شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
لا حرب في اليمن ولا سلام... لماذا جهود التسوية

لا حرب في اليمن ولا سلام... لماذا جهود التسوية "مكانك راوح"؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

السبت 9 سبتمبر 202309:39 ص
Read in English:

​​No war, and no peace: The ever-elusive quest for peace in Yemen

لا حرب ولا سلام! هذا هو الوصف المنطبق على الوضع القائم في اليمن الآن. المجتمع اليمني برمّته عالقٌ بين الحالتين، والهدنة التي يصفها كثيرون بالهشة، لا تحقن الدماء، وهوّة الخلاف بين الأطراف المتحاربة منذ أكثر من ثماني سنوات تتسع بنحو أكبر.

جبهات هذه الحرب متعددة؛ بين أهلية تخوضها جماعة أنصار الله، أي الحوثيين من جهة، والأطراف الموالية للحكومة الشرعية من جهة أخرى، ممثلةً في السلطات العسكرية في المحافظات المحررة، وإقليمية، طرفها الأول السعودية والإمارات، بقيادتهما تحالفاً عربياً يساند الحكومة الشرعية، والثاني إيران المساندة للحوثيين.

لكبح جماح الحرب بين الطرفين اليمنيين، رعت الأمم المتحدة في نيسان/ أبريل 2022، عبر مبعوثها هانس غروندبرغ، اتفاقية هدنة بين الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله الحوثيين، شملت وقف الأعمال القتالية بين الطرفين.

لا حرب ولا سلام! هذا هو الوصف المنطبق على الوضع القائم في اليمن الآن. المجتمع اليمني برمته عالقٌ بين الحالتين، والهدنة التي يصفها كثيرون بالهشة، لا تحقن الدماء، وهوة الخلاف بين الأطراف المتحاربة منذ أكثر من ثماني سنوات تتسع بنحو أكبر

نصّت الاتفاقية التي كانت مدتها شهرين، من الثاني من نيسان/ أبريل 2022، لغاية الثاني من حزيران/ يونيو 2022، مع قابلية للتمديد، على وقف العمليات العسكرية والسماح بتقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين.

تم تمديدها في 2 حزيران/ يونيو 2022، وانتهت في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، ثم استمرت عملياً من دون اتفاق على تمديدها، قبل أن تدخل السعودية بوساطة عمانية في عملية تفاوض لإحلال سلام دائم، إلا أن ذلك اصطدم بشروط الحوثيين، وأهمها صرف رواتب الموظفين في مناطق سيطرتهم.

هدنة شكلية

خلال ما يقرب من عام ونصف العام، هي مدة أطول وقف شامل لإطلاق النار في الحرب اليمنية التي تقترب من عامها التاسع، والتي تخللتها العديد من المسارات الدولية بحثاً عن تسوية سياسية، لم تتكلل أي محاولة لإحلال السلام بالنجاح بسبب تصعيد الحوثيين العسكري، وتحشيدهم المستمر لقواتهم في مناطق تحيط بمدينة تعز، وكذلك في كل من إب وصنعاء ومأرب.

في التاسع من نيسان/ أبريل 2023، وصل وللمرة الأولى منذ بدء الحرب، وفد سعودي عمانيٌ مشترك إلى صنعاء، للتفاوض مع جماعة الحوثي، وإنهاء الحرب في اليمن.

وبعد أربعة أيام من المشاورات، تم التوصل إلى خطة لإقرار هدنة متجددة لمدة ستة أشهر، تشمل إعادة فتح الطرق الرئيسية ورفع جميع القيود المفروضة على الرحلات الجوية والموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون، ومطار صنعاء بنحو كامل، ومباشرة أطراف الحرب محادثات سلام، ومناقشة نزع السلاح، وتشكيل حكومة ومجلس رئاسي جديد، وتوحيد البنك المركزي، خلال فترة انتقالية مدتها سنتان.

كما تم تبادل 900 أسير من عناصر الحوثيين والحكومة الشرعية، بوساطة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كبادرة لإظهار حسن النية.

غير أن المفاوضات تعثرت، وأخذ الحوثيون يهددون بالتصعيد العسكري لرفض تنفيذ شروطهم التي وصفها الطرف الآخر بالتعجيزية، ومنها صرف رواتب موظفي الدولة، ومن ضمنها رواتب جنود وضباط جيش الحوثيين، حسب كشوفات العام الجاري 2023، بينما تطرح الحكومة الشرعية كشوفات 2014. كما تشترط الجماعة أن تتولى هي عملية صرف الرواتب، إلى جانب اشتراط رفع القيود عن مختلف المطارات والموانئ الخاضعة لسيطرتها وأن تجبي إيراداتها لصالحها.

الوفد العماني قام بزيارة جديدة لصنعاء في شهر آب/ أغسطس 2023، وتوصل وفقاً لرئيس فريق الحوثيين المفاوض محمد عبد السلام، إلى اتفاق على الاستمرار في أجواء التهدئة، وإبقاء التواصل قائماً، وكذلك "التشاور مع قيادة الحوثيين، وتقييم المرحلة واستئناف العملية التفاوضية وفي مقدمتها معالجة الملفات الإنسانية".

زيارة الوفد العُماني إلى صنعاء لم تحقق الكثير وفقاً لمراقبين سياسيين، غير الحديث عن مقترحات قدَّمها الوسطاء، تصفها جماعة الحوثي بأنها لا تحمل أي جديد، وسبق أن نوقشت.

وهذه المقترحات، تربط بنود الملف الإنساني بالموافقة على تمديد الهدنة ستة أشهر جديدة قابلة للتمديد، مع ضمان قيام الأمم المتحدة بعقد حوار بين اليمنيين، بشأن خلافاتهم في ملفات الرواتب والأسرى والطرقات وتوسيع وجهات مطار صنعاء، وبقاء التسهيلات المقدَّمة لميناء الحديدة.

يقول عضو مجلس الشورى التابع للحوثيين في صنعاء، نائف حيدان، لرصيف22، إن "السعودية وصلت إلى طريق مسدود وإلى قناعة تامة بعد تجربة كل وسائلها في الحرب، بأنها لن تحقق غايتها بالقوة العسكرية، وأن مصلحتها الحقيقية هي في مد يدها لليمن وبناء الثقة لحسن الجوار والتعايش السلمي".

وبشأن المفاوضات، ذكر أنها تسير لحلحلة مختلف القضايا وإن سيطر عليها البطء، "ففي النهاية العمليات العسكرية انتهت وما تبقّى محاولات لليّ الذراع بالضغط الاقتصادي، برغم القناعة التامة بضرورة إنهاء الصراع والجنوح إلى سلام دائم".

واتهم الطرف الآخر (الشرعية والسعودية)، بتعقيد ملف الرواتب، واستخدامه ورقةً "لتحريك الشارع ضد حكومة الإنقاذ، الخاصة بالحوثيين، وما زال يلعب بهذه الورقة والتعبئة مستمرة حتى اليوم"، على حد تعبيره.

غياب الرؤية

لا يجد المحلل السياسي د. فارس البيل، أن هنالك هدنةً حقيقيةً في اليمن، ويرى أن الحرب قائمة، مع استمرار سقوط ضحايا من اليمنيين، لأن جماعة الحوثي "تواصل الاعتداءات العسكرية، ولم تتوقف عن التحشيد العسكري" وفقاً لتعبيره.

ويقول لرصيف22: "منذ إعلان الهدنة، لم تُفتح الطرق أو محال التجارة، ولم تُرفع القيود المفروضة على الناس، ولم تُصرف الرواتب".

الحرب اليمنية، صراع بأبعاد إقليمية ضمن إطار الرغبة الإيرانية في السيطرة والاستحواذ على المنطقة، ورغبة كثير من الأطراف الدولية في بقاء المنطقة في أتون النزاعات، وهذا يربك المجتمع الدولي، ويعيقه عن اتخاذ خطوة حقيقية نحو السلام

ويعتقد د. فارس، أن سبب تقويض جهود التسوية، هو سوء فهم المجتمع الدولي للصراع القائم في اليمن، إذ "يتعامل معه على أنه صراع الأطراف على السلطة، ويرى أن الحل يكمن في تقاسم السلطة وهذا اعتقاد مغلوط".

ويوضح: "الحرب اليمنية، صراع بأبعاد إقليمية ضمن إطار الرغبة الإيرانية في السيطرة والاستحواذ على المنطقة، ورغبة كثير من الأطراف الدولية في بقاء المنطقة في أتون النزاعات، وهذا يربك المجتمع الدولي، ويعيقه عن اتخاذ خطوة حقيقية نحو السلام".

وبشأن رؤيته حيال التفاوض السعودي الحوثي، يقول إنه فشل، لأن الرياض أرادت التقدم خطوةً في ذلك المسار نتيجة التفاهم مع إيران، لكنها اصطدمت بطلبات الحوثيين التي وصفها بالمستحيلة.

وتنفي تقارير يمنية حدوث اتفاق سعودي حوثي، وتصف ما جرى بين الطرفين بأنه مجرد مشاورات طرحت فيها السعودية رغبتها في أن تذهب الأطراف إلى الاتفاق، وأن تحتضن هي بنفسها تسوية الأزمة بمشاركة أممية، وتفيد بأن جماعة الحوثي، رفضت الفكرة من حيث المبدأ، وطالبت بمبالغ كبيرة من السعودية، بداعي إعمار ما دمرته الحرب، بالإضافة إلى اشتراطات وُصفت بالتعجيزية، أبرزها ملف الرواتب، وتثبت عدم الرغبة في التفاوض مع الشرعية، وسط ترحيب بالتفاوض مع السعودية.

ويتساءل فارس: "علامَ يتفاوض الحوثيون مع السعودية؟ إيقاف الصواريخ، وعدم الاعتداء؟ حسناً، ومشكلة الشرعية اليمنية أين تذهب؟".

معادلة معقدة

الكاتب السياسي عبد الباري طاهر، يستبعد إيجاد حل في اليمن في المدى القريب، بسبب "ضعف الإدارة الوطنية، وانقسام المجتمع اليمني، وتحويل البلاد إلى كانتونات متباعدة ومتصارعة، والأخطر هو ارتهان الأهلي للإقليمي، وارتهان الإقليمي للدولي".

لكن في المجمل، وفقاً لرؤية طاهر، فإن اليمن واقع في المنطقة التي ما بين الحرب والسلام، ويعزو ذلك إلى فشل الحرب في تحقيق مكاسب لأي من الأطراف مع عدم القدرة على الاستمرار فيها، وفي الوقت ذاته عدم التوافق على حل سياسي.

وينجم عن ذلك، وفق ما يقول، "غياب الدولة والأمن والسلام والاستقرار، واستمرار الحصار الداخلي والخارجي، وعدم صرف الرواتب، وعدم معالجة القضايا المعيشية لثلاثين مليون يمني، وحرمانهم من التعليم والطبابة، والحقوق الأمنية المعلقة بسبب استمرار تهديد عودة الحرب".

وفي ما يتعلق بالحلول، وإعادة الدولة، وهندسة المشهد اليمني، يقول طاهر: "لا بد أولاً من صنع سلام يعمّ الأرض اليمنية كلها بإرادة كل أبنائها، وهذا يتطلب إرادةً وطنيةً شاملةً، وإسقاطاً لحاجز الخوف في النفوس".

من جهته، يصف رئيس مركز صنعاء للدراسات، ماجد المذحجي، الوضع في اليمن بالمعقّد، ويقول لرصيف22، إن معادلة التفاوض بين الحوثيين والسعودية، مختلّة بالأساس؛ لأن هناك تمهلاً حوثياً مقابل اندفاع السعودية، "فالجماعة تعتقد بأنها منتصرة وتستطيع فرض شروطها".

ويذكر المذحجي، أن جماعة الحوثي في هذا السياق تدير ملف التفاوض الذي كان مجمداً، وتمضي قدماً لتعزيز سيطرتها على الأرض وتحقيق المكاسب، مع "تلهف سعودي لاسترضائها، وهذه الصيغة في الأخير تفسد المسائل الأخرى، وتعقّد الوضع كثيراً".

أما عن محاولة السعودية التفاهم مع جماعة الحوثي، فيرى أنها تتعلق بحسابات داخلية خاصة بها، ولا تتعلق باليمنيين.

ويوضح: "المملكة تفتش عن مخرج لها من أزمة الحرب اليمنية، على الرغم من أنها تقدم نفسها كوسيط، وليس كطرف مشارك في الحرب، وهذا ما جعلها تهمّش الحكومة وأطرافاً موالية للشرعية في هذا الحوار، مع دخولها في صراع مع الإمارات للهيمنة على المنطقة".

صفقة ضيّقة

البعض يرى أن هنالك عجزاً عن فهم طبيعة تصورات الحوثيين، خصوصاً مع استمرار رفضهم لفكرة التسوية، "لأنهم يشعرون بأن الحرب هي البيئة الطبيعية لوجودهم، فيما السلام يلغي الحاجة إلى بقائهم"، حسب ما يقول د. فارس البيل.

ويضيف أن التسوية تحصل بين أطراف متنازعة، مستعدة لتقديم تنازلات، "لكن الأمر مختلف مع جماعة الحوثي، التي لا تمتلك رؤيةً أو قراراً يمكن من خلالهما تحديد طبيعة وجودها في المستقبل السياسي، فهي جماعة خُلقت للحرب فقط، ولم تؤهَّل سياسياً أو أن النظام الإيراني لا يريد لها أن تكون مجرد شريك في المستقبل السياسي وأن تستمر في تعطيل الدولة، وفرض سلطتها عليها دون دفع ضريبة هذه السلطة".

الباحث السياسي وعضو دائرة الإعلام والثقافة في رئاسة الجمهورية، د. ثابت الأحمدي، يعلّق لرصيف22، في شأن مفاوضات السعودية والحوثيين، قائلاً: "في الواقع سواء كانت الصفقة ضيقةً، كما يصفها البعض، أم واسعةً سعة صحراء الربع الخالي، فإن حقائق التاريخ والجغرافيا والسياسة، تُقرر أنه ما من ميليشيا عصبوية حربية قد توصّل الناس معها، بالحوار أو التفاوض، إلى حل. هكذا خُلقت الميليشيا، وهكذا تكونت، وهكذا ستبقى، ومن الصعب في مكان حرفها عن طبيعتها".

ويتهم جماعة الحوثي بأنها "عصابة إرهابية، مثلها مثل القاعدة وداعش، وبوكو حرام"، بل يعدّها أخطر منها جميعاً، لأن الجماعات المذكورة "تنتهج نهجاً حربياً واحداً فقط، ولا تتعاطى مع الآخرين بالحوار والتفاوض، وخطرها واضح للجميع، في الوقت الذي ينتهج الحوثيون فيه خطين متناقضين معاً، إذ يمارسون الإرهاب على أرض الواقع، ويفاوضون السياسيين ويحاورونهم في الوقت نفسه".

ويلخّص الأحمدي مستقبل اليمن: "الحرب لن تنتهي؛ لأن الحوثيين يعتاشون عليها، بل هي مبرر وجود الجماعة في الأساس، وتفضحها الهدنات ومراحل السلام أمام الشعب، ومن جهة أخرى، قرار الحرب أو السلام ليس بيد الحوثيين؛ بل بيد طهران، فالحوثيون جيب وظيفي من جيوب إيران المزروعة في الجسد العربي".

ويعدّد العراقيل التي تقوّض جهود التسوية في اليمن، بدءاً من عدم التزام الحوثيين بالهدنة، واستمرار القصف العشوائي، وتهديد الملاحة البحرية، وضرب الموانئ التجارية، وليس انتهاءً بضرب آبار النفط بالمسيّرات والصواريخ، "ويطلب في الوقت نفسه الرواتب. هي معادلة لا تتعادل، ومنطق لا يتمنطق"، يختم الأحمدي ساخراً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard