شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
الحروب

الحروب "الوجودية" والجموح إلى أقاصي العنف

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتاريخ

الجمعة 20 أكتوبر 202301:44 م

بين ليلة 6- 7 تشرين الأول/ أكتوبر وضحاها، انقلبت أنظار العالم، ومعها مخاوفه من حرب ذرية تكتيكية تتدحرج من شرق أوروبا ووسطها إلى بقعة صغيرة فلسطينية في قلب الشرق الأوسط. وبين الليلة وضحاها هذين تحولت المناوشات المزمنة، منذ 2008 واستيلاء "حماس" على غزة، بين الفصائل وبين الجيش الإسرائيلي في غزة والضفة، تحولت الاشتباكات الموضعية والمحلية، و"الحروب" على شاكلة "حرب" 2014، وقبلها الانتفاضات الطويلة، إلى قضية دولية، وبعثت مشاهد عسكرية وديبلوماسية تذكر ببعض فصول القرن التاسع عشر (البوارج، والمفاوضات، والمبعوثين... والتهديدات).

وقد يكون السبب في هذا الفوران، وبعضه مشهدي وإعلامي واعتاده المسرح الشرق أوسطي، جدّة الحادثة، وجمعها في يوم واحد عناصر ودلالات واحتمالات امتدت في السابق على أعوام. فقتل الحمساويون في يوم واحد من الإسرائيليين المدنيين نحو الألف، وهو العدد الذي قتل في الأعوام الخمسة التي دامتها الانتفاضة الثانية (2000- 2005). ويقتل الجيش الإسرائيلي والمستوطنون في الضفة الغربية في أيام قليلة ما يقتلونه، وجروا على قتله في أشهر أو سنين (في ضوء قصف المستشفيات).

وحساب القتلى- وإحصاؤهم وتكثيرهم من علامات النزاعات الشرق أوسطية الفارقة، وقرينة على حضور أفق الإبادة ولو مضمراً- وجه من وجوه التسابق على التصعيد والتلويح بالأسوأ. وتحضر في الانفجار الحالي وجوه أخرى، بعضها معتاد ومعروف وبعضها الآخر مستجد. ومن هذه الوجوه توسع الانفجار إلى الزج بجبهات أخرى في إطار إقليمي مشرَّع يشمل الضفة الغربية والجنوب السوري، والجنوب اللبناني، إلى "جبهات" غزة المشتعلة. والجبهتان الأخريان، مصر والأردن، تحتسبان في الوجه الثالث، والباعث على الرعب، وهو ما يسميه الأردنيون والمصريون "حل القضية الفلسطينية على حساب" البلدين والدولتين، أو "النكبة الثانية"، أي تهجير فلسطينيي غزة إلى سيناء. بينما يخرج الاستيطان، وتسليم إدارة الضفة الغربية إلى أنصار "القوة اليهودية" و "الصهيونية الدينية" الأهل الفلسطينيين إلى المملكة الأردنية. ويرى هاكان ميران، وزير الخارجية التركي، "حروباً كبيرة"، قد تكون إيرانية، وراء انفجار الحرب.

عملية "حماس"، قبل تورطها في مقتلة المدنيين، أنجزت عملياً؛ 1) تجديد صدارة المسألة الفلسطينية، 2) وكسر حصار غزة، 3) وهدم جدران السجن الكبير من غير سقف حولها

ولا يزال هذا "الجموح إلى الأقاصي" (أقاصي العنف والتوسيع) تهديداً يلوّح به، وربما يُعدّ له. ويستعمل التلويح في ضبط تعاظم العنف، والنازع إلى التوسع، فيرهن وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان الامتناع من دخول "المقاومات" الحليفة والوكيلة الحرب المعلنة، وليس الدابة على أطراف حزام الحرب الشمالي، بلجم الحرب الإسرائيلية على جبهة فلسطين الجنوبية. ويرجئ نتانياهو حملة الجيش البرية على شمال غزة جواباً عن دعوات أهلية (أهالي الرهائن أولاً) ، وأمريكية- أوروبية، وعربية مصرية في المرتبة الأولى. وتقيد هذه الدعوات "الحق في الدفاع عن النفس" الذي تستقوي به الحكومة الإسرائيلية، ويحتاج تثبيته إلى إقرار إقليمي ودولي، حكومي وشعبي، بمشروعيته. وتوسيع الحرب و "تعميقها" إذا جازت العبارة، يقلص من هذا الإقرار تدريجاً ويضعفانه.

"طوفان الأقصى" قبل العتبة

والحق أن مساعي لجم التوسيع والتعميق هذين تصطدم بنواة الانفجار الحالي و"بطبيعة" هذه النواة ومركبها. فعملية "طوفان الأقصى" تخطت العمل العسكري والسياسي، و"استمرار السياسة بوسائل أخرى عنفية"، على تعريف مشهور وسائر للحرب. ويلاحظ مؤرخ ومراقب سياسي فرنسي، فانسان لومير (في صحيفة لوموند الفرنسية، 15- 16/10/2023) أن عملية "حماس"، قبل تورطها في مقتلة المدنيين، أنجزت عملياً؛ 1) تجديد صدارة المسألة الفلسطينية، 2) وكسر حصار غزة، 3) وهدم جدران السجن الكبير من غير سقف حولها، 4) والاستيلاء على قواعد عسكرية وقتل نحو 400 جندي وأسرهم، والانسحاب إلى غزة، 5) واستغلال ميزان قوة تغير تماماً جراء العملية. ويختم قائلاً: هذه الأهداف كلها بلغت قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من القتل المتشفّي ومن غير تمييز. وهي، في حد ذاتها "نصر تاريخي".

واقتضى تعقب ألف مدني مختبئين في منازلهم وحجراتهم الحصينة، أو لاجئين إلى سياراتهم، أو هاربين إلى الخلاء خارج مستوطناتهم، وقتاً طويلاً. وكان المهاجمون يحتاجون إلى هذا الوقت، وهم يسابقون طلبات الإغاثة، والإنذارات، وشيوع الأخبار على وسائط التواصل والاتصالات. وأدى بقاؤهم الوقت الذي صرفوه على المطاردة والقتل والتصوير، "الشق الإرهابي" من العملية المركبة، إلى تمكين الإسرائيليين، مدنيين وعسكريين، من قطع الطريق على عودتهم السريعة، وحصرهم في مسرح عمليتهم الضيق، وإلى قتل 1200 إلى 1500 من المهاجمين على أرض "غلاف غزة". وهؤلاء، يتواطأ الحمساويون، والإحصاءان الإسرائيلي و"العربي" الإعلامي، على اطراحهم من أعداد القتلى الفلسطينيين الفلكية.

لا جدوى تُرجى من مراجعة الإحصاءات، مثل سؤال المرشد الإيراني الشيعي أمام طلاب طهران (في 17/ 10): "ولو افترضنا أنهم (القتلى) مدنيون، كم قتل منهم؟". فالأمر الحاسم هو زيادة هؤلاء المدنيين القتلى

وتخطي العملية "الأولى" أو النواتية الحدود السياسية والعسكرية الناجزة والفعلية، شرّع النزاع القديم والمتجدد والمتنقل بالعدوان والجرائم والرعب والثارات والمهانات، على حرب "وجودية". وفي هذا المعرض، لا جدوى تُرجى من مراجعة الإحصاءات، مثل سؤال المرشد الإيراني الشيعي أمام طلاب طهران (في 17/ 10): "ولو افترضنا أنهم (القتلى) مدنيون، كم قتل منهم؟". فالأمر الحاسم هو زيادة هؤلاء المدنيين القتلى، من نساء وأولاد ومسنين وتايلانديين (يعرفون من سيمائهم)، إلى جنود يجيز قانون الحرب قتلهم وهم يقاتلون، وأسرهم، ومبادلتهم فيما بعد.

النواة

والرد على الملاحظة، وهي تقود إلى "تهمة" الإرهاب المرهوبة والمرغوبة (دليل قوة) معاً، بإحصاء حوادث ووقائع إسرائيلية لا نهاية لها من الإجهاز البارد والمتعمد على مدنيين فلسطينيين، ومن الإهانات التي لا تحتمل، والمصادرات التعسفية والزاحفة، وقطع الطرق وأوصالها، وهدم البيوت... و"يتوج" هذا كله إنكارُ الهوية الوطنية، الفلسطينية، (الرد) على هذه الشاكلة قد يثأر للفلسطينيين، في قرارة أنفسهم وقلوبهم وحناياهم، من مصابهم المأساوي، ويشفي بعض غليلهم. ولكنه يوحّد في لحظة واحدة ذروة الانتصار والدخول في نفق مظلم من ذيول مدمرة لم يتأخر حصولها. ولا يجمع المكاسب السياسية والعسكرية الأولى أو مع شفاء الغليل. فهذا يبدد تلك.

وإحراز انتصار أو انتصارات، على هذا المثال، يستثير في العدو أحط غرائزه وأبشعها، ويسوغ له ولو لبعض الوقت "الحق في الدفاع عن النفس" في إطار مبدأ "الرد المتناسب" المرن وغير المتكافئ. وينزع الرد على التهديد "الوجودي" بجواب "وجودي" مثله الباب على هاوية لا يملك الأنصار والحلفاء والمتفرجون، الفعليون والمفترضون، تقليص نتائج السقوط فيها. فالتعويل على ردع مشترك، إيراني يجمع طهران إلى وكلائها المحليين، و"شرقي" أو "جنوبي" عالمي، قد يكون مثمراً، وهو مثمر فعلاً، شرط ألا يتعدى النطاق السياسي والعسكري التقليدي أو "القانوني" المتعارف إلى "الوجودي"، أو ما يحمله المتحاربون عليه. أما وهو تخطاه، فالأفق المرجح هو ما يحدث وما يبحث عن كوابح.

دمج الحركة في الشعب

وتراثا الفلسطينيين والإسرائيليين التاريخيان والقريبان يحملان على الانزلاق من السياسي والحربي إلى "الوجودي". فالحكم في الفلسطينيين بأنهم، ماضياً ومستقبلاً، يقيمون في "أرض من غير شعب"، و"ليسوا شعباً". على قول غولدا مائير، ومعوقات في وجه استيطان الضفة الغربية والقدس الشرقية، إلى محاولة سطو الوزيرين "فوق العادة" سموتريتش وبن غفير على الضفة وترحيل أهلها- قاد، ويقود إلى انتهاج سياسة فصل وتمييز عنصريين، وإلى إعدام معنوي يقود إلى تدمير الذات، على ما نبه فرانتز مانون قبل سبعة عقود.

وتغذي هذه السياسة رفضاً ودفاعاً عن النفس يعميان عما تتيحه السياسة ومعاييرها، وعما توجبه وتقيده. والنازع الإسرائيلي إلى حمل أشكال التصدي الفلسطيني للاحتلال، حتى بعد أوسلو (1993)، وبعد 2007 (انفصال "حماس")، على تتمة المحرقة، والنازية، لا يدعو إلى مزاولة السياسة، ولا يتعهد نمو علاقات سياسية "تملأ" صيغة الدولتين، أو صيغة الدولة الواحدة، أو غيرهما من الصيغ السياسية.

وتترتب على الانزلاق إلى "الوجودي" مزاعم تذهب إلى وحدة الشعب والدولة أو الحزب والشعب، وإلى ذوبان واحدهما في الآخر، وعدم جواز فصل واحدهما من الآخر. وتزدهر مثل هذه المزاعم، السوفياتية والفاشية والدينية، في أثناء "حروب التحرر"، وفي الأنظمة التي تخلفها بعد الاستقلال، وترغب طواقمها في التمتع بالسلطات المطلقة التي سوغتها ظروف الحرب الاستثنائية. وجرت الأنظمة العسكرية و"التقدمية" العربية، وأحزابها الصورية، على الأخذ بهذه المزاعم غالباً. فنسبت أضعف نقد لها، أو محاولة إنشاء ورعاية رابطة اجتماعية مستقلة عنها ومعارضة لها، إلى تهديد يقمع بالسلاح، والقتل الجماهيري، والتهجير الجماعي.

النازع الإسرائيلي إلى حمل أشكال التصدي الفلسطيني للاحتلال، حتى بعد أوسلو (1993)، وبعد 2007 (انفصال "حماس")، على تتمة المحرقة، والنازية، لا يدعو إلى مزاولة السياسة، ولا يتعهد نمو علاقات سياسية "تملأ" صيغة الدولتين

فدمج "الدولة" (أو الحزب أو الحركة) في "الشعب"، وهذا في تلك، يرفع رقابة الشعب، وبالأحرى ولايته التي تفترضها الدساتير على العموم، على "الدولة" أو الحزب. ويترك هذا الرفع السلطة، على صورتها الحزبية أو الوطنية، نهباً لمصالح الطاقم القائد وأهوائه وعلاقاته، ومن غير رقيب أو حسيب. فإذا حلت الكارثة في الشعب، "انتصر" الحزب أو التنظيم لشعبـ(ـه)، وندد محقاً بالعدوان عليه. وميل الأنظمة العربية، وأحزابها قبل الاستيلاء على السلطة وبعده، إلى الدمج هذا، هو نتيجة خبرة ومراس طويلين.

اللبننة

وقد تكون اللبننة هي الدعامة الثانية للانزلاق إلى الحروب "الوجودية"، فاللبننة- على مثالي مزاولة "الحركة الوطنية" اللبنانية وحليفها الفلسطيني لها في الثلث الأخير من القرن الماضي ثم استئنافها عن يد القوات السورية واستخباراتها، ووراثة "حزب الله" إياها- تفصل سلطة الجماعة الأهلية والعصبية عن سلطة الدولة، المشتركة إن لم تكن الجامعة، على ما كانت حالها في لبنان قبل حروبه الأهلية والملبننة. وانفصال سلطة الجماعة الأهلية الجزئية عن السلطة المشتركة "يحررها" من الموازنات والمساومات والتلفيقات التي تقيدها بها الدولة "الفاترة" والوسطية، ويخلي بينها وبين شياطينها "الوجودية"، الإقليمية والعالمية.

وكان محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، دأب على التنديد بتبييت "حماس" خطة لبننة السلطة الفلسطينية. فهي تريد الوحدة مع السلطة، شرط القبول بانفراد الحركة الإخوانية (سابقاً، إلى حد ما) بالتسلط على غزة وأهلها، وبسياسة وأواصر خارجية مستقلة، وبمشاركة السلطة إدارتها "المناطق" أو الضفة الغربية وأغوارها وقدسها. وتقتصر الوحدة، في نظر "حماس" وقبلها في نظر "حزب الله" الرائد في هذا المجال والقدوة، على الاحتماء الضعيف بمظلة السلطة المتخرّقة، على قول ماوتسي تونغ لزائره الأمريكي ريتشارد نيكسون.

وتفضي اللبننة، أول ما تفضي إليه، إلى انتزاع قرار السلم والحرب من دولة مركزية تملك وحدها، على زعم أوروبي قديم، "العنف المشروع". و "توزع" القرار الحيوي هذا على أطراف أو أفرقاء ينتخبون أصدقاءهم وأعداءهم كلٌّ على هواه، وهوى تعريفه الجماعة السياسية الأوسع، "الأمة"، التي ينتسب إليها، ويراها أمته ووطنه وشعبه. والنزاعات بين الجماعات الأهلية الملبننة لا يتولى التحكيم فيها "طرف ثالث" وداخلي معاً، هو الدولة "غير الوجودية". فإذا عدم "الطرف الثالث" استباحت الجماعات الحرمات كلها، ووسعها شن الحروب على أنواعها. ووسعها أن ترعى سلماً يستهلك، على نار خفيفة، شعبها أو شعوبها المسكينة.

وفي فلسطين، تولت الحكومة الإسرائيلية "لبننة" السلطة الفلسطينية، فأباحت الضفة ومناطق ألف وباء وجيم لـ "قطعان المستوطنين"، على قول الفلسطينيين، ولم يقصر المستوطنون عدوانهم على الفلسطينيين، فعدوا على دولتهم وقوانين احتلالها، وعلى قوانينها الأساسية وهيئتها، ومكّنوا "حماس"، عمداً أو سهواً، من التلبنن، ومن شن "طوفان الأقصى" عليهم.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard