شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
الحرية والمساواة والأخوّة... تناقض رموز فرنسا وتجريمها للحراكات المؤيدة لفلسطين

الحرية والمساواة والأخوّة... تناقض رموز فرنسا وتجريمها للحراكات المؤيدة لفلسطين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!
Read in English:

Liberté, Égalité, Fraternité.. Just don’t mention Palestine

خرج الملايين من الناس إلى الشوارع في مختلف أنحاء العالم للتعبير عن تضامنهم مع الفلسطينيين في مواجهة الرعب والإبادة الجماعية الجارية.

في حين سمحت معظم الدول الغربية بهذه التظاهرات، فإن فرنسا تمنعها بطريقة منهجية منذ أسبوعين. هذه العراقيل لمنع حرية التعبير ليست هامشيةً، بل هي نتيجة لعملية بدأتها الحكومات الفرنسية منذ سنين.

منذ نهاية العهدة الرئاسية لفرانسوا هولاند، بدأت الحكومات الفرنسية تأخذ منعرجاً استبدادياً وعنصرياً ومعادياً للإسلام. يعرض هذا المقال كيف نُفِذَتْ هذه السياسات التمييزية من طرف حكومتي فرانسوا هولاند، وإيمانويل ماكرون بين عامي 2017 و 2023.

مظاهرات حاشدة في العاصمة الفرنسية باريس تضامناً مع فلسطين. أوكتوبر 2023

الشرطة... حجر الأساس "للمشروع الاستبدادي"؟

منذ سنوات قليلة أصبح قمع المجتمع المدني الفرنسي أكثر وحشية، فالتشريعات القانونية المختلفة منحت الشرطة حصانة هائلة، منها:

إصلاح المادة من قانون الأمن الداخلي، المعروفة باسم "قانون كازينوف" نسبةً إلى الوزير الذي أقره في فبراير/شباط 2017، ومنح الشرطة حق إطلاق النار على أي مركبة إذا رفضت الامتثال للتوقف وعملية التفتيش.

زاد هذا القانون بشكل كبير من حوادث إطلاق النار من قبل الشرطة على المركبات المتحركة التي كانت تحدث في المتوسط 119 مرة في السنة بين عامي 2012 و2016، وزادت إلى متوسط 165 مرة في السنة بين عامي 2017 و2021. بالإضافة إلى ذلك، ازداد أيضاً عدد الوفيات بسبب هذه الممارسة بشكل حاد، وآخرها كان ناهل، الفتى الفرانكو-جزائري، الذي تم اغتياله من قبل شرطي وهو داخل سيارته المتوقفة وكانت قصته قد انتشرت في جميع أنحاء العالم.

منذ سنوات قليلة أصبح قمع المجتمع المدني الفرنسي أكثر وحشية، فالتشريعات القانونية المختلفة منحت الشرطة حصانة هائلة، ومن أحدثها منح الشرطة حق إطلاق النار على أي مركبة إذا رفضت الامتثال للتوقف وعملية التفتيش

ودفعت هذه الجريمة الأمم المتحدة إلى إصدار بيان طالبت فيه السلطات الفرنسية باتخاذ الاجراءات اللازمة للحد من تفشي العنصرية في أوساط قوات الأمن الفرنسية.

كانت نقابات الشرطة، التي دُعمت بشكل كبير من قبل وسائل الإعلام الفرنسية، قد استخدمت آنذاك القانون ذاته لتبرير هذه الجريمة، وفي هذا دليل على أنه تم تعديل القانون لسبب واحد فقط... منح حق القتل للشرطة الفرنسية.

عندما تم سؤال مارين لو بن، زعيمة حزب اليمين المتطرف، راسومبلوما ناسيونال، من قبل صحيفة BFMTV الفرنسية، في يوم 29 من شهر حزيران/يونيو 2023، وهو الوقت الذي يلي مباشرة وفاة ناهل، حول القانون المعني، أعلنت دون أي تدخل من قبل الصحيفة: "أنا مع فرضية الدفاع المشروع لقوات الشرطة". بالإضافة إلى ذلك أدلى إريك زمور، السياسي الذي حُكم عليه مراراً بالتحريض على الكراهية العنصرية، في يوم 30 من شهر حزيران/يونيو 2023، على محطة الراديو Europe 1، بشأن ناهل: "هذا الشاب لم يكن ملاكًا... كان لديه في سن السابعة عشرة، سجل جنائي مليء بشدة". وهكذا، تركت وسائل الإعلام الفرنسية ذات التأثير الكبير الشخصيات السياسية العنصرية تبرر قتل مراهق على يد الشرطة مباشرة بعد الحادث.

تم أيضاً اعتماد قانون "الأمن الشامل" من قبل الجمعية الوطنية في 15 أبريل/ نيسان 2021، وهو يهدف إلى تعزيز الجهاز الأمني بهدف قمع الحركات الاجتماعية، بالإضافة إلى أنه يسمح للشرطة بحمل الأسلحة خارج ساعات الخدمة، يتوقع أيضاً إعطاء الإذن بنشر الطائرات من دون طيار/ المسيرات، ومنح النفوذ الموسع إلى صور الرصد بالفيديو، وكاميرات المشاة بهدف التعرف على المتظاهرين.

فرنسا، بلد "حقوق الإنسان"، اعتمدت مؤخراً مشروع قانون يليق بأسوأ الديكتاتوريات التي تدّعي أنها تدينها

خلال التصويت النهائي في الجمعية الوطنية الفرنسية التي قادت إلى إقرار القانون، دعمت الأحزاب اليمنية "لا ريبوبليك ان مارش" و"لي ريبوبليكان"، هذا المشروع بينما عارضته الأحزاب اليسارية، "لا فرانس انسوميز" و"لو بارتي سوسياليست".

فرنسا، بلد "حقوق الإنسان"، اعتمدت مؤخراً مشروع قانون يليق بأسوأ الديكتاتوريات التي تدّعي أنها تدينها، هذا القانون يسمح لها بإنشاء ملفات لتسجيل مواطنيها خلال الحركات المدنية.

وبالطبع، تم تنفيذ هذه المشاريع القانونية لقمع التحركات المدنية في فرنسا، خاصة تلك التي يشارك فيها الأشخاص من أصول إفريقية.

على سبيل المثال، ورغم أن الجهاز القمعي للدولة الفرنسية يستهدف أي حركة اجتماعية تعارضها، فإن بعض الإجراءات تستهدف حصرياً السكان ذوي الأصول الافريقية.

فباستثناء فترة الكوفيد، كل عمليات حظر التجول تم إقرارها سابقاً لمنع المظاهرات للسكان ذوي الأصول الإفريقية.

الافارقة والعرب و المسلمون أول المستهدفين من طرف الحكومة الفرنسية

وكما يظهر الاستعمال التعسفي لحظر التجوال، فإن المنحى الاستبدادي للحكومة الفرنسية هو أساساً مبني على العنصرية وموجّه ضد "غير البيض". وقد ترجم ذلك بطرق مختلفة في السنوات الأخيرة.

أولاً، من خلال التصريحات التي تخدم اليمين المتطرف مثل تلك التي أدلى بها إيمانويل ماكرون، أثناء لقائه بلاجئين بدون وثائق في مايو/أيار 2021، قائلاً لهم: "لديكم واجبات قبل أن تحصلوا على حقوق". ثم أضاف: "نحن بلد سخي، ولكن يجب أن نحترم القوانين، لا يمكننا منح الوثائق للجميع". في الواقع تظهر هذه التسريبات أن ماكرون قد استسلم لضغوطه، وتأتي في أعقاب عدة تصريحات من ممثليه، كتلك التي أدلى بها إريك زيمور، على منصة CNews قبل عدة أشهر بخصوص اللاجئين: "ليس لديهم أي دور هنا، هم لصوص، هم قتلة، هم مغتصبون، هذا هو كل ما هم عليه، يجب إعادتهم ولا يجب أن يأتوا حتى".

ثم، من خلال حل الجمعيات التي تناضل ضد معاداة الإسلام، مثل حالة الرابطة الفرنسية لمكافحة الإسلاموفوبيا، وجمعية "باراكاسيتي"، اللتين حلّهما مجلس الدولة في سبتمبر/أيلول 2021.

لا تقتصر هذه الحملة الموجهة ضد الإسلام على حل الجمعيات المدافعة عنهم، بل تشمل أيضاً إصدار قوانين معادية للإسلام مثل "قانون مكافحة التفرقة"، الذي دخل حيز التنفيذ في أغسطس/آب 2021. وللبرهنة على ذلك يكفي على سبيل المثال الاطلاع على لجان مكافحة التطرف الإسلامي والانكماش الطائفي. هذه اللجان يفترض الاتصال بها في حالة ظهور علامات التطرف لدى أي شخص. ومن بين علامات التطرف نجد، الصلاة، والصيام خلال شهر رمضان، وإطلاق اللحية.

مثل هذه المظاهر الدينية يمكن أن تصنف أي شخص في خانة المتطرفين الذين يشكلون تهديداً للجمهورية. ففي شهر حزيران/يونيو 2023، قرر وزير التربية الأسبق، فتح تحقيق إثر قيام مجموعة من التلاميذ بأداء الصلاة في إحدى مدارس مدينة نيس الفرنسية.

تجريم دعم فلسطين 

خلال الثمانينيات قام نشطاء مكافحة العنصرية مثل يوسف بوسومة، بتطوير مفهوم "الدليل من خلال فلسطين". يتمثل هذا المفهوم في القول إنه لمعرفة ما إذا كان شخص ما حليفاً أم خصماً سياسياً لنا، يجب تحليل موقفه من خلال ما يسمى منظور فلسطين.

عندما يتعلق الأمر بالحكومة الفرنسية، ففي ظل تعاونها مع إسرائيل ورغبتها بتجريم الحركات المؤيدة لفلسطين، يعتبر هذا استمراراً لسياستها العنصرية، وهناك عدة أمثلة على ذلك…


مظاهرات حاشدة في العاصمة الفرنسية باريس تضامناً مع فلسطين. أوكتوبر 2023

أولاً، محاولة حل الجمعيات المؤيدة لفلسطين مثل "كوميتي أكتيون فلسطين" و"تحالف فلسطين ستنتصر"، وقد كانت هذه الجمعيات طويلاً في مرمى وزير الداخلية جيرالد دارمانين، وتم إنقاذها في النهاية بفضل قرار من مجلس الدولة في أبريل/ نيسان الماضي. تظهر هذه الحملة القانونية المستمرة ضد أولئك الذين يدعمون الشعب الفلسطيني الارتباط الاستعماري العميق الذي يجمع بين فرنسا وإسرائيل، حيث تقمع كلتاهما بشدة أصوات المناهضين للاستعمار.

تظل فرنسا صامتة عندما تنتهك إسرائيل حقوق مواطنيها الفلسطينيين الفرنسيين. كحالة صلاح حموري، الذي قام الاحتلال الإسرائيلي  بترحيله من القدس الشرقية في2022، فلم تحرك فرنسا ساكناً.

ثانياً، فإن فرنسا تظل صامتة تماماً عندما تنتهك إسرائيل حقوق مواطنيها الفلسطينيين الفرنسيين. شهدنا ذلك في حالة صلاح حموري، الذي تم ترحيله بواسطة الاحتلال الإسرائيلي من القدس الشرقية في نهاية عام 2022، من دون أن تحرك فرنسا ساكناً. بغض النظر عن بيان ضئيل من الاستنكار، لم يتخذ شيئاً على مستوى الدبلوماسية الفرنسية، لم يتم فرض أي عقوبات ولم يتم استدعاء أي سفير في مواجهة هذا الانتهاك للقانون الدولي.

ثالثًا، تعتاد الدولتان الفرنسية والإسرائيلية تبادل تقنيات "حفظ النظام". هذا ما أكده مقال في "لومانيتي" في يوليو الماضي.

مرة أخرى، يظهر ذلك عندما يتعلق الأمر بقمع العرب، إذ تعمل فرنسا وإسرائيل جنباً إلى جنب في القمع الممنهج المبني على العنصرية.

ختاماً، يمكننا القول أن حظر المظاهرات المؤيدة لفلسطين يأتي في سياق استمرار السياسة العنصرية والاستبدادية التي تتبعها الدولةالفرنسية، خاصةً منذ عام 2017. ومن الصعب فهم عداء الحكومة لحركة التضامن مع فلسطين دون النظر إلى تاريخها العنصري والاستعماري.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

"نؤمن في رصيف22، بأن متابعة قضايا العرب خارج العالم العربي، في المهجر/ الشتات/ المنفى، هي أيضاً نظرة إلى أنفسنا، وإلى الأسباب التي اضطر -أو اختار- من أجلها الكثيرون إلى الهجرة بحثاً عن أمانٍ في مكانٍ آخر، كما أنها محاولة للفهم وللبناء وللبحث عن طرائق نبني بها مجتمعات شاملةً وعادلةً. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard