شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!

"عمّ نتحدّث حين نتحدّث عن الصداقة"... عن استحالة الصداقة وضرورتها

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والتنوّع

الأربعاء 26 يوليو 202311:41 ص

في كتاب بلال علاء "عم نتحدّث حين نتحدّث عن الصداقة"، الصادر عن دار وزيز، يغلب الطابع الفلسفي على الطابع الروائي، حيث تبدو المشاهد الروائية مجرّد تُكَأة للحديث الفلسفي عن الصداقة، وهي مشاهد غير لافتة، بل بسيطة وعادية كما ينبغي لمحادثات الصداقة اليومية أن تكون، لكن عبرها ينفذ بلال إلى أبعاد أخرى عميقة عن المعنى المركّب الصداقة كما ينبغي أن تكون، غير منته إلى أجوبة، بل طارحاً المزيد من الأسئلة، التي تقبض على معناها المراوغ دون طائل. نصّ منفتح على الحيرة، لكن في جوهره هو أيضاً نصّ عن الهشاشة والضعف.

تبدو الصداقة في نصّ بلال كأنها الشيء المستحيل والممكن تحقيقه في آن. هي وحشية وحنونة، يمكن الاستغناء عنها، لكنها الضرورة عينها.

وفي الجملة الافتتاحية، يبرز هذا المعنى المركب: "أقود السيارة في دوائر واسعة كفاية، لتكون ملاحظتها من قبل شخص آخر مستحيلة تماماً. أشعر أني على وشك التفتّت، لكن لا أتفتّت، أحتفظ بهدوء ظاهري ورصانة مفتعلة تجعلانني ملجأ لمن يظنون أنهم على وشك التفتّت، لكن إلى من ألجأ أنا؟

هل يحبنا أصدقاؤنا فعلاً على ما نحن عليه، وهل نحبهم فعلاً على ما هم عليه، أم نحن أسرى صورنا المتخيلة التي صنعناها عبر التواطؤ؟

لدي خمسة بيوت يمكنني دخولها في أي وقت، سبعة أشخاص سيتركون ما يفعلون حين أحدثهم أنني بحاجة إلى المساعدة. تبقى هذه نظرية، لأني لم أفعل ذلك".

إذن، تشبه الصداقة هذا التيه الواسع لشخص يدور في دوائر، تجعله غير ملحوظ، لن يصير مرئياً إلا لمن اختارهم، هؤلاء الذين نسميهم أصدقاء، لكن أيضا ثمة شك وسؤال عن الاعتماد: من يعتمد على الآخر؟ هل ذلك الاعتماد موثوق؟ أيهما أكثر أنانية هنا، من يحتفظ لنفسه بتعريف الأكثر هشاشة، الذي على أساسه تبدأ المطالبة بالأخذ؟

نلتقي عقب هذا المقطع، بأول تعريف محتمل للصداقة: "الصداقة هي التوق إلى الخروج من الذات، التوق دون ضرورة تحققه، نتآنس بنداءات بعضنا لبعض، حتى لو لم نفهمها".

في نص بلال، ندرك أيضاً أن الصداقة هي جزء من العزلة الكبيرة، هنا مجموعات الأصدقاء وبطل العمل، على الأخصّ، يبدو كأنه مقطوع عن كل شيء في العالم، خائف منه، عدا أصدقائه. دونهم هو ليس فقط شديد الانطواء والهشاشة، بل يتكوّر كطفل في ركن من غرفته، ورغم أننا لا نعلم الكثير عن خلفيات أصدقائه، إلا أننا قد نفهم أن الجانب غير المرئي منه. إنه مثل بطل النصّ ومحوره، خائف ومعزول، الصداقة هنا ليست انفتاحاً على العالم، لكنها أشبه بدرع إضافي يحمي أصحابها من العالم.

ما يجعل الصداقات، إذ نتأمّلها، أشبه برباط سحري، أنها تفترض الوفاء وتقوم عليه، وفاء على نمط قصيدة أمل دنقل: "تلك الطمأنينة الأبدية بينكما أن سيفان سيفك... صوتان صوتك... ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك".

يتساءل بلال ما إذا كان الوفاء هو فعلاً العنصر الجوهري في الصداقة؟ سيكون ذلك مفهوماً إذ نشأ عن روابط الدم، لأن الأخ سيظل أخاك إلى الأبد، فكيف تكتسب الصداقات هذا الشعور باستحالة تغيّرها، هل تحتاج إلى لحظة مشتركة، كذكرى أو تجربة، تصنع ولادة مماثلة لما تصنعه ذكرى روابط الدم؟

لا إجابة. تظل لحظات تكوّن الصداقة غامضة وسحرية، إذ ربما بالفعل تكون بعضها وليدة تجربة كبرى، لكنها في الأغلب الأعم، تنشأ فجأة ودون أن نشعر، الوفاء ربما يكون بالفعل هو المكوّن الجوهري الغامض للصداقة، ليس عبر إثباته، بل عدم اضطرارك لإثباته مرة تلو أخرى، ما إن تبدأ الصداقات في تحويل الوفاء إلى اختبار متكرّر عليك أن تعبره كل يوم لتثبت أصالة تلك الصداقة، تنتهي فوراً.

لكن الوفاء ليس هو تعريف الصداقة القوية، في رأي بلال. تعريف الصداقة الحقيقية هو أن خيار الانسحاب لا يمكن تخيّله، مهما كان حجم الخطأ الذي اقترفه أحد الأطراف، الصداقة هي عدم التخلّي، تفهّم الضعف، هذا ما يجعلها سحرية، ضرورية لهشاشتنا ومستحيلة.

المفارقة البسيطة والقاسية، التي تجعل من شرط عدم الانسحاب معياراً غير معقول وأساسياً للصداقة، هو أن الألم غير المحتمل إلى درجة إجبار من يعانونه على الصراخ طلباً للنجدة هو نفسه من يُبعد الآخرين عنهم.

يشرح بلال: "تحاول الصداقة في فتوّتها مشاركة الآلام، رسم منافذ هروب في جدار المستقبل، اقتراح الحلول، لكن عند حدّ معيّن من الصراخ. يصبح الصارخ شخصاً آخر غير من تعرفه، لا تكرهه، وربما ما زلت تحترم صورته في حالته المتوازنة. لكنك لم تعد تعرفه بعد الآن. ليس الذنب ذنبك، وبالطبع ليس ذنبه، غريزته للنجاة تجبره على الصراخ، وغريزتك تملي عليك الهرب".

في الوقت الذي تفترض فيه حماسات التنمية البشرية، أن صحتنا النفسية تعتمد على حماية أنفسنا من الأشخاص السلبيين، تفترض ضمناً عدم تحمّل ألم الأصدقاء منهم أيضاً، ولأننا ندرك الأمر، فلا نحن نسمح لوجود المتألمين في حياتنا، وكذلك لا نسمح بأن تبدو صورتنا ونحن نتألم أو نصرخ، بادية للعيان، لأننا نعلم القانون.

تبدو الصداقة في نصّ بلال علاء كأنها الشيء المستحيل والممكن تحقيقه في آن. هي وحشية وحنونة، يمكن الاستغناء عنها، لكنها الضرورة عينها

هنا الألم المضاعف لقانون الصداقة في العصر الحالي، أن علينا دائماً أن نبدو بخير، أو على الأقل نكتفي بالحدود المحتملة لصراخنا، لأن انكشافنا الأخير يعني انسحاب من أمامنا. وفي لحظات الألم القصوى، من أجل الحفاظ على الصداقة، علينا أن نكون وحيدين بأقصى ما نستطيعه ونحن وسط "شلتنا" أو أصدقائنا.

تحمّل لحظات عدم الاتزان والتخلّي عن قناع الثبات، هي الاختبار الأقسى للصداقات.

ربما هذا سؤال كتاب بلال "عم نتحدّث حين نتحدّث عن الصداقة"، من جملته الافتتاحية والمفتاحية التي يجري اختبارها صفحة تلو صفحة، ماذا لو قرّر أن يكشف هشاشته، صراخه وخوفه وطبيعته المقنّعة بادعاء الرزانة والثبات، هل سيظل الأصدقاء حوله؟

لذا تظل تلك الفرضية مختبرة طيلة الكتاب على المستوى النظري، فقط، ولا يجرؤ أبدا على أن يختبر ذلك الانكشاف على نحو عملي، فتبدو السطور كلها كأنها مراوغة للسؤال الأساسي الذي بطرحه في الواقع قد تنكشف الصداقة عن وهم، أو تفصم عراها، الكتاب يخفي الألم الحقيقي بين دفتين وأبنية وهمية من الكلام والثرثرة، ثرثرة الأصدقاء.

يقول بلال: "يوجد شيء مراوغ في رغبتنا في الوضوح، أننا حتى لو أردنا أن نكون صريحين تماماً مع أصدقائنا، فذلك لا يعرقله فقط أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم ذاته تماماً إلا بالتفكير واللغة والرموز، ولكن لأننا دائماً ما نتبنى شخصيات متخيلة لنا، مقتنعين بكون هذه الشخصيات هي نحن، تعريفات ذاتية متتالية، متغيرة"

هل يحبنا أصدقاؤنا فعلاً على ما نحن عليه، وهل نحبهم فعلاً على ما هم عليه، أم نحن أسرى صورنا المتخيلة التي صنعناها عبر التواطؤ؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard