شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
في موريتانيا... مشروع قانون

في موريتانيا... مشروع قانون "كرامة" النساء يخيف الرجال

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والنساء

الثلاثاء 17 أكتوبر 202312:43 م

فرض مشروع قانون متعلّق بحماية النساء في موريتانيا، حالةً من الجدل في أوساط النخب، بين مرحّب به ورافض له، إذ يرى من يدافعون عنه أنه فرصة للنهوض بحقوق النساء وحمايتهن، أما الرافضون له فيجدون فيه "مخالفةً" للشريعة الإسلامية وقيم المجتمع، وقد نُظمت في العاصمة نواكشوط، أنشطة واحتجاجات مناهضة له وأخرى مطالبة به وداعمة له.

يعد الجدل حول مشروع القانون الذي يحمل اسم "كرامة"، حديثاً قديماً، إذ سبق أن سحبت وزارة العدل الموريتانية، مشروع قانون "النوع" في نسختين سابقتين عامي 2017 و2018، لمراجعته، وهو المعني بحماية النساء أيضاً.

لماذا قانون "كرامة"؟

شهدت موريتانيا في السنوات الأخيرة، تصاعداً في وتيرة العنف ضد النساء، وفق بعض المنظمات الحقوقية النسوية، وهو ما حتّم وضع ترسانة قانونية لمجابهة ذلك، وجعل المطالبات بحماية النساء وفق القانون ترتفع.

وفي حديث إلى رصيف22، تقول مهلة بنت أحمد، رئيسة المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة (هيئة رسمية)، عن سياق ظهور مشروع قانون "كرامة": "وقّعت موريتانيا كما تعلمون على اتفاقيات دولية ملزمة بتنفيذها، مع التحفظ طبعاً على كل مادة تختلف مع مبادئ شريعتنا الإسلامية وقيمها. لذا يبدو أن الحكومات السابقة كانت قد اقترحت مسودة مشروع قانون أسمته 'قانون النوع'، وأثار جدلاً واسعاً حول بعض مواده وسحبته الحكومة آنذاك. أمّا مسودة مشروع قانون "الكرامة" فتختلف تماماً عن المسودة السابقة".

وتضيف المتحدثة أن "هذه المسودة الأخيرة أعدّها خبراء موريتانيون تابعون لمفوضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني، وأحيلت إلى وزارة العدل".

وتؤكد أن هذه الأخيرة لجأت إلى رأي العلماء الدينيين إذ "أحالته لإبداء الرأي إلى كل من هيئة العلماء الموريتانيين والمجلس الأعلى للفتوى والمظالم. وأجيزت المسودة من طرف المؤسستين، وذلك بعد دارسة كل موادّه ومراجعته كلياً، وبعد أن أزالوا مواد وراجعوا أخرى".

دعم من علماء الدين

تضيف المتحدثة قائلةً: "أعتقد شخصياً أنه إذا أجازت الهيئات المكلفة بالفتوى الشرعية نصاً قانونياً، فلا ينبغي لأيّ كان أن يفتي فيه إلّا إذا كنا في مجتمع غير منضبط ويميل إلى الفوضوية".

من جهتها، ترى الناشطة النسوية مليكة محمد الأمين، أن "مشروع قانون كرامة هو النسخة الثالثة أو الرابعة المعدلة من قانون النوع، وقد جاء ليسد فراغاً تشريعياً لطالما نبّهنا إليه وإلى العنف الممنهج داخل القوانين الموريتانية المعمول بها، فنحن جميعاً نعرف العراقيل الموضوعة أمام الناجيات من العنف والاغتصاب في هذه القوانين، ولا ننسى كم من حالة اغتصاب أُنهيت بالصلح، وكم من متّهم ومدان في قضية اغتصاب أُطلق سراحه".

شهدت موريتانيا تصاعداً في وتيرة العنف ضد النساء، وهو ما حتّم وضع ترسانة قانونية لمجابهة ذلك تمثلت في مشروع قانون "كرامة"

وتضيف، في حديث إلى رصيف22، أنه قانون ضروريّ نظراً "إلى الخلط العجيب بين الاغتصاب والزنا، بالإضافة إلى الحالات العديدة من قضايا إنكار النسب والعنف المنزلي وتزويج القاصرات والتهديد والابتزاز. جميعنا نتذكر الحادثة الأخيرة التي وقعت ضحيتها سيدة على يد مجموعة جرّدتها من ثيابها، واعتدت عليها جسدياً ولفظياً تحت التهديد، وقامت بنشر فيديوهاتها، لتنتهي القضية بالصلح".

وتشير إلى أن "هذا القانون لطالما كان نتيجة ضغط داخلي، ولطالما كان مطلباً ملحّاً لجميع الناشطات النسويات والحقوقيات".

المشرِّع والعنف ضد النساء

تنبّه الناشطة إلى أن السؤال الذي يجب طرحه هنا هو: "هل نجح المشرِّع الموريتاني في تجريم العنف في هذا المشروع؟"، لتجيب بأن الجواب هو أنه لم ينجح.

وتضيف أن المشروع يضم اختلالات عدة من قبيل أنه "ضعيف في تجريم العنف المنزلي، إذ إنه في حالة الضرب والجرح العمدي، إذا سحبت الزوجة شكايتها تُحفظ القضية، أي لا يوجد حق عام، كما تنص المادة 29. أما المادة 36 المتعلقة بتزويج الأطفال، فلم تجرّمه بشكل قطعي، إذ تحيل إلى المواد 6 و7 من مدونة الأحوال الشخصية التي تعطي لوليّ 'ناقصة الأهلية' (قاصرة)، حق تزويجها إذا رأى مصلحةً لها في ذلك".

تنبّه ناشطات موريتانيات إلى أن مشروع قانون "كرامة" يتضمن عدة مواد قد تحد من فاعليته وتجعله رهينة لتأويلات لا تصب في مصلحة النساء

وتضيف أن المادة 10 من مشروع القانون، والمتعلقة بتقديم الرعاية النفسية للمدانين في قضايا اغتصاب تحمل إشكالية كبيرة.

وتستهجن هذه المادة قائلة إنه "بغض النظر عن أن المريض العقليّ يُعدّ شخصاً فاقداً للأهلية، وغير مسائل قانونياً، فإن المغتصِب ليس مريضاً عقلياً بل هو شخص يعطي لنفسه الحق في انتهاك أجساد ضحاياه وهو لا يعدّهم بشراً أساساً".

ممانعة للقانون

جوبه مشروع القانون الجديد بحملة شديدة في شبكات التواصل الاجتماعي، والإعلام، وأصدرت مجموعة من العلماء بياناً مشتركاً اتهموا القانون فيه بمخالفة الشريعة.

وقال الموقعون إن مشروع القانون الذي بدأت وزارة العدل بتنظيم ورشات نقاشية حوله، والذي يحمل اسم "قانون محاربة العنف ضد المرأة والفتاة (كرامة)"، هو "نسخ كلي لشريعة الرحمن بشريعة شيطان"، وفق قولهم.

ورأى الموقعون أن مشروع القانون "ينسف ثوابت الولاية والقوامة، ويشجع للعقوقِ والنشوز، ويشيع للفاحشة والرذيلة".

ويُحسب هؤلاء على صفٍّ محافظ داخل المجتمع الموريتاني يرفض أيّ تغيير في القوانين يقدّم حقوقاً أكبر للنساء الموريتانيات.

بدروها علقت الحكومة الموريتانية على هذا الجدل، إذ أكد الداه ولد سيدي ولد أعمر طالب، وزير الشؤون الإٍسلامية الموريتاني في مؤتمر صحافي، أن "الرئيس محمد الشيخ الغزواني أعطى تعليمات صارمةً بعدم صدور أي قانون يخالف الشريعة الإسلامية".

وأضاف أن "الهدف من مشروع قانون مكافحة العنف ضد المرأة، الذي ما زال مسودةً، هو حماية المرأة وحفظ كرامتها كغيره من القوانين الموجودة كالقانون الجنائي، ولا يمكن الاعتراض على فكرته"، مشدداً "على أنه ليس قانون النوع السابق ولا علاقة له بأجندة خارجية".

جوبه مشروع القانون الجديد بحملة شديدة في شبكات التواصل الاجتماعي، والإعلام، وأصدرت مجموعة من العلماء بياناً مشتركاً اتهموا القانون فيه بمخالفة الشريعة

ووفق مهلة بنت أحمد: "من الطبيعي أن يكون لجميع القرارات الحكومية مناصرون ورافضون. لكن في هذه الحالة يبدو أن هناك مغالطات تتعلق بنشر المشروع الأول المسمى قانون 'النوع' أو بعض مواده، بدلاً من نشر مشروع قانون 'الكرامة' في وسائل التواصل الاجتماعي".

وأضافت المتحدثة: "ما أود تأكيده هو أن حكومة الجمهورية الإسلامية الموريتانية لا يمكنها إطلاقاً تقديم مشروع قانون لا يتناغم مع مبادئ وقيم وتعاليم ديننا. صراحةً لا أفهم لماذا هذه الهجمة الشرسة ضد مشروع قانون المراد منه رفع الضرر عن المتضررين، وحماية حقوق أكثر من نصف المجتمع الذي يعاني من العنف والاغتصاب! لماذا لا ينظرون إلى النسخة الأخيرة ويقترحون آراءهم، إذا كانوا لا يثقون بالهيئات التي أجازته؟ فهذا القانون ليس موجهاً ضد الرافضين له، بل هو موجّه إلى المغتصبين والمجرمين، فلماذا الدفاع عنهم؟ هل هناك من يستفيد من الوضع القائم ولا يريد تغييره؟".

بدورها تؤكد مليكة محمد الأمين أن "الشيء المشترك بين جميع من يهاجم القانون أنهم/ ن لم يطّلعوا/ ن على مضامينه، دوافعهم/ ن في ذلك الهجوم وفي هجومهم السابق على أي محاولة لتمكين النساء من أبسط حقوقهن سياسيّة بحتة أو نابعة من كراهيتهم للنساء، والحجج التي يقدّمونها حجج واهية ومردود عليها".

وتضيف المتحدثة أن "النساء المنخرطات في ذلك الهجوم هن ضحايا من ضحايا النظام الأبوي ويعانين من حالة من حالات تزييف الوعي والتماهي مع العدو، وأنا شخصياً متعاطفة معهن".

وتشير المتحدثة إلى أن "قيم المجتمع إذا كانت تحرّض على العنف والاغتصاب واضطهاد المرأة فيجب أن يتم نسفها لا مخالفتها فقط".

وكان رئيس المجلس الأعلى للفتوى والمظالم، قد علّق على مشروع القانون، قائلاً إنه "بما فيه من تعديلات وآراء وملاحظات يلبّي المقاصد كافة، والمطالب التي تطمح إليها كل الجهات للرفع من مستوى تكريم المرأة وإنصافها وتحسين موقعها القانوني والاجتماعي. ولا توجد فيه بطبيعة الحال مخالفات شرعية ولا انحرافات أخلاقية".

ما هو واقع المرأة الموريتانية؟

فتح نقاش مشروع قانون "كرامة"، النقاش حول واقع النساء في موريتانيا، وما يعانينه من مشكلات ومعضلات.

وتقول بنت أحمد: "في الحقيقة، المرأة الموريتانية وبخاصة في الوسط الريفي وفي الأحياء الهشّة، تعاني كثيراً من العنف والظلم بجميع أشكالهما. هناك ضرورة لسنّ قانون يلخص ويجسّد جميع النصوص الشرعية على اختلافها وتنوعها لضبط الأمور والخروج من فوضوية الإفتاء؛ وذلك في سبيل حماية النساء والفتيات من العنف الممارس ضدهن يومياً. في اعتقادي سيكون هذا رادعاً لكل من يعتقد أنه فوق القانون شريطة تطبيقه الفعلي".

وتشير المتحدثة إلى أن هناك "ظاهرةً مؤلمةً ومشينةً، وهي منع المرأة المطلقة وأولادها من النفقة وترك مسؤولية تربيتهم وحضانتهم للأم وحدها ولأهلها. كما أن هناك مشكلة حرمان النساء من الدعم والتمكين الاقتصادي؛ خاصةً في ما يتعلق بعدم توفير تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى صعوبة ولوجها إلى الوظائف الإدارية والسياسية والانتخابية".

وبدورها تؤكد مليكة محمد الأمين، أن هناك مشكلات تتعلق بتمكين المرأة "اقتصادياً وسياسياً وإشراكها الجاد في مراكز صنع القرار. جميعنا نعرف أن المرأة الموريتانية تعاني من الفقر ومغادرة المدرسة في سنّ مبكرة والأمية والحرمان من الميراث، وهذا كله نتيجة العنف الممنهج الممارس عليها".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فعلاً، ماذا تريد النساء في بلادٍ تموج بالنزاعات؟

"هل هذا وقت الحقوق، والأمّة العربية مشتعلة؟"

نحن في رصيف22، نُدرك أنّ حقوق المرأة، في عالمنا العربي تحديداً، لا تزال منقوصةً. وعليه، نسعى بكلّ ما أوتينا من عزمٍ وإيمان، إلى تكريس هذه الحقوق التي لا تتجزّأ، تحت أيّ ظرفٍ كان.

ونقوم بذلك يداً بيدٍ مع مختلف منظمات المجتمع المدني، لإعلاء الصوت النسوي من خلال حناجر وأقلام كاتباتنا الحريصات على إرساء العدالة التي تعلو ولا يُعلى عليها.

Website by WhiteBeard