شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
أجرأ مشاهد الإثارة الجنسية في السينما المصرية... هل تعود من جديد؟

أجرأ مشاهد الإثارة الجنسية في السينما المصرية... هل تعود من جديد؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن وحرية التعبير نحن والتطرف

الثلاثاء 12 سبتمبر 202312:36 م

برزت المشاهد الساخنة على ساحة الشاشة المصرية مطلع الستينيات من القرن الماضي، فيما كانت القبلات قبل ذلك رمزاً للتعبير عن الحب، تحوّلت بعدها كمقدمة للمشاهد السينمائية الساخنة، التي أسماها الجمهور تالياً "سينما الجنس". ازدادت هذه المشاهد الجريئة بمرور الوقت، خاصة في الفترة من 1967 وحتى 1975، لتعيش عصرها الذهبي الذي لم (وربما لن) يتكرّر ثانية، إذ كان يظهر فيها الممثلون عراة تماماً، في ظل تراجع إنتاج مصر الفني بسبب حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، لجأ الممثلون إلى لبنان يبحثون فيها عن فرص للعمل، منفتحين على ثقافة الجنس في السينما، وصعدت وجوه فنية شابة عدة، كان من أبرزها ناهد الشريف، التي احترفت لعب الأدوار المثيرة خلال أعمالها السينمائية، فما هي المشاهد الساخنة في السينما المصرية، ولماذا اختفت هذه المشاهد الآن؟

قبلات تعبر عن الحب

بفضل نجاح ناهد الشريف في تقديم أدوار الإغراء، فُقد ما يزيد عن 60 فيلماً سينمائياً، خلال فترة السبعينيات فقط، ومُنِع من العرض 12 فيلماً لها، وقد تنوعت في أفلامها، التي وصفت بالأجرأ في تاريخ السينما المصرية، المشاهد الساخنة

بفضل نجاح ناهد الشريف في تقديم أدوار الإغراء، فُقد ما يزيد عن 60 فيلماً سينمائياً، خلال فترة السبعينيات فقط، ومُنِع من العرض 12 فيلماً لها، وقد تنوعت في أفلامها، التي وصفت بالأجرأ في تاريخ السينما المصرية، المشاهد الساخنة، نذكر منها مشاهد فيلم "ذئاب لا تأكل اللحم، 1973"، تأليف وإخراج سمير خوري، وشاركها في التمثيل عزت العلايلي، وتم تصنيفه للكبار فقط.

صورت المشاهد في الكويت، لم تظهر المشاهد الجريئة ضمن السياق الدرامي للفيلم وإنما عُرضت من منطلق إثارة المشاهد، خاصة قصة العمل الفني نفسه التي لا تقدم قضية حقيقة، حيث قدمت بطل الفيلم كمراسل حربي، يسوقه فساد الأنظمة السياسية إلى العمل في التهريب، ثم يقابل حبيبته السابقة خلال عملية تهريب وتتطور بعدها الأحداث.

مشهد ساخن تؤديه ناهد الشريف


كان للفنانة إلهام شاهين، نصيب الأسد من المشاهد الفنية الجريئة في السينما المصرية، إذ لعبت بإغراء وجاذبية شديدة، شخصية المرأة الشعبية الفقيرة الأكثر إثارة في فيلم "الهلفوت، 1985"، مع الفنان الأكثر شعبية في الوطن العربي، عادل إمام، قصة وحيد حامد، وإخراج سمير سيف. وكانت امرأة كاملة الإثارة في الفيلم الذي أخرجته إيناس الدغيدي، "دانتيلا 1993"، حيث عرض الفيلم جملة من المشاهد الساخنة خلال الأحداث، هذه المشاهد وغيرها أسقطت غضب التيار السلفي عليها، الذي فرد جناحيه في الشارع المصري خلال تلك العقود الماضية، الأمر لم يتوقف على الغضب وحسب، بل تم التشهير بها واتهامها بنشر الفاحشة والفجور والفسق في المجتمع، تطوّرت الحرب ضدها إلى تزوير صور إباحية لها ونشرها على أنها حقيقية.

مشاهد جريئة للفنانة إلهام شاهين

بسبب مشاهدها في فيلم "دانتيلا" وغيره أسقطت إلهام شاهين غضب التيار السلفي عليها، وتم التشهير بها واتهامها بنشر الفاحشة والفجور والفسق في المجتمع، وتطوّرت الحرب ضدها إلى تزوير صور إباحية لها ونشرها على أنها حقيقية

عقب عرض فيلم "أبو الدهب، 1991"، في دور العرض السينمائية، تلقى الراحلان، معالي زايد وممدوح موافي، تهمة بالتحريض على الفسق ونشر الرذيلة بسبب مشاهد غرامية جريئة جمعت بينهما خلال الأحداث، خاصة بعد أن عثر أحد مفتشي هيئة الرقابة الفنية، على ثلاث نسخ من الفيلم لم يتم تنقيح مشاهد الإثارة الجنسية منها، التي اعتبرت بعد ذلك "مشاهد مخلة بالآداب"، وهنا كانت البداية التي وضعت الفنانين خلف قفص الاتهام، وبعد أن اكتمل شكل الدعوى الموجهة ضدهما، تم الحكم عليهما بالحبس سنة غيابياً مع الشغل، إضافة إلى غرامة مالية.

وفي محكمة جنح مستأنف الأزبكية، استطاع محامي الدفاع أن يقدم الأسانيد القانونية لحماية الفنانين، خاصة أنهما مجرد مؤديين للأدوار وليسا مسؤولين عن النشر، أعقب ذلك حكم بالحبس ثلاثة أشهر للمنتج مع إيقاف التنفيذ وغرامة مالية، القضية لم تنته عند البراءة، بل تعرّضت الفنانة الراحلة معالي زايد لحالة نفسية سيئة، ودخلت في موجة اكتئاب شديدة، ومن هنا بدأ عصر ملاحقة الفنانات ورفع دعاوي قضائية ضد أي ممثلة ليست على هوى التيارات الإسلامية.

مشهد ساخن أدخل معالي زايد المحكمة


مع صعود الإسلام السياسي، وتصدير رجاله للساحات الإعلامية، ظهر بعض المحامين والشخصيات العامة الذين كرّسوا وقتهم للهجوم على الفنانين بشكل عام، والفنانات بشكل خاص، وكان أبرز هذه الأسماء المحامي الشهير نبيه الوحش، الذي أطلق عليه لقب زائف وهو "بعبع الفنانين"، حيث صنع من نفسه مناضلاً للفضيلة والأخلاق، يسطو على كل عمل فني ويسارع برفع دعوى قضائية مع كل فيلم جديد يظهر في السينما ضد بطلته. المخرجة إيناس الدغيدي، واحدة ممن طاردتها دعواته المتلاحقة، بحجة أنها غير مناسبة للذوق العام، ولم يسلم معظم الفنانين من تحريض المجتمع ضدهم، وطعن أخلاقهم في كل لقاء تليفزيوني ظهر فيه، حتى الإعلامي عمرو أديب لم يسلم منه، وقال عنه إنه "تربية رقاصة".

نبيه الوحش يهدد بنشر فضائح الفنانين

بذلت تيارات الإسلام السياسي كل جهدها لتوجيه التهم إلى المشاهد الجريئة في السينما المصرية بحجة أنها مشاهد مخلة بالآداب العامة، وبسبب كثافة الخطاب الديني السلفي المتشدّد حدث خلل حول مفاهيم الأخلاق في مصر، وانتشرت الأصوات المتشدّدة في البلاد كالوباء

بذلت تيارات الإسلام السياسي كل جهدها لتوجيه التهم إلى المشاهد الجريئة في السينما المصرية بحجة أنها مشاهد مخلة بالآداب العامة، وبسبب كثافة الخطاب الديني السلفي المتشدّد من الجماعات الإسلامية حدث خلل حول مفاهيم الأخلاق في مصر، وانتشرت الأصوات المتشدّدة في البلاد كالوباء، كصوت الشيخ كشك في شرائط الكاسيت، حارس الفضيلة المزيف، الذي لم يكف يوماً عن سب الفنانين والمطربين ويدعو عليهم في وهج النهار.

المتشددون احتلوا كل نوافذ الإعلام المسموعة والمرئية والورقية، لو فتحت صنبور المياه لتغسل وجهك من أفكارهم المسمومة، لوجدت أحدهم يسقط بين يديك يبث فتنه، ومن ذلك الوقت والأخلاق أصبحت مرتبطة بجسد المرأة، حجابها وطريقة لبسها، هذا الخلل صاحبه كثير من الأمراض داخل المجتمع، حتى أصبح مظهر القمامة في الشوارع أمر طبيعي ومقبول ولا يزعج أي مواطن، بينما مشهد حب أو قبلة يرعب حراس الفضيلة.

خطبة للشيخ كشك يسب فيها نجوم الفن المصريين


الخوف من عقاب المجتمع، ومن المطاردة الدينية للفنانين وملاحقتهم منعت الاقتراب أو التصوير أو التفكير في تقديم مشاهد ساخنة، ومن هنا صعدت الأعمال الفنية الكوميدية وبدأ يتم التصدير لمصطلح السينما النظيفة، إذ باتت أفيشات الأفلام تحمل عبارات مثل: "فيلم لا يخدش الحياء"، ويخلو بالطبع من القُبلات والأحضان والمايوهات، أفلام على المزاج السلفي السائد، وكان من رواد هذه المدرسة، محمد هنيدي وأشرف عبدالباقي وهاني رمزي وغيرهم.

وضع المجتمع بتأثير تجار الدين، محاذير وقيود على صنّاع السينما، فضيقوا الخناق على حرية الإبداع، وبات الاقتراب من الإغراء الجنسي يمثل خطراً على العمل الفني والفنان نفسه وحتى أسرته، وهذا ما حدث مع الفنانة منى زكي، في فيلمها "أصحاب ولا أعز، 2022"، حين ظهرت في مشهد وهي تخلع قطعة من ملابسها الداخلية، بدون خدش للحياء أو إثارة، إلا أن الجمهور العربي، لاسيما المصري، اعتبره مشهداً مثيراً وجريئاً وغير مقبول، بل صب الجمهور غضبه على الفيلم والممثلة، وتطاول البعض على زوجها وأسرتها وطالبوها بالاعتذار لهم.

المشهد الذي أغضب المصريين من منى زكي

الأمر لم يتوقف عند رفض المشاهد الساخنة فقط، بل وصل إلى حد حذف مشاهد قبل التصوير لمجرد وجود عبارات بالسيناريو تحتوي على إيحاءات جنسية، وبعض الممثلين يزايدون على أخلاق زملائهم من أجل كسب تعاطف وتكاتف أصحاب المزاج السلفي

الأمر لم يتوقف عند رفض المشاهد الساخنة فقط، بل وصل إلى حد حذف مشاهد قبل التصوير لمجرد وجود عبارات بالسيناريو تحتوي على إيحاءات جنسية، وإن كان الممثل لا يحق له الاعتراض على تصوير مشاهد من عمل فني تقع ضمن السياق الدرامي، حتى لو كانت مشاهد ساخنة، فإن بعض الممثلين يزايدون على أخلاق زملائهم من أجل كسب تعاطف وتكاتف أصحاب المزاج السلفي، من بينهم يوسف الشريف، حسبما ذكر في لقاء تليفزيوني له، فهو يرفض المشاركة في الأعمال الفنية التي تحتوي على مشاهد جريئة، تنفيذاً لطلب أبيه، إذ نصحه بالابتعاد عن مثل هذه الأعمال، خاصة بعد مشاركته في فيلم "هي فوضى، 2007"، الذي يحتوي على مشاهد ساخنة، خاصة مشهد الراقصة صفوة، وبسببه ندمت على المشاركة وأداء هذا المشهد، بعد تأنيب الجمهور المستمر لها، تحول المشهد إلى وصمة عار تلاحقها، وكلما ظهرت في لقاء تليفزيوني ذكروها بـ"عارها الماضي"، الأمر الذي دفعها يوماً ما إلى التفكير في إنهاء حياتها للتخلص من هذا العار. 

أبرز مشهد جريء في فيلم "هي فوضى"


يحاول صنّاع السينما إرضاء المشاهد المتديّن، بعد أن بات المجتمع المصري يهرول إلى الانغلاق، مندفعاً بضغوط دينية فرضتها الجماعات الإسلامية المتشدّدة على مر عقود متتالية مضت، وتأثر برجال "عصر الصحوة" الذين قدموا من السعودية، لذلك اختفت المشاهد الساخنة، وأصبح الاكتفاء بالمغازلة هو البديل الآمن للتعبير عن الحب، لكن متى تعود الجرأة إلى الأفلام السينمائية المصرية من جديد؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

جميعنا عانينا. عانينا كثيراً، ولا نزال نعاني، من انتشار الجماعات المتطرفة والأفكار المتطرفة، ولذلك نحرص في رصيف22 على التصدي لها وتفكيك خطاباتها، ولكن نحرص أيضاً، وبشدّة، على عدم الانجرار إلى "شرعنة" ممارسات الأنظمة التسلطية، لأن الاستبداد أحد أسباب ظاهرة التطرّف، ولا يمكن التصدي لها بمزيد من الاستبداد. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard