شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
بعد أن ربط زلزال المغرب بالمعاصي والمخالفات... هل يعود عبد الإله بنكيران إلى الشعبوية الدينيّة ؟

بعد أن ربط زلزال المغرب بالمعاصي والمخالفات... هل يعود عبد الإله بنكيران إلى الشعبوية الدينيّة ؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتطرف

الأربعاء 27 سبتمبر 202302:00 م

بعد نحو أسبوعين من الزلزال الذي ضرب وسط المغرب، في أيلول/ سبتمبر الجاري، أصدرت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية (الحاكم سابقاً)، قبل يومين، بلاغاً عدّه كثيرون "محاولةً لإلباس الفاجعة جلباب المعصية والإثم والعذاب"، بينما رأى فيه آخرون "تعبيراً من الحزب عن استمراره في التشبث بالخلفية الإسلامية التي تؤطر اشتغاله منذ تأسيسه".

خلّف بلاغ الحزب ردود أفعال قويةً لدى أعضائه وقيادييه، ودفع إلى استقالة أحد وزرائه السابقين من الحزب، كما خلف جدلاولدى المتتبعين للشأن السياسي الوطني، إذ نشب الخلاف أساساً حول مضمون الفقرة الأخيرة من بلاغ الأمانة العامة. فقد رجَّحت الفقرة أن تكون فاجعة الحوز "بسبب الذنوب والمعاصي والمخالفات، بمعناها العام والسياسي، وتلك الموجودة في الحياة السياسية والانتخابات والتدبير".

"تبرير للفشل في الانتخابات"

في قراءته للموضوع، يقول رشيد لزرق، الأستاذ الجامعي في جامعة ابن طفيل في القنيطرة، في حديثه إلى رصيف22، "إن محاولة الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية في بلاغها العودة إلى الواجهة بأي شيء، هو ما يوضح الحالة النفسية التي يعيش على إيقاعها الحزب، حيث يحاول تبرير فشله الانتخابي في كل مرة"، موضحاً أن "ربط الزلازل والكوارث الطبيعية بالأفعال لم ينزل الله به من سلطان".

يضيف لزرق أن "تبنّي الحزب للخرافة كجزء من عقله الجمعي يعبّر أساساً عن الصعوبات التي يواجهها بعد خروجه من الحكومة بعد انتخابات 2021، وكذا غياب منهج راجح، فضلاً عن محاولة الخلط بين الخرافة والسياسة عبر استغلال الدين"، مسجلاً "إصرار الحزب على العودة من خلال أمينه العام (عبد الإله بنكيران)، الذي فشل في إفراز جيل جديد قادر على تخليص عقولهم من التناقضات والتعارض وبإمكانه العمل داخل الحداثة ومعطياتها لتوظيفها في خدمة أجندتهم السياسية".

إن محاولة الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية في بلاغها العودة إلى الواجهة بأي شيء، هو ما يوضح الحالة النفسية التي يعيش على إيقاعها الحزب

ويرى المتحدث ذاته أن "الحزب يلزمه، انطلاقاً من موقعه في المعارضة، أن يطرح بدائل سياسيةً واجتماعيةً واضحةً وقادرةً على معالجة مشكلات الجماهير الشعبية عوض توظيف الدين في قضية العدل الاجتماعي والخيار الديمقراطي وتحريك الخريطة الاجتماعية وتوازناتها".

وحول استقالة الوزير السابق للتجهيز والمنتمي إلى الحزب، عبد القادر أعمارة، يوضح الأستاذ الجامعي أن "العضو المعني بالاستقالة هو نموذج للنخبة البراغماتية التي تحاول التنبيه والإشارة إلى كونها ضد الاتجاه الخرافي الذي يقوده بنكيران والذي يحاول اللعب على اللا شيء من أجل العودة إلى الساحة". 

"خرجة سياسية غير موفقة"

من جهته، يقول محمد شقير، الكاتب والمحلل السياسي، إن "بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أتى لتحديد موقف الحزب في المعارضة من الملابسات التي أحاطت بزلزال الحوز، حيث ظهرت بصمة الأمين العام عبد الإله بنكيران في مضامين البلاغ، من خلال خلفيته الدينية التي ركّز فيها على بعد العبرة الدينية والوعظ الإرشادي، ولم يراعِ مشاعر المغاربة بشكل عام. كانت خرجةً سياسيةً غير موفقة".

ويوضح شقير في حديثه إلى رصيف22، أن الحزب ومن خلال خرجته السياسية، "أعطى فرصةً لخصومه السياسيين لانتقاده والتعبير عن استيائهم من استغلاله السياسي لهذه الكارثة الإنسانية التي حظيت بتعاطف دولي وتضامن وطني غير مسبوق"، مسجلاً أن "البلاغ نفسه تضمّن انتقادات مبطنةً لوزارة الداخلية في تشددها في مسطرة الإشراف على تسلم التبرعات والمساعدات، مما حرم الحزب من إحدى آليات الاستقطاب التي كان يستغلها في تحركاته السياسية وحملاته الانتخابية".

أصدرت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية (الحاكم سابقاً)، قبل يومين، بلاغاً عدّه كثيرون "محاولةً لإلباس الفاجعة جلباب المعصية والإثم والعذاب"

وفق المتحدث ذاته، فإن "البلاغ لم يجرّ انتقادات الخصوم على الحزب فحسب، بل زاد من حدة الانقسامات بين أعضاء قيادته، إذ ظهر ذلك من خلال انتقادات أفتاتي واستنكار يتيم (قياديان) إلى جانب استقالة أعمارة بعد فترة من تجميد نشاطه داخل الحزب، ليلتحق بذلك بعزيز الرباح الذي يسعى إلى خلق تكتل سياسي موازٍ"، وسبق له أن تولّى مناصب حكوميةً.

يخلص الكاتب والمحلل السياسي إلى أن "البلاغ لم يعكس ضعف الحزب في مواجهة خصومه فقط، بل أظهر الجمود والعقم السياسي اللذين يعاني منهما في رئاسة بنكيران الذي في صدد تحويله إلى زاوية سياسية بدل تطويره إلى حزب برؤية جديدة وهيكلة متطورة تتفاعل مع متغيرات الساحة الوطنية والإقليمية والدولية".

"قناعة غير متفق عليها"

أحدث بلاغ الأمانة العامة ضجةً كبرى على مستوى محيط الحزب تحديداً، واتضح ذلك بعد أن استنكر عدد من أعضائه مضمون الفقرة الأخيرة من البلاغ، ولعل أبرزهم خالد الصمدي الذي أوضح أن "العلاقة بين الإنسان والخالق هي علاقة ثنائية لا تحتمل وسيطاً ومتدخلاً آخر"، في حين أن عبد القادر أعمارة المنتمي إلى الحزب قدّم استقالته، مرجعاً خطوته هذه إلى ما أسماها "الأوضاع التي آلت إليها تجربة العدالة والتنمية".

على المنوال نفسه سار القيادي في الحزب، عبد العزيز أفتاتي، الذي يقول في حديثه إلى رصيف22، إن "الفقرة التي وردت في بيان الأمانة العامة للحزب هي في الأساس لها علاقة بعرض قدّمه الأمين العام في اجتماع الأمانة العامة، حيث كان على هذه الأخيرة ألا تضمّن الفقرة المعلومة ضمن البيان ما لم تنسجم مع قناعات الحزب حتى لا يُفهم أنها متفقة مع ما يُعدّ خطأً عقائدياً وفكرياً".

أحدث بلاغ الأمانة العامة ضجةً كبرى على مستوى محيط الحزب تحديداً، واتضح ذلك بعد أن استنكر عدد من أعضائه مضمون الفقرة الأخيرة من البلاغ

ويضيف أفتاتي أن "القناعة التي تتعلق بالفقرة ضمن البلاغ تدخل في جملة ما هو شائع ورائج من أخطاء في الثقافة الإسلامية وفيها إساءة إلى المتضررين من الزلزال"، مشيراً إلى أنه "كان من المفترض على الأمانة العامة للحزب الاحتياط والتدقيق حتى لا تشوّش على الحزب وتُدخله في متاهة".   

ويردف المتحدث عينه: "بالمناسبة لا أحد يمكنه التوقيع على رب العالمين كما يقول ابن القيم، في حين أن الاعتبار من السرّاء والضرّاء ضروري في كل وقت وحين"، قبل أن يؤكد على أن "الأصل في مثل هذه المناسبات هو التعاون في كل الأحوال لمواجهة الأوضاع الطارئة في إطار الأخذ بالأسباب، فيما تبقى مسألة الأمور الغيبية والخوارق فوق طاقة استيعاب البشر".

توضيحات بعد الانتقادات

بعد أقل من 24 ساعةً من الإفراج عن البلاغ، وفي ظل الموجة العارمة من الانتقادات التي طالت مضمونه، خصوصاً الفقرة الأخيرة التي ربطت بين فاجعة زلزال الأطلس الكبير وما تمت تسميتها بـ"المعاصي والمخالفات بمعانها العام والسياسي، وخصوصاً تلك الموجودة في الحياة السياسية عامةً، والانتخابات والمسؤوليات والتدبير العمومي"، ظهر الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران أمس الثلاثاء، للمرة الأولى من أجل توضيح مضمون البلاغ.

إذا كنتم ترون أن هذا الكلام الذي أقوله لا تستطيعون أن تتحملوا تبعاته، فأنا لا يمكنني أن أتغيّر لأني أتنفس المرجعية الإسلامية

وقال بنكيران ضمن البث المباشر الذي بثته الصفحة الرسمية للحزب على موقع فيسبوك: "إننا كحزب سياسي وطني قمنا بإصدار بيان من أربع صفحات، أثنى عليه المنصفون، في حين أن من ساءت نيتهم لم يثيروا إلا النقطة الخلافية ضمن البيان، وقد تحدثنا سابقاً كأمانة عامة عما يمكن أن يَنتُج عن هذه النقطة والتي أشرنا فيها إلى إمكانية كون الزلزال الذي ضرب المغرب نتيجة معاصينا وذنوبنا كمواطنين". 

الأمين العام لحزب "المصباح"، أوضح أن "المقصود بالمعاصي والمخالفات الموجودة في الحياة السياسية التي ذكرناها ضمن البلاغ هو الجمع بين الثروة والسلطة، وكذا إباحة العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، هذا إلى جانب سرقة المال العام استناداً إلى المسؤوليات، بالإضافة إلى المروّجين للمخدرات"، مشيراً إلى أن الفقرة الأخيرة "لا تعني أعضاء الأمانة العامة، فهو الوحيد الذي يتحمل مسؤوليتها".

وأكمل بنكيران، الذي يحاول منذ عودته إلى الحزب إبداء طابع "ديني" عليه بعد تجربة ولايتين حكوميتين، خطابه إلى أعضاء الحزب قائلاً: "لم آتِ لكي أكون أميناً عاماً رُغماً عنكم، ولم أطلبكم، بل أنتم من طلبتموني، فبما أني ما زلت أمثلكم والكلام الذي أقوله تقبلونه فأنا معكم. أما إذا كنتم ترون أن هذا الكلام الذي أقوله لا تستطيعون أن تتحملوا تبعاته، فأنا لا يمكنني أن أتغيّر لأني أتنفس المرجعية الإسلامية، وأعتقد أننا كحزب جئنا لتذكير الناس في مثل هذه اللحظات".    

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

العدالة الاجتماعية ضرورةٌ ملحّة

بينما يحسب المتطرّفون أنّهم يحملون لواء العدالة، لكنّهم في الواقع، يتحدّون جوهرها، وهو أنّ لكلّ امرئٍ الحق في الشعور بأنّ رأيه وكيانه ووجوده أشياء مُقدَّرة، ولو اختلف مع الآخر.

في رصيف22، نسعى إلى نقل رؤيتنا، لنُظهر للعالم كيف بإمكان العدالة الاجتماعية والمساواة تحسين حياتهم، من دون تطرّفٍ، بل بعقلانيةٍ مُطلقة.

Website by WhiteBeard