شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
أين يقف العالم الإسلامي السنّي من الصراع الإيراني-السعودي؟

أين يقف العالم الإسلامي السنّي من الصراع الإيراني-السعودي؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

على إيقاع توصّل السعودية وإيران إلى اتفاق برعاية صينية، في العاشر من آذار/ مارس 2023، يعتبر متفائلون أن الحديث عن صراع بين البلدين، بمعنى الصراع المفتوح، صار من الماضي، بينما يقدّر آخرون أن الحالة الصراعية على النفوذ بين الرياض وطهران ستظل قائمة على الأرجح، وسيبقى فاعلاً تراث من تحريك الحساسيات المذهبية بين السنّة والشيعة، عملت الدولتان على تنميته للاستثمار فيه طيلة عقود.

على الأرجح لن يمرّ الاتفاق من دون مفاعيل، كوقف الحملات الإعلامية التي "تضرب تحت الحزام الطائفي"، أو التخفيف منها، وكحل النزاع اليمني أو زيادة التعاون في إطار منظمة إسلامية ما، أو انتخاب رئيس جمهورية في لبنان...

لكن كل هذا يمكن أن يتعلق بهدنة "مؤقتة وظرفية"، كما يقدّر البعض، مما يعني أن العودة إلى الحالة الصراعية تبقى احتمالاً قائماً، خاصةً في حال عودة السعودية والولايات المتحدة إلى "شهر عسل" يرضي المملكة ويستجيب لهواجسها الأمنية، فتعيد النظر بعلاقاتها مع الصين وبالتالي مع المحور الذي تنضوي فيه إيران.

على أية حال، حتى لو اتسم الاتفاق والتطبيع بطابع دائم، فإنه لا يمكن لكل من السعودية وإيران تجاهُل الآثار المترتبة على الصراع الطويل بينهما ولا تلك الناجمة عن الصراع السنّي-الشيعي التاريخي. لذا من المجدي للاتفاق نفسه العودة إلى هذا الصراع بأبعاده ونتائجه كافة، كممر لا بد منه لاستخلاص الدروس والعبر وصولاً إلى إحلال السلام الدائم.

وإذا كانت سخونة الصراع السنّي-الشيعي والسعودي-الإيراني في منطقتيْ الخليج والمشرق معروفة للجميع، فإن كثيرين وكثيرات يفوتهم ماذا يجري في بقية أنحاء العالم الإسلامي، من إفريقيا إلى آسيا؟

أسئلة كثيرة تُطرح. ما مدى انخراط أبناء العالم السنّي في المواجهة مع الشيعة؟ وكيف ينخرط مَن ينخرطون؟ هل من تمييز بين البعد المذهي والبعد السياسي أو الجيوسياسي؟ وكيف تتصرّف الأنظمة التي يغلب على مجتمعات دولها الطابع السنّي، وتعتمل فيها حالة عداء مذهبي للشيعة، بينما هي تنسج علاقات جيدة مع إيران؟

الإجابة على هذه الأسئلة ليست سهلة، فمعاينة المشهد السياسي في العالم الإسلامي تشير إلى وجود واقعيْن متباينين يسيران بشكل متوازٍ.

صراع محموم على النفوذ

الواقع الأول يظهر إرادة كل من إيران والسعودية بناء نفوذ لهما في كل أنحاء العالم الإسلامي.

فالسعودية تستخدم سلطتها المالية والاقتصادية للتأثير على دول ضعيفة، وإلزامها بالانحياز إلى سياساتها ضد إيران، كما حصل مع الصومال والبحرين مثلاً، وأحياناً تُعاقب "المتقاعسين" عن ذلك، كما حصل مع لبنان.

وتمكنت المملكة من نقل الصراع مع إيران إلى داخل منظمة التعاون الإسلامي. لا يمكن القول إنها نجحت في عزل إيران، لكنها عززت الانقسامات ذات البعد الطائفي بين الشيعة والسنّة داخل تلك المنظمة.

كذلك، أظهرت التجربة أن "رابطة العالم الإسلامي"، والمفترض أن تكون أداة جامعة للعالم المسلم، تحوّلت إلى منصة للدفاع عن السياسة السعودية. فهي تدين في بياناتها السياسات الإيرانية في الشرق الأوسط وتدعم التدخل السعودي في اليمن، وأصبحت "أداة سعودية"، كما أنها لا تتررد في انتقاد الأفكار الشيعية.

وفي السياق نفسه، تُعتبر الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، أداة دينية سنّية نافذة تستخدمها الرياض.

لكن الدبلوماسية الدينية السعودية أدت إلى نتائج غير ملائمة للقيادة السعودية نفسها، من خلال ظهور تنظيمات متشددة من تنظيم القاعدة إلى داعش.

في المقابل، تحاول إيران بدورها بناء نفوذ لها في العالم الإسلامي بواسطة الدبلوماسية الدينية. جامعة المصطفى العالمية، بما تمثله من أداة دبلوماسية ثقافية، تهدف في المحصلة إلى نشر التشيّع.

لكن طهران تصطدم بدينامية سنّية، إما غير متناغمة مع طروحاتها حول الوحدة الإسلامية مثلاً، وإما معادية لها وتضع استهدافها واستهداف الشيعة ضمة قائمة أهدافها. ولذلك، لم يبقَ لها عامةً إلا تنظيمات وشبكات شيعية، تستند إليها هنا وهناك، وسط بيئات محلية معادية إجمالاً.

في إفريقيا مثلاً، وبعد الثورة الإسلامية في إيران، كانت إحدى أولويات السعودية تتمثل في التصدي للدبلوماسية الدينية الشيعية الإيرانية هناك، عبر عملية تأهيل للأئمة المسلمين في مدارس دينية سعودية، تتيح نشر الإسلام الوهابي والترويج لمصالح السعودية. ونتيجة لذلك، يتولى رجال دين تخرجوا من جامعات سعودية، "أعلى المناصب الدينية في إفريقيا، ولديهم بعض النفوذ على السلطة السياسية في دولهم". هذا التنافس بين طهران والرياض في إفريقيا يؤدي إلى تعزيز التطرف السنّي من جهة، والشيعي من جهة ثانية.

الإخوان المسلمون... استثناء غير هامشي

في الوقت نفسه، هنالك واقع ثانٍ يُظهر وجود حالات عدة من شأنها التقليل من مدى تأثير المستوى الصراعي المذهبي بين السنّة والشيعة، أساسه طريقة تفاعل بعض الوحدات السياسية السنّية، من دول أو لاعبين غير حكوميين، مع الصراع السعودي-الإيراني.

مثلاً، شكّلت الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979، محط إعجاب مفكرين إسلاميين سنّة، ومن بين مَن تأثروا بها زعيم الإخوان في تونس راشد الغنوشي. ولاحقاً، وفي سياق ما بعد حرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، عام 1991، صارت الخصومة مع السعودية قاسماً مشتركاً بين إيران والإخوان.

بدأ ذلك مع تدهور العلاقات بين الجماعة والمملكة منذ تلك الحرب التي كانت تقودها الولايات المتحدة الأمريكية. كان موقف الإخوان ملتبساً، فقاعدتهم الشعبية كانت متعاطفة مع صدام حسين رغم أن دول الخليج هي التي كانت ترعى الجماعة التي تعرضت للقمع في دول عربية عدة، لا سيما في مصر.

والحال أن الإخوان أدانوا ضم الكويت للعراق، لكنهم اعترضوا على التدخل الأمريكي في الأزمة. موقفهم هذا ولّد نقمة سعودية عليهم، ما أدى إلى صراع مفتوح بين الطرفين، ومعاقبة الرياض للجماعة وحرمانها من المساعدات المالية وإقصاء كل مَن ينتمي إليها من المؤسسات التعليمية في السعودية واستبدالهم بسلفيين.

لكن هذا "الطلاق" لم يؤدِّ إلى ارتماء الإخوان في حضن إيران. ظلت الجماعة تدير علاقاتها مع إيران بشكل "ودي"، إنما بحذر، لأنها رأت أن مصلحتها تكمن في التوازن في علاقاتها مع إيران من جهة، ومع قوى إقليمية غير حليفة لإيران أو في تنافس معها من جهة ثانية.

لاحقاً، مع مساهمة سياسات إيران وتدخلاتها في الشرق الأوسط في تعزيز موجة عداء الرأي العام السنّي العربي ضدها، ومع دعم طهران لنظام بشار الأسد، ما وضعها تلقائياً في حالة عداء وحرب مع "إخوان" سوريا، تغيّرت حسابات الحركة السنّية الأكبر، فارتأت عدم الذهاب بعيداً في التقارب مع الإيرانيين، بهدف تجنّب أي نقمة حادة ضدها في الشارع العربي السنّي. مع ذلك، يبقى أن الإخوان ليسوا في صراع جبهوي مع نظام الملالي الإيراني.

الأمر نفسه تقريباً ينطبق على علاقة إيران بحركتيْ حماس والجهاد الإسلامي. وإذا كانت العلاقة مع الحركة الأولى تشبه التحالف فإن الثانية، أي الجهاد، يُنْظَر إليها بوصفها أداةً من أدوات طهران الرئيسية في المنطقة لمواجهة إسرائيل، من جهة، ولتسللها إلى المجتمعات السنّية من جهة ثانية.

مع التقارب من هاتين الحركتين، وفّرت القضية الفلسطينية فرصة لطهران للقفز فوق منطق الانقسام السنّي-الشيعي، والحصول على حلفاء إسلاميين سنّة، عبر دعمهم مالياً وعسكرياً. أكثر من ذلك، ثبت أنها تحافظ على علاقاتها بهم مهما كبرت الخلافات والتباينات، كما جرى مع حركة حماس على خلفية الحرب السورية مثلاً.

في فترة الجفاء بين حماس وإيران، بسبب تأييد طهران لنظام الأسد، اتجهت الدولة الفارسية إلى توطيد علاقاتها بـ"حركة الصابرين نصراً لفلسطين" المنشقة عن "الجهاد" منذ عام 2014، والتي اتهمتها حماس سابقاً بنشر العقيدة الشيعية. يتعلق الأمر بتجربة محدودة بالطبع، لكنها توضح أن تعاون إيران مع قوى فلسطينية إسلامية على أساس اعتبارات سياسية تتعلق بالقضية الفلسطينية ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لا يمكنه أن يخفي المظاهر الكامنة لنزعة العداء المذهبي ضد الشيعة في الوسط الفلسطيني، كما الحال في دول ومجتمعات أخرى.

التجارة تعلو على المذهبية

تيار آخر يسير بعكس إيصال الصراع المذهبي إلى ذروته يتمثل في دول منفتحة رسمياً على التعاون الاقتصادي والتجاري مع إيران، حتى لو كانت مجتمعاتها المحلية مأخوذة نسبياً، ولو بدرجات متفاوتة، بمنطق التصادم مع الشيعة.

يبدأ هذا التيار بدول مثل باكستان وأفغانسان، ويمرّ بالهند وماليزيا وإندونيسيا، وصولاً إلى دول في غرب إفريقيا.

لباكستان علاقات وطيدة مع السعودية، لكن هذا لم يحل دون تعاملها مع إيران بوصفها "جارة مهمة". يبقى "بناء صداقة قوية" مع إيران هدفاً لإسلام أباد، كما ذكر يوماً رئيس الوزراء الراحل، برويز مشرف، في كتاب مذكراته "على خط النار" In the line of fire، الصادر عام 2006، عن دار نشر سايمون أند شوستر.

المنهج الدراسي لطلاب المدارس الثانوية العامة في ماليزيا يتضمن مواد تعليمية تعتبر أن الإسلام السنّي هو "الشكل الوحيد المقبول للإسلام"، بينما تصنف الإسلام الشيعي بأنه "منحرف"

تموضُع باكستان بين البلدين المتصارعين ينعكس في وجود مجالات تعاون مختلفة مع كل منهما. فمقابل معلومات جرى تداولها عن سعي السعودية عام 2014 إلى حيازة رؤوس نووية يمكن تحميلها على صواريخ تمتلكها أصلاً، من باكستان، ثمّة تعاون باكستاني-إيراني خفيّ في المجال العسكري، إذ حصلت إيران عبرها على قطع غيار لطائراتها التي اشترتها في زمن الشاه من الولايات المتحدة.

ويُحْكى عن حيازة إيران لمعدات وتكنولوجيات خاصة بتخصيب اليورانيوم عبر قنوات باكستانية (ووسطاء ماليزيين)، بحسب ما ورد في كتاب "الجغرافيا السياسية لإيران/ تحديات النهضة"، للباحث الفرنسي برنار أوركاد Bernard Hourcade، الصادر بالفرنسية عام 2016، عن دار نشر Armand Colin، في باريس.

كذلك، يعكس المشروع غير المنجز لتشييد أنبوب غاز من إيران مروراً بباكستان ووصولاً إلى الهند، على الرغم من تجميد باكستان لورشة بنائه على أراضيها، وجود نوايا بالتعاون.

لكن تبقى طبيعة العلاقات بين باكستان والسعودية متميزة أكثر. ويشير الباحث الهندي ديليب هيرو Dilip Hiro، في كتابه "حرب باردة في العالم الإسلامي/ السعودية وإيران والصراع على التفوّق"، الصادر بالإنكليزية عام 2019، عن منشورات أكسفورد الأكاديمية، إلى تحالف دبلوماسي معطوف على مساعدات سعودية اجتماعية وثقافية، تقدمها جهات رسمية إضافةً إلى أمراء سعوديين ومؤسسات دينية وهابية.

ويربط البعض بين انتشار المدارس الدينية الوهابية الممولة سعودياً في باكستان وتنامي قوة الحركات السنّية المعادية للهزارة الشيعة، إلى درجة اعتبار أن باكستان تمثل ميداناً لـ"حرب بالوكالة" بين الرياض وطهران منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، بحسب ما ورد في كتاب هيرو.

وبالفعل، اتّخذ الصراع السنّي-الشيعي طابعاً عنيفاً ودموياً في إقليم بلوشستان، ولا يزال. وهو قابل للتصعيد في أي وقت طالما أن التعامل مع الشيعة يخضع لمنطق التمييز، بحسب ما يشير التقرير الأمريكي حول الحرية الدينية في العالم، للعام 2022. ففي حالات كثيرة، يُستخدم قانون التجديف الباكستاني، والذي يفرض عقوبات على أي كلام وفعل مسيء للدين وللنبي ودور العبادة، في توجيه اتهامات زائفة ضد الأقليات، ومن ضمنها الشيعة والمسلمين الأحمديين.

أفغانستان بدورها هي أحد الميادين التي تشهد عداءً سنّياً-شيعياً على الرغم من أن حركة طالبان لديها تاريخ متقلب في العلاقة مع إيران والشيعة الأفغان. فمن الاحتراب مع "تحالف الشمال" الذي يضم الشيعة الأفغان والذي كانت إيران من داعميه، انتقلت العلاقة إلى مرحلة إدارة التعاون المربح للطرفين، أولاً في فترة الاحتلال الأمريكي والأطلسي، اعتباراً من عام 2001، وتالياً مع عودة طالبان إلى الحكم بعد الانسحاب الأمريكي عام 2021.

علاقة إيران مع حركة طالبان السنّية المتشددة يمكن اختصارها باللاتحالف واللاعداء: ثمة اختلاف طائفي وتناقض أيديولوجي، مقابل تعاون ظرفي وفوائد متبادلة. تدرك طهران أن طالبان تطمح لتعزيز علاقاتها مع السعودية، وأن إدانة الحركة لهجمات الحوثيين ضد المملكة تصب في هذا الاتجاه، وتدرك أيضاً أن الوضع الجديد في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي قد يفتح الباب أمام محاولات دول أخرى، أبرزها السعودية، لتعزيز نفوذها هناك. احتمال كهذا يزيد إصرار إيران على بذل كل ما بوسعها من أجل ترسيخ قناة نفوذ لها بواسطة الشيعة في أفغانستان (الهزارة)، وتحقيق ذلك يتطلب هدنة مع طالبان.

لكن كل أشكال التعاون لم تؤدِّ إلى التخلص من نزعات العداء للشيعة في أفغانستان، فطالبان لا تستطيع بشكل كامل لجم تيارات متشددة داخلها، كشبكة حقاني، تجاهر بعدائها للشيعة، وتبدو عاجزة عن منع استهداف الشيعة الأفغان من قبل متطرفين سنّة، أو من قبل "داعش - خراسان". على سبيل المثال، سجّل النصف الأول من العام 2021 وحده وقوع أكثر من 20 اعتداء استهدفت الشيعة الهزارة، كما تشير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان (يوناما)، في تقرير لها.

غير بعيد من أفغانستان، تحوّلت مجتمعات الهند الإسلامية، والتي يزيد عدد أفرادها عن 200 مليون مسلم، إلى ميدان مواجهة مذهبية بين السنّة والشيعة. وفي السنوات العشر الماضية، يمكن الحديث عن "يقظة" سعودية، فقد وضعت الرياض كامل ثقلها ووظفت إمكانات كبيرة لبناء قاعدة نفوذ دينية بين مسلمي الهند بهدف احتواء أي توسع لحالة التشيع فيها والحد بالتالي من تمدد النفوذ الإيراني.

أما في جنوب شرق آسيا، فإن تفاعل الدول الإسلامية مع الصراع السعودي-الإيراني يكاد يكون معدوماً، على عكس تأثر مجتمعاتها المحلية بنزعة العداء السنّي-الشيعي.

وثمة رغبة سعودية في الذهاب إلى أبعد من مجرد تعاون اقتصادي وتجاري وثيق مع دول هذه المنطقة، لا سيما ماليزيا وإندونيسيا. ولم يخف بعض المحللين تكهناتهم بأن هدف زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى هذين البلدين في ربيع العام 2017، والتي وُصِفت بالتاريخية، كان البحث عن بناء تحالف إسلامي مساند للسعودية ضد إيران.

لكن هذا الهدف لم يتحقق. وعلى العكس، تُعتبر إيران منافساً محتملاً للسعودية على مستوى العلاقات مع ماليزيا وإندونيسيا. ولدى كل من إيران وماليزيا رغبة في بناء علاقات مبنية على التعاون الاقتصادي والتجاري والمصرفي والصناعي والاستثماري. وسبب أي بطء أو تعثر لا يرتبط بتأثير السعودية، بل يكمن في العقوبات الأمريكية التي تؤثر على قدرة ماليزيا على تطوير هذا التعاون.

هذا المشهد المركّب يوضحه حدث مهم حصل في كانون الأول/ ديسمبر 2019، هو قمة كوالالمبور للدول الإسلامية. دعت ماليزيا إلى تلك القمة وشاركت فيها حوالي 20 دولة، من ضمنها إيران وقطر وتركيا، بينما قاطعتها السعودية. وتعكس الموضوعات والإشكاليات التي وضعت على جدول الأعمال بوضوح نية ماليزية لتجاوز الانقسامات في العالم الإسلامي، مع ما يعنيه ذلك من تجاوز للاصطفاف السعودي-الإيراني والشيعي-السنّي. وأتت تلك القمة لتعبّر عن فشل مساعٍ سعودية، مدعومة أمريكياً، من أجل تشكيل تحالف إسلامي شامل (ناتو الإسلامي) موجه ضد إيران.

يربط البعض بين انتشار المدارس الدينية الوهابية الممولة سعودياً في باكستان وتنامي قوة الحركات السنّية المعادية للهزارة الشيعة، إلى درجة اعتبار أن باكستان تمثل ميداناً لـ"حرب بالوكالة" بين الرياض وطهران منذ ثمانينيات القرن العشرين

في الواقع، لم يكن عدم الانحياز أو الاصطفاف قاعدة ثابتة في تفاعل ماليزيا مع الصراع السعودي-الإيراني. ففي السنوات الأخيرة، أتى قرار الحكومة الماليزية بالمشاركة في التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين في اليمن بمثابة تورط ماليزي في الصراع الشرق-أوسطي، لكن حين عاد مهاتير محمد إلى الحكم في العام 2018، عمد إلى إعادة التوازن إلى السياسة الخارجية الماليزية.

كذلك، ثمة عامل طائفي محلي يتمثل بوجود نزعة عداء سنّية لا يستهان بها ضد الأقلية الشيعية الماليزية، وهو واقع يؤكده التقرير الأمريكي حول الحرية الدينية في العالم للعام 2022، إذ يشير إلى أن المنهج الدراسي لطلاب المدارس الثانوية العامة يتضمن مواد تعليمية تعتبر أن الإسلام السنّي هو "الشكل الوحيد المقبول للإسلام"، بينما يصنف الإسلام الشيعي بأنه "منحرف".

على غرار ماليزيا، تنسج إندونيسيا، أكبر دولة مسلمة في العالم، علاقات جيدة مع إيران، على الرغم من أنها "متواضعة، بسبب غياب المصلحة الاقتصادية أو الاستراتيجية المشتركة والكبرى"، على حد تعبير الباحث أوركاد في كتابه المذكور سابقاً. تشتهر علاقات البلدين بالدعم المتبادل في المؤسسات الدولية. رغم ذلك، تتعرض الأقلية الشيعية في إندونيسيا للاضطهاد. إذ يشير التقرير الأمريكي حول الحرية الدينية في العالم للعام 2021 إلى انتهاكات للحرية الدينية تؤثر على المسلمين الشيعة والأحمديين، شأنهم شأن بقية الأقليات.

خصوصية منطقة غرب إفريقيا

الديناميات نفسها تحكم تفاعل منطقة غرب إفريقيا مع الصراع السعودي-الإيراني. في دراسة بعنوان "صراع الإرادات السعودي-الإيراني في منطقة الساحل وغرب إفريقيا"، يشير الباحث الموريتاني الحسين الشيخ العلوي إلى أن غالبية سكان بلدان مثل نيجيريا وموريتانيا المسلمين يتبعون المذهب الصوفي، ما حال دون قدرة السعودية، التي تعتمد في دبلوماسيتها الدينية على السلفية، على استقطابهم وجذبهم.

وقوبلت محاولة السعودية الترويج للسلفية ضد الصوفية بمقاومة في المجتمعات الغرب-إفريقية. في المقابل، نجحت إيران في "اختراق" تلك المنطقة، منطلقة في البداية من مقاربة لا تعادي "الطرق الصوفية"، ما أتاح لها بناء علاقات وتعاون اقتصادي.

لكن المجتمعات المحلية في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل لم تستسغ عملية التشيّع الواسعة النطاق، والتي يقال إنها شملت سبعة ملايين شخص، فشعر الصوفيون بالخطر، وبدأ الحديث عن احتواء إيران والمد الشيعي.

بمعنى آخر، تتأثر المجتمعات المسلمة المحلية في غرب إفريقيا بالصراع المذهبي السنّي-الشيعي. فنيجيريا، على سبيل المثال، تحوّلت إلى إحدى ساحات صراع لاعبوه هم الحكومة النيجيرية، وحركة بوكو حرام السلفية المتطرفة، والأقلية الشيعية.

وشهد التنكيل الرسمي بالشيعة دموية في العام 2015، مع مقتل ما لا يقل عن 300 شيعياً في فعالية شعبية. هذا الحدث استخدمته طهران كذريعة لدعم تدخلها في هذا البلد من خلال دعم جماعة شيعية متطرفة، هي "الحركة الإسلامية النيجيرية". ولا تزال دوامة العنف مفتوحة، في وقت يتعرض الشيعة لاعتداءات وأعمال تصفية خلال فعاليات دينية خاصة بهم، وسط اتهامات بتورط الشرطة فيها، وفق التقرير الأمريكي حول الحرية الدينية في العالم للعام 2022.

مع مساهمة تدخلات إيران في الشرق الأوسط في تعزيز موجة عداء الرأي العام السنّي العربي ضدها، تغيّرت حسابات جماعة الإخوان تجاهها، فارتأت عدم الذهاب بعيداً في التقارب معها بهدف تجنّب أي نقمة شعبية حادة ضدها

في غرب إفريقيا أيضاً، لا يخفى وجود ميل موريتاني للرياض. تدعم موريتانيا السعودية في السياسة الإقليمية، ولم تتردد في العام 2016 في الإعلان علناً عن تبنّيها تصنيف الجامعة العربية لحزب الله منظمة إرهابية، كما تحرص على إدانة التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية، ورفض أي تهديد إيراني مباشر أو غير مباشر للأمن القومي للدول العربية، في حين تساند السعودية الحكومة الموريتانية في مواجهة التهديد الإرهابي من منطقة الساحل. وتنشط الدبلوماسية الدينية ودبلوماسية المساعدات الخيرية السعودية في موريتانيا. رغم ذلك، تحافظ نواكشوط على علاقاتها مع طهران بأبعادها الاقتصادية والتجارية، مع حرصها على عدم إثارة غضب الرياض، وعلى ألا تكون علاقاتها الجيدة مع إيران ممراً لنشر التشيع فيها.

دول القرن الإفريقي... تقلّبات كثيرة

تمثل الدول الواقعة في منطقة القرن الإفريقي، كالسودان والصومال، حالة خاصة، إذ تتعاون تارةً بعمق مع إيران، وتنقلب عليها تارةً أخرى، مستعيرةً أدبيات الصراع السنّي-الشيعي. وغالباً ما يحصل هذا التحول نزولاً عند طلب السعودية ونتيجة إغراءاتها السخية.

قبل التدخل السعودي في حرب اليمن عام 2015، كان السودان مقرباً من إيران، وكان يعتبر "قاعدة خلفية لها في إفريقيا" في فترة حكم عمر البشير. رغم ذلك، قررت الخرطوم في العام 2014 طرد مسؤولين إيرانيين اتهمتهم بالتبشير بالإسلام الشيعي في السودان بواسطة مراكز ثقافية إيرانية.

كذلك، ثمة اتهامات لنظام البشير بأنه حوّل الأراضي السودانية إلى نقطة مرور لنقل أسلحة إيرانية لصالح حركة حماس في غزة أو حتى لحزب الله في لبنان، ولكن الوضع تغيّر بعد حرب اليمن، إذ لجأت الرياض إلى "دبلوماسية الشيكات" وتمكنت من استمالة الخرطوم إلى جانبها في الحرب ضد حلفاء طهران في اليمن.

وفي العام 2016، بعد أزمة اقتحام السفارة السعودية في إيران، رداً على إعدام رجل الدين الشيعي السعودي نمر النمر، وفي سياق قطْع العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، قطعت عدة دول من ضمنها الصومال والسودان علاقاتها مع إيران. وبدأت الحكومة الصومالية تتهم طهران بالقيام بحملة "تبشيرية شيعية خطيرة" في الصومال، وأطلقت حملة ضد التشيع باعتباره "غريباً" عنها، في نفس الوقت الذي تلقت فيه 50 مليون دولار من السعودية.

شمال إفريقيا... لا تجانس

عنوان مقاربة دول شمال إفريقيا، أي المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر، للعلاقة مع إيران والسعودية، هو غياب التجانس، ما ينعكس على علاقاتها مع الحالة الصراعية بين الأخيرتين.

رغبة المغرب في التقارب مع السعودية، لا سيما منذ العام 2009، ثم انخراطه في التحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن منذ العام 2015، وضَعاه بحكم الواقع في قلب الصراع الإيراني-السعودي والسنّي-الشيعي في الشرق الأوسط. رغم ذلك، ثمة رغبة إيرانية كامنة بالتقارب مع الرباط، نظراً لموقع ومكانة الأخيرة في إفريقيا وفي العالم الإسلامي.

لكن دعم طهران لجبهة "البوليساريو" التي تطالب باستقلال منطقة الصحراء الغربية عن المغرب يشكل عامل خلاف لا يمكن التقليل من شأنه بين البلدين، كما أن لدى المملكة المغربية سياسة ثابتة ضد حملة التشيع التي تتهم إيران بالترويج لها داخل أرضها.

وفي تونس، عندما أطاحت الثورة بالرئيس الأسبق  زين العابدين بن علي، مطلع العام 2011، لجأ الأخير إلى السعودية. وكان نظامه قد ورث علاقات باردة مع الجمهورية الإسلامية من سلفه الحبيب بورقيبة. فخلال الصراع بين النظام التونسي والإسلاميين، كانت تونس تتهم النظام الإيراني بدعم هؤلاء. وظلت العلاقات الدبلوماسية الثنائية بين الدولتين مقطوعة بين عامي 1987 و2001. لاحقاً، مع استلام "الإخوان المسلمين" الحكم في تونس، في سياق الربيع العربي، تعاملت إيران بإيجابية مع تونس، مراهنةً على تقارب ما معها، كان من شأنه تعزيز أوراقها الرابحة في صراعها الجيوسياسي مع السعودية في الشرق الأوسط.

أما مصر، فقد اعتمدت إيران منذ الثورة الإسلامية في العام 1979 سياسة معادية لها بسبب توقيعها اتفاقية سلام مع إسرائيل في العام 1978، وبسبب استقبالها للشاه المخلوع. ممارسات طهران دفعت القاهرة إلى حلبة الصراع، وتجلى ذلك بدعمها للعراق ضد إيران خلال حربهما.

ولكن علاقة الشد والجذب بين البلدين، وما تخللها من محاولات تقارب وأحداث باعدت بينهما، يصعب وضعها في خانة الصراع السنّي-الشيعي، مع أن جهاز أمن الدولة المصري يقوم بـ"مضايقة الأقليات الدينية مثل المسلمين الشيعة"، كما يشير التقرير الأمريكي حول الحرية الدينية في العالم للعام 2022.

وفي ما خص الجزائر، فإن موقفها من الصراع الإقليمي هو الحياد النسبي إلى حد ما. النزعة الاستعراضية المعادية للإمبريالية تشكّل قاسماً مشتركاً لـ"بروباغندا" تشترك فيها مع إيران.

خلال الحرب الأهلية الجزائرية، في تسعينيات القرن الماضي، اتهم نظام العسكر في الجزائر إيران بدعم القوى الإسلامية، ما أدى إلى حالة من النفور بين البلدين، إلا أن الوضع تغيّر في بداية الألفية الثالثة التي شهدت تقارباً بين البلدين.

أحد دوافع الجزائر في الحفاظ على علاقات جيدة مع إيران هو امتعاضها من التأثير السعودي على الإسلام السياسي الجزائري، وحاجتها لمحاربة الحركات الجهادية في منطقة الصحراء والساحل، مع أن الجزائر تحافظ على خيط رفيع يتمثل في اعتراضها على التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية.

واليوم، في مواجهة التقارب المغربي-الإسرائيلي، تريد إيران أن تظهر أن لديها دولة صديقة كالجزائر، من دون أن تكون الأخيرة ضمن تحالف تقوده إيران، ومن دون أن يخلو الأمر من انتقاد جزائري لظاهرة التشيّع.

خامس دول شمال إفريقيا، ليبيا، انحازت في زمن معمر القذافي، شأنها شأن سوريا خلال حكم حافظ الأسد، لإيران أثناء الحرب العراقية-الإيرانية. أيضاً وضعت "البروباغندا" المشتركة ضد أمريكا والغرب النظامين في موقع تقارُب، فضلاً عن العداء المشترك لإسرائيل. وبعد سقوط القذافي في العام 2011، لم تتردد إيران في دعم الإخوان المسلمين في ليبيا، ضد حلفاء السعودية.

تمرّدات ضد النفوذ السعودي

الحديث عن الصراع السعودي-الإيراني لا يمكن إلا أن يمرّ على واقع وجود تمردات على "أبوية" الرياض من قِبل بعض الدول والأطراف القريبة تاريخياً وجغرافياً منها، كالإمارات وقطر وسلطنة عمان، والتي قررت إعطاء الأولوية لمصالحها، وفتحت خطوط تواصل مع إيران.

لطالما اتسمت الدبلوماسيتان العمانية والقطرية بمنحى مستقل. أما الإمارات فتنظر إلى الحوار مع إيران كأولوية من أجل المساهمة في الاستقرار في المنطقة، فضلاً عن وجود مصالح اقتصادية تدفع أبوظبي إلى اتباع سياسة "صفر مشاكل" مع الجيران، بمَن فيهم إيران.

كذلك، ينتمي لبنان، عبر الزعيم السياسي الأول للسنّة اللبنانيين سعد الحريري وتيار المستقبل، إلى خانة الأطراف التي لم تستجب إلى كل ما تريده السعودية في المواجهة مع إيران. هذا التمرد يُظهر أن السعودية عجزت عن فرض زعامتها الإقليمية على دول المجاورة لها، وسط انطباع سائد بأنها تُرِكَت تواجه وحدها، إلى حد ما، التحديات التي تواجهها.

تركيا... حالة قائمة بذاتها

قد تكون تركيا حالة قائمة بذاتها، فهي لا تتردد في فتح قنوات تواصل وتعاون مع الجميع حتى مع إيران. ومهما تراكمت التباينات بين السعوديين والأتراك بشأن بعض الملفات الإقليمية، لا سيما أن أنقرة دعمت الإخوان المسلمين في سياق الربيع العربي، وهم خصوم للرياض، إلا أن الخط البياني الذي يحكم منطق سياسة السعودية ومجلس التعاون الخليجي عموماً تجاه تركيا، يتمثل في محاولة جذبها إلى معسكرها بمواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في الشرق الأوسط، وفق ما ورد في كتاب الباحثة اللبنانية الأصل، جنى جبّور،"تركيا/ اختراع دبلوماسية ناشئة"، الصادر بالفرنسية عام 2017، عن دار النشر التابع للمركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا.

والحال أن الدول التي تشهد صراعاً ذا بعد مذهبي بين السنّة والشيعة هي ميدان لتصادم الدبلوماسيتين التركية والإيرانية: في اليمن أو العراق أو سوريا، إيران تدعم فريق شيعي أو علوي، مقابل دعم تركيا لقوى سنّية.

في المحصلة، تسبب الصراع السعودي-الإيراني في انقسام العالم الإسلامي السنّي بين اتجاهين أساسيين. وظهرت تنويعات كثيرة على هذا الانقسام، فقد يكون المجتمع المحلي في بلد مسلم أو يضم مسلمين، ميداناً لصراع سنّي-شيعي داخلي، في حين يمكن أن تكون حكومة بلد مسلم أو يضم مسلمين منحازة، أو لا، للسعودية ضد إيران، لتكون بالتالي جزءاً، أم لا، من الصراع الإقليمي. كذلك، كثيراً ما قادت المصالح الاقتصادية بلد ما إلى التعاون مع إيران من دون القطع مع السعودية، ليسير هذا التعاون بشكل موازٍ لنزعة عداء داخلية ضد الشيعة والتشيع.

هل تتغيّر الأمور بعد "اتفاق بكين"؟ وحتى لو صار الصراع بين السعودية وإيران من الماضي، وهذا تقدير بعيد عن الواقع، هل سيتجاوز العالم الإسلامي الحالة الصراعية المذهبية؟ وهل يمكن للاتفاق بين الرياض وطهران أن يطوي الصفحة الماضية ويفتح أخرى عنوانها تعاون دائم ومربح للجميع؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard