شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
كيف يمكن لامرأة حاقدة على هويتها أن تدافع عنها؟

كيف يمكن لامرأة حاقدة على هويتها أن تدافع عنها؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الأربعاء 20 سبتمبر 202311:12 ص

التعريف البسيط للهوية هو أنها مجموعة الأشياء التي تميز شيء عن آخر أو شخص عن غيره أو جماعة عن غيرها، وبما أن لكل منا هويته الجماعية بالدرجة الأولى، وتليها هويته الشخصية، ستكون هويتي الجماعية هي امرأة فلسطينية أردنية مسلمة، وهويتي الفردية هي امرأة عربية حرة، رغم أنني لا أتفق مع الهوية الجماعية، إلا أن الآخر يلزمني بها ويتعامل معي من خلالها.

لكن بالرجوع لتعريفي عن نفسي، فقد اعتقدت في فترة ما أنني حسمت هذا الأمر، وأن ذلك التعريف يمثلني تماماً، لكنني لم أكن حينها قد غصت كثيراً في تجاربي الحياتية كامرأة أولاً، وها أنا اليوم أدفع ثمن هذا الهوية التي أنتمي إليها، وأدفع ثمن أنني امرأة، أعيش في الشرق الأوسط، وأخضع لأحكامه على النساء ولقوانينه الظالمة لنا، ولتعامله معنا كمواطنات درجة عاشرة، وأتحمّل ثقل أنني اخترت الحريّة، لا التبعية لأحد ولا الوصاية من أحد، وهذا ما كلفني كثيراً على كافة الصعد، لكن الثمن الأصعب الذي أدفعه اليوم، يعود بشكل كامل لهويتي الجماعية لا الفردية، كوني لاجئة فلسطينية، خلقت في الأردن لأب لاجئ وجدٍّ لاجئ، وحصلت على أوراق رسمية أردنية، فصرت أردنية إلى حد ما، لكن لست أردنية تماماً ولست فلسطينية تماماً، لكن علي تحمّل هاتين الهويتين الثقيلتين. اخترت الزواج من فلسطيني عائد (ما يُطلق على الفلسطينيين الذين عادوا إلى فلسطين بعد اتفاقية أوسلو)، وها أنا ذا أدفع أثماناً طائلة.

اليوم أدفع ثمن هذا الهوية التي أنتمي إليها، وأدفع ثمن أنني امرأة، أعيش في الشرق الأوسط، وأخضع لأحكامه على النساء ولقوانينه الظالمة لنا، ولتعامله معنا كمواطنات درجة عاشرة، وأتحمّل ثقل أنني اخترت الحريّة، لا التبعية لأحد ولا الوصاية من أحد

يمكنني أن أتفهّم بعض الأُثمان الغالية التي ندفعها كنساء نعيش في دول عربية، تحتكم لقانون يستمد بعض بنوده "الخاصة بنا" من الأعراف الاجتماعية ومن الدين، ويمكنني أيضاً أن أرضخ لواقع أني أحصل على أجر أقلّ مما يحصل عليه الرجل عند أداء العمل ذاته، ويمكنني أن أجد مهرباً من تدخّل المحيط الاجتماعي في خياراتي الخاصة، كطريقتي في الحياة ولباسي والأماكن التي أتردّد عليها، وفي أحيان كثيرة يمكنني أن أنتمي، بفلسفتي الخاصة، للدين الإسلامي الذي ولدت فيه، تجنباً لنبذ قاس من المجتمع الإسلامي، لكن ما لا يمكنني تفسيره أو تقبّله وبالتالي التعود عليه، هو الثمن الشخصيّ جداً الذي أدفعه بسبب هوية سياسية لا يمكنني تغييرها مهما فعلت.

حين فكرت في الكتابة عن هويتي الشخصية والجماعية وتأثيرهما على طبيعة حياتي اليوم كان علي أن أواجه نفسي بحقيقة أنني أدفع اليوم ثمناً دفعه كثيرون قبلي، حين قرّروا الارتباط بشخص فلسطيني/ة، وأنني كنت على علم بما ستكون الأمور عليه حين أعيش في بلد لا أحمل فيه أوراقاً رسمية، ويسموننا بالمحكية الفلسطينية "مخالفين"، لكن معرفتنا بالشيء لا تشبه ممارستنا له، الأمر يشبه أن تقوم بقيادة سيارة للمرة الأولى بعد أن قرأت كتاباً عن قيادة السيارات.

ها أنا اليوم أعيش حقيقة كوني مخالفة؛ لا يمكنني التحرّك بسهولة داخل فلسطين، ولا يمكنني الخروج منها لأنني لن أعود، وهذا يعني أنني سأظل أحلم برؤية عائلتي حتى يحين الوقت الذي أحصل فيه على هوية استجابة لخيار "سياسي"، ربما يحدث بعد سنة أو عشرين، أحد منا لا يعلم.

لو قرّرت مثلاً التخلّي عن هويتي الجماعية التي يعرّفني الآخر من خلالها، والتخلّي أيضاً عن هويتي الشخصية التي اخترت بعض تفاصيلها بكامل قناعتي، سأصير نكرة غير معرّفة، اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، وأنا غير قادرة على تخيّل هذه الفكرة أو الاقتراب منها، وبالمقابل لست مقتنعة بأن علي أن أظل واقفة في قوائم المخالفين إلى حين يقرّر أحدهم أن يسمح لي بأن أصبح موجودة رسمياً، وبالتالي أصبح معرّفة لا نكرة كما هو الحال اليوم، أي تناقض هذا الذي يجعلني أحمل هوية سياسية غير معترف بي ضمنها لكنني أدفع ثمنها، وأي تغيير فيها سيكلفني ثمناً لا أحتمله؟

أنا أردنية، لكن جنسيتي لم تسهّل علي الدخول والخروج من وإلى الأردن، وأنا لاجئة فلسطينية، تتعامل معي فلسطين كمخالفة وتتعامل معي إسرائيل كمجرمة، لكن أصعب ما في الأمر أنني اعتقدت لفترة طويلة أني حرة

كيف يمكن لشخص حاقد على هويته أن يدافع عنها، وكيف يمكن أن تدافع عن شيء تسبّب لك بالأذى وبشّع مصيرك وصعّب حياتك؟ تستحق الهوية الجماعية أو الفردية الدفاع والاحترام إذا عادت على صاحبها بالخير لا الأذى، وإذا منحته الاتساع في الخيارات لا الضيق في الواقع وفي الأفق، وإذا أكسبته احترام الآخر لا ازدرائه، وإذا مكّنته من الدفاع عنها لا الخجل منها، وإذا حققت له ميزات ولم تسلبه أبسط الأشياء، وإذا كان قادراً على توريثها لأبنائه دون الخوف من أن تعقّد حيواتهم، وهذا كله لا ينطبق على هويتي الجماعية، وبالتأكيد يتناقض مع هويتي الشخصية.

المصائب لا تأتي فرادى، أنا، الحمد لله، امرأة عربية أواجه مصيراً مشتركاً مع النساء العربيات، ولا يمكنني الدفاع عن هذه الهوية التي تكلفني يومياً الكثير من المتاعب، وأنا مسلمة لا يحترمني المسلمون بما فيه الكفاية، كما أنني لا أدافع عن هذه الهوية القاسية علي، وأنا أيضاً عربية، أنطق لغة لا يفهمها العالم الأول، المتطور والذكي و"الفرداني"، وبالتالي لن يهتم لأمري أحد، وأنا أردنية، لكن جنسيتي لم تسهّل علي الدخول والخروج من وإلى الأردن، وأنا لاجئة فلسطينية، تتعامل معي فلسطين كمخالفة وتتعامل معي إسرائيل كمجرمة، لكن أصعب ما في الأمر أنني اعتقدت لفترة طويلة أني حرة، لكن أي حرية هذه التي لم تتجاوز خيالي في تطبيقها، ولم تسمح لي بالتخلّص من قيد واحد من القيود التي فرضتها علي هويتي الجماعية وتكرّسها يومياً هويتي الشخصية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard