاسيسه ليستحضر الحالة المناسبة للمشهد، لذا فإن الأداء عندما يكون الممثل في وضع نفسي سيء قد يؤدي إلى نتائج خطيرة وطويلة الأمد على نفسية الممثل نفسه.

لكن القرار بالاستمرار في تقديم الفن ليس قراراً فردياً يتخذه الفنان وحده بحكم طبيعة العمل الجماعية، وبحكم تحكم الجهات المنتجة بظروف تنفيذ الأعمال الفنية وارتباط الفنانين بعقود قد لا يمكن فسخها، ولكننا سنفترض هنا أننا نناقش الحالة المثالية، حيث يعود القرار بالاستمرار من عدمه للفريق نفسه، ماهي إذاً المعايير التي يمكن للفريق اعتمادها لاتخاذ قرارهم؟

أعتقد أن المعيار الأول والأساسي هو المحتوى الفني المقدم، قد يكون المحتوى ترفيهياً، فيشعر الفريق بأن الناس بحكم الظروف القاسية التي يعيشونها بحاجة لمحتوى يروح عنهم، وقد يكون المحتوى الفني سياسياً، وقد يرى الفريق أن الاستمرار في تقديمه يخدم قضية المظلومين ويدافع عنهم، وبالمقابل قد يشعر الفريق أن المحتوى الذي يعملون عليه غير لائق أو لا يحترم الظرف القائم فيتوقفون عن إنتاجه، أو يعدلونه بحيث يتناسب مع الظروف. ويمكننا العودة إلى مثال من مسلسل "فريندز" الشهير، الذي لم يتوقف عرضه بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن الفريق أعاد تصوير مشاهد من حلقة لاس فيغاس، بسبب مشهد في نسختها الأولى التي صورت قبل الهجوم على برجي التجارة العالميين، يقوم فيه الراحل، ماثيو بيري، بإلقاء نكتة حول حمله لقنبلة في المطار، وقد تم حذف ذلك لاحقاً وتصوير مشاهد بديلة.

تجدر الإشارة إلى دور أفلام فلسطينية وسورية كثيرة في تشكيل الرأي العام الغربي من القضيتين السورية والفلسطينية، لكن أزمة هذه الأعمال أنها بحاجة لشرح كامل السياق، وإعادة روي الحكاية من بدايتها

في حالة المحتوى السياسي الذي يتناول القضية، لا بد من التفكير أيضاً بمسألة الجمهور المستهدف، فإن كنا نروي حكاية الظلم الذي يتعرض له الناس ونعرض العمل الفني للمعنيين بالحكاية أنفسهم، فيمكن تلخيص نتائج ذلك بإحدى نتيجتين، قد يشعر الناس المظلومون بأن صوتهم مسموع وبأن قضيتهم حاضرة وقد يؤدي ذلك إلى مواساتهم والتخفيف عنهم، وبالمقابل، قد تثير مشاهدة الظلم الذي تعرضوا له مشاعر غضب وحزن شديدين تؤدي إلى إعادة إحياء التروما أو الصدمة، لذا لا بد من الحذر عند معالجة المواضيع القاسية والتفكير بأثرها على الجمهور.

يمكن للعمل الفني أن يروي الحكاية لجمهور آخر، لم يتعرض بدوره للتجربة، ويمكن لهذا النوع من الأعمال أن يلعب دوراً في تشكيل الرأي العام حول قضية ما، لا سيما إن كانت تقدم لجمهور لا يعلم عنها الكثير، ويمكننا الإشارة هنا إلى دور أفلام فلسطينية وسورية كثيرة في تشكيل الرأي العام الغربي من القضيتين السورية والفلسطينية، لكن أزمة هذه الأعمال أنها بحاجة لشرح كامل السياق، وإعادة روي الحكاية من بدايتها كي لا يلتبس على المشاهد الموضوع مما يؤدي إلى سقوط معظمها في فخ المباشرة والتكرار، كما أنها تتحول أحياناً إلى أعمال تلقي اللوم على المشاهد وكأنه مشارك في الجريمة، مما يجعل المشاهد يعزف عن مشاهدة هذه الأعمال جملة وتفصيلاً.

في أوروبا، التي ينتشر فيها الخطاب اليميني، وتكاد تستحيل مناقشة القضايا العربية الساخنة بهدوء خارج الإسلاموفوبيا والتنميط، قد تكون الأعمال الفنية هي الفرصة الأفضل لتقديم وجهة نظر أخرى

في ظل استقطاب شديد يسود عالم وسائل التواصل الاجتماعي، ورغبة عارمة في تحويل الفنانين إن لم نقل الناس عامة إلى معسكرين معسكر للأبطال ومعسكر للخونة، يبدو صعباً أن نناقش بهدوء وحرية مسائل ليست بالبساطة والسهولة التي تبدو عليها، وفي ظل انحدار واضح في السوية الفنية للمحتوى العربي عموماً، لا يبدو أن جهات الإنتاج معنية أصلاً بمناقشة أي مسألة فكرية ترتبط بنوع الأعمال الفنية ومحتواها وأثرها على الجمهور، خاصة أن مسألة الأثر النفسي للأعمال على الجمهور لا تزال خارج نطاق اهتمامات المنتجين. يعود القرار هنا إذاً للفنان نفسه، ويمكنه اتخاذ القرار بناء على ظرفه النفسي وربما الاقتصادي.

تبقى الأعمال المقدمة للجمهور غير المعني مباشرة، ويبدو لي أن هذه الأعمال ضرورية، لأنها تسمح بمناقشة القضايا من وجهة نظر إنسانية وتسمح للجمهور بالتماهي مع الضحية بغض النظر عن المواقف المسبقة والتنميط.

في أوروبا، التي يسودها الاستقطاب بدورها وينتشر فيها الخطاب اليميني، وتكاد تستحيل مناقشة القضايا العربية الساخنة بهدوء وخارج الإسلاموفوبيا والتنميط، قد تكون الأعمال الفنية هي الفرصة الأفضل لتقديم وجهة نظر أخرى ولاسيما في الأعمال التي تعتمد أساليب فنية مبتكرة لرواية الحكاية كما في فيلم إيليا سليمان البديع، يد إلهية، على سبيل المثال.

نهاية، لا أجد ختاماً أفضل مما قاله الفنان الفلسطيني السوري حسان حسان، الذي قتل تحت التعذيب في معتقلات الأسد في نهاية فيديو التعليلة الذي تحدث فيه عن طقس حفل ما قبل الزواج، إذ قال: "آخر شي، شكراً لكل واحد أجل أو لغى أو خبى تعليلته احتراماً منه للي عم بيصير، وشكراً كمان لكل واحد عمل تعليلة لحتى يذكرنا إنه الحياة ماشية ولسة فيها شي"

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard