شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
عن الرغبة المُلحّة بالذهاب بعيداً...

عن الرغبة المُلحّة بالذهاب بعيداً...

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والمشرّدون

الأحد 30 يوليو 202312:42 م

تنتابنا من حين لآخر رغبات لا نعرف مصدرها، أو أسبابها، وحين نحاول اكتشاف مصادر هذه الرغبات، قد لا نتمكن من الوصول إليها.

لا أذكر متى كانت أول مرة شعرت فيها برغبة في الذهاب بعيداً، أعني بعيداً جداً، دون وجهة أو خطة، لكنني تمنيت دوماً أن أذهب إلى أبعد مكان في العالم.

إلهي، اجعلني طيراً حتى أتمكن من الذهاب بعيداً*

حينما كنت في طفولتي أجلس عند سطح منزلنا، وأتأمل السماء والطيور المهاجرة، كنت أتمنى لو أنني طير أيضاً، يحرك جناحيه ذات يوم ويطير.

إلى أين؟ لم أعرف، ولم أهتم. فقط أردت الذهاب والهيام في العالم، ولم تبدُ لي فكرة الابتعاد عن المنزل أمراً مخيفاً، حتى إنني لم أفكر بأهلي، بفراقي عنهم وفراقهم عني، كانت رغبتي تلك أكبر من أي شيء حولي.

شيء من أسباب هذه الرغبة الملحة، هو شعوري بأنني لا أنتمي إلى المكان الذي ولدت فيه، أو إلى العائلة التي نشأت معها، وحتى إلى أصحابي الذين أحببتهم وأحبوني، شعرت بأني قدمت إلى هنا خطأ، وجرحني هذا الأمر.

لم تبدُ لي فكرة الابتعاد عن المنزل أمراً مخيفاً، حتى إنني لم أفكر بأهلي، بفراقي عنهم وفراقهم عني، كانت رغبتي تلك أكبر من أي شيء حولي

فكنت أنظر للجميع في أعيادهم وأفراحهم أو أحزانهم، وأضحك لضحكهم وأحزن لمآسيهم، لكنني لم أشعر أنني فرد منهم، حتى إنني كنت أنظر لأخوتي اللطفاء، وكيف يتآلفون مع بعضهم بسهولة ويفهمون بعضهم، وأقول: "يالها من عائلة حلوة! لكن لم يسبق لي أن شعرت بأنهم عائلتي...

لا يعني ذلك أني لم أحبهم، لقد أحببتهم وودت لو أتمكن من صد كل أذى وسوء عنهم، وددت لو أفديهم بكل ما أقدر وما لا أقدر، لكن هناك نداء في أعماقي، يلح عليّ بالرغبة في الرحيل، يقول لي: "لسنا من هنا."

سألت نفسي كثيراً... من أين أنا؟ ولم أعرف، وسألت الرب كثيراً لأعرف، فقد بدا لي أن العالم طبقات عدة، وأني قدمت من بُعد ما أذكره وأعرفه، حتي إنني أحياناً شعرت بأنني أعيش في بُعدين في الآن ذاته، وأن بإمكاني رؤية هذا العالم شفافًا، ورؤية ما خلفه.

لذلك أردت أن أرحل بعيداً، لربما أعثر على أجوبة ما.

بعيداً عن هذا الواقع الذي يقيدني، بعيداً عن هؤلاء الناس الذين يفرضون عليّ تقاليداً وأفكاراً وسجوناً...

أردت أن أرى العالم وما وراء العالم، وأن أرتحل في كليهما.

ممسوسة بمس ما

بالفعل ذهبت بالشعر إلى عوالم أخرى وأبعاد جديدة، واستطعت أن ألمس بروحي أفقاً، وأن أستعيد ذكريات زعمت أني عشتها في حياة أخرى، ولم يكن يفهمني أحد حين أقول ذلك.

فقبل أن أتجاوز السابعة، قلت لأمي إنني أذكر حياة أخرى عشتها، وإنها لم تكوني أمي هناك.

قبل أن أتجاوز السابعة، قلت لأمي إنني أذكر حياة أخرى عشتها، وأنها لم تكُن أمي هناك.

لكنها فهمت أني لا أريدها وحسب. أما والدي، فقد قلت له الأمر ذاته، فقال بأني ممسوسة بمس ما، وحاول أن يقرأ عليً القران كثيراً، ليخرج ما فيّ من مس.

حينها شعرت بغربة أعمق، ليست غربة المكان وحسب، بل غربة الروح أيضاً.

كأن البشر جميعهم لم يعودوا إخوتي، واتصلت بالمصدر الوحيد الذي أعرفه، ولم أعرف كيف عرفته، لكن شعرت بأن خيطاً من ضوء يصل بيننا، وأنني أسمع همسه أحياناً، ونظرت للسماء كثيراً، قلت له... نورني، بصرني، عرفني!

ذهبت في رحلات كثيرة، دون أن أغادر خلالها غرفتي، وعرفت أكثر عن العالم، وعن نفسي، وعن الآخرين، وكانت تلك المعرفة جارحة، وتلك الرحلات مؤلمة، ولم تستطع روحي حملها، فقد كنت حينها مجرد صبية في الثامنة والتاسعة عشرة، لذلك بعد عدة سنوات، طلبت من المصدر أن يبقيني في الواقع وحسب، في هذا الواقع الذي اخترته في البدء، وقدمت إليه، فإليه سأوجه طاقتي، ورغبتي بالاكتشاف.

واندمجت بالناس، جماعاتٍ وأفراد، صنعت حيوات كثيرة، لكن كل حياة كنت آلفها، كنت أخاف هذه الألفة، فأهدمها، لأبني غيرها.

كل منزل سكنت فيه، وألفته، غادرته بكل ما فيه. وشعرت بالذنب طويلاً تجاه عائلتي، لأنهم أرادوا بنتاً عادية فحسب، ثم جاء إليهم هذا الكائن الذي لا يعرفون ماهيته.

الذنب الذي ينبح في وجهي

وقد غذى والداي هذا الذنب طويلاً، أطعماه مثلما يطعمان كلباً جائعاً وأطلقاه عليّ في العالم.

فبينما كنت أدور وحسب، أتبع رغبتي في أن أعرف وأن أرى، كان كلب الوالدين يتبعني، وينهشني، لأني تركتهما مرة، أو لنقل، لأني تركتهما مرات.

ففي طفولتي، أذكر أنني كنت أقول لأمي في كل لحظة شجار بيننا، بأنني سأغادر ذات يوم، ولن أتركها تعرف عنّي شيئاً. وقد حاولت إبقائي طويلًا، واستخدمت أساليب عدة.

لكن حتى في النهارات الحلوة، حتى ونحن جالستان نشرب الشاي معاً ونداعب القط، عرفت بأنني سأغادر وأتركها ذات يوم.

اخترت أن ألحق بالهواء وبالطير

لم تقدر أمي أن تقبل ما رغبت به، فحتى آخر لحظة قبل سفري، قالت لي: "لدي قاعدة بأن الابن الذي يغادر المنزل لا يعود ابني"

لم تقدر أن تقبل ما أردته وتمنيته ورغبت به، خيرتني دائماً بين أن أكون أنا، وأن تكون أمي. فحتى آخر لحظة قبل سفري، قالت لي: "لدي قاعدة بأن الابن الذي يغادر المنزل لا يعود ابني."

ورغم مغادرتي المنزل قبل ذلك بخمسة أعوام، رغم أن علاقتنا تمثلت في أن أذهب إليها في بعض الأعياد والإجازات، ورغم إنها لم تكن أمي بقدر ما كانت شيئاً آخر، ما زلت لا أعرف ما هو، لكن كأنها نظرت إليّ بعينين جامدتين وقالت: "اختاري."

ولم أخترها بالطبع، اخترت أن ألحق بالهواء وبالطير، وأن أختبر نفسي حين أبتعد بحق عن كل ما أعرف، حين أمعن بتقطيع جذوري، أو حرقها إذا لزم الأمر، حتى أعرف نفسي بعيداً عن كل ما يُعرّفني.

أما والدي، الذي لم أره منذ خمس سنوات، لأنه يعيش في بلاد بعيدة، لكننا نتراسل أحياناً، قلت له قبل سفري بأسبوع... أنا سأغادر، ولا أعرف متى يمكن أن أعود.

اعتاد والدي أن يبني أحلاماً، واعتدت أن أهدمها، ولكن بقي له في حياته حلم وحيد، أن ينهي غربته ويعود إلى بلاده وينعم بأبنائه حوله، لكن قبل أن يختم حلمه بلحظات معدودة، أتى هذا الطير الشارد، وفاجأه بانتزاع نفسه من هذه اللوحة، بقص وجهه من الصورة الحلوة التي يبتسم فيها الجميع.

ولم يعرف والدي بماذا يجيبني، ارتبك أول الأمر، ثم غضب قليلاً، ثم حزن وبكى، وكنت أبكي لبكائه، من أجله ومن أجلي، وتمنيت أن أحقق أحلامه، لكنني علمت بأنني لا أقدر على خيانة أحلامي، قلت له مرات مازحة، لديك خمسة أبناء وبنات غيري، يحققون أحلامك أو أحلاماً قريبة منها، اتركني فقط أهيم كما أشاء.

وكعادته غلب حبه لي حزنه عليّ، فصار يقول لي: "خوضي التجربة كما تشائين، وعودي في أي وقت". ومرات أخرى يعود ويصب غضبه عليّ ويطالبني بالعودة. يتأرجح بين اليمين واليسار ويأرجحني بينهما.

أعرف أن رحلة طويلة خاضها والداي، مؤلمة وجارحة على الأرجح، مثلما خضت أيضاً.

حرية المحو... والنسيان

لكنني لا أرغب بأن أعود للمنزل مرة أخرى، فعدما رحلت أول مرة، شعرت بأن هذا بالفعل ما أريده.

وكلما رحلت أكثر، شعرت أني أصبح أكثر قرباً من نفسي، وكلما ابتعدت عن حياتي القديمة، شعرت بالراحة أكثر، كلما نُسيت أكثر، وخرجت من ذاكرة الآخرين، وخرجوا من ذاكرتي، كلما محوت أكثر.

كلما رحلت أكثر، أصبحت أكثر قرباً من نفسي، وكلما ابتعدت عن حياتي القديمة، شعرت بالراحة، كلما نُسيت وخرجت من ذاكرة الآخرين، وخرجوا من ذاكرتي، كلما شعرت بحرية لا مثيل لها...

شعرت بحرية لا مثيل لها...

كل يوم يخفت تعلقي بالمنزل، بفكرة المنزل، بالرغبة في الحصول على واحد. أجد نفسي أنتقل من واد إلى حقل، أخيم في الغابة وأعبر المدن، ألتحم بالناس وأصبح ابنة لهم، ثم أغادر مرة أخرى.

ومع مرور الأيام، تظهر رغبة أخرى كانت موجودة دوماً، بجانب الرغبة في الذهاب بعيداً، وهي أن أتخلى عن اسمي القديم، وأسمي نفسي شيئاً آخر، ثم أهيم في العالم، وأصبح مجرد شخص ما.

*جيني في فورست جامب 


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لعلّ تعريفنا شعوباً ناطقةً بالعربية لم يعد يستقيم من دون الانتباه إلى أننا صرنا شعوباً متفلّتةً من الجغرافيا. الحروب الدائرة في منطقتنا والنزاعات الأهلية والقمع، حوّلتنا إلى مشردين، بين لاجئين ونازحين، وأي تفكير في مستقبلنا لم يعد ممكناً من دون متابعة تفاصيل حياة الجميع، أينما كانوا، وهو ما نحرص عليه في رصيف22. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard