شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"تعالينَ فقد طابَ لنا العيشُ تعالينا"… الشّعر الغنائي في الحجاز قبل الإسلام وبعده

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع نحن والتاريخ

الجمعة 14 يوليو 202302:59 م

وُلِد الشّعر العربي في حضن الغناء والموسيقى، فهو غنائي المنبت، متصل اتصالاً كاملاً بالموسيقى منذ بداياته، ولهذا كانت القصيدة تُكتب على وزنٍ خاص، ولها قافيتها التي تمنح القصيدة رنّتها الخاصة.

للغناء والموسيقى والرقص ارتباط دائم بحياة الناس ولغتهم وعاداتهم، وكأنها أمور فطرية، مثل المأكل والمشرب والملبس، تتطور بتطور الثقافات، شائعة بين الموسرين والمعسرين وبين سادة القوم وضعفائهم.

وقد كانت نساء العرب وما زلن يغنّين لأطفالهن ويراقصنهم، وينُحن على الميت، كما اشتهر العرب بالحِداء في أثناء سير القوافل، والحادي هو الشّخص الذي ينشد ويغني في أثناء سير القافلة. فمنذ العصر الجاهلي ارتبط الغناء والإنشاد بحياة العرب وحلّهم وترحالهم في بلاد الحجاز.

 كان العرب يستخدمون الغناء في عباداتهم، ففي سورة الأنفال، الآية 35، خير دليل على ذلك حين نقرأ: "وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً"، والمُكاء في اللغة هو التصفير، والتصدية هي التصفيق

يقول الشّاعر المخضرم حسان بن ثابت: "تغنَّ بالشّعر إما كنتَ قائلهُ/إن الغناء لهذا الشّعر مضمارُ".

وقد حرص شعراء العرب على ضخّ أكبر كمية من الموسيقى في قصائدهم منذ العصر الجاهلي، ولهذا استخدموا التّصريع، وهو التوافق في القافية بين الصدر والعجز في البيت، وهو ما نقرأه في مطالع المعلّقات، كقول عنترة بن شداد في فاتحة معلّقته: "هَل غادَرَ الشُعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ/أَم هَل عَرَفتَ الدارَ بَعدَ تَوَهُّمِ".

وقول امرئ القيس في مطلع معلّقته: "قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل/بسقطِ اللوى بين الدخول فحومل"، وقول الأعشى أيضاً: "وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ/وَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُلُ".

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض الشعراء شرعوا في كتابة القصائد بغرض الغناء، الذي كان الدافع الأساسي وراء كتابتها بهذا الشكل، حتى يوفّروا قيماً صوتيةً تساعد على تلحينه والتغني به كما يروي قدامة بن جعفر المولود سنة 337 هـ، في كتابه "نقد الشعر".

جوقات الغناء

من المعروف أنّ هند بنت عتبة شكّلت، في غزوة أُحُد، مع مجموعة من نساء قريش، جوقةً ورحن يضربن على الدفوف، ويغنّين، ليحرّضن الرجال على القتل والقتال وخوض غمار الحرب. ومن منّا يغيب عن ذاكرته المقطع الأروع والأمتع للفنانة منى واصف، في فيلم "الرسالة"، وهي تؤدي دور هند بنت عتبة، حين تقدّمت سرايا الفرسان، وألهبت صدور المقاتلين واستثارت حميتهم، وهي تغنّي بصوتها في أثناء العزف، المقطوعات التالية الشّهيرة؟:

نحن بناتُ طارق/نمشي على النمارقْ

الدرُّ في المخانق/والمسك في المفارقْ

إن تُقبلوا نعانق/أو تُدبروا نفارق

فراق غير وامقْ.

ويروي صاحب الأغاني أحاديث كثيرةً عن الشاعرة العربية الخنساء، ونُواحها على أخويها (والنُواح هو نوع من الأغنية الحزينة)، حيث كانت تذهب إلى سوق عكاظ في مواسمه لتندبهما وتنوح عليهما، وكذلك فعلت هند بنت عتبة، التي تقدَّم ذكرها، في نُواحها على والدها.

وارتبط هذا النُواح بنوع من الشعر القصير، وخير شاهد على هذا النوع من الشعر الغنائي الحزين، نُواح أمّ السليك بن سلكة، وهو من مشطور المديد:

طاف يبغي نجوةً/من هلاكٍ فهلكْ

ليت شعري ضَلّةً/أيّ شيءٍ قتلكْ

أمريضٌ لم تعد/أم عدوّ ختَلَكْ.

بالإضافة إلى ما تقدّم، كان العرب يستخدمون الغناء في عباداتهم، ففي سورة الأنفال، الآية 35، خير دليل على ذلك حين نقرأ: "وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً"، والمكاء في اللغة هو التصفير، والتصدية هي التصفيق.

رياح التغيير تهبُّ على الحجاز

يذكر أبو عبد الله الجهشياري (المولود سنة 331 هـ)، في "الوزراء والكتاب"، أن الحضارات الأجنبية اقتحمت بيوت الحجازيين وبدّلت أسلوب حياتهم وطريقة معيشتهم، بعد التوسعات الإسلامية، وقد أقبل خلفاء العرب على الاستفادة من التجارب الأجنبية وتطبيقها كما فعل عمر بن الخطاب وأقام "ديوان العطاء"، بعد أخذه بنصيحة المرزبان الفارسي.

وبعد نجاح هذه التجربة في صدر الإسلام، نجد أن معاوية بن أبي سفيان أخذ نظام الدواوين الفارسي ككلّ، وطبّقه في نظام الحكم الأموي. ولم يقتصر الأمر على الشؤون الإدارية للبلاد، بل تعدّاه إلى أنماط اللهو والتسلية أيضاً، إذ بعد التوسعات الإسلامية الكبيرة ودخول العبيد والإماء والموالي، خاصةً القينات، وهن الإماء اللواتي يتقنّ الغناء والعزف والرقص، إلى بيوت العرب في الحجاز، امتزجت الثقافات الأخرى من الفارسية والرومية والحبشية بالثقافة العربية مما دفع نحو تطور الغناء العربي، وتعلّم العرب ألحان الأمم الأخرى وموسيقاها وطرائق غنائها، وأدخلوها إلى موسيقاهم وألحانهم.

كما قام الموالي بالمثل، حيث تعلّموا الغناء العربي ومزجوا فيه صفوة ما عهدوه من ثقافاتهم، وأتقنوه بالغ إتقان حيث باتوا يغنّون بلغة العرب لا بلغتهم. كما أدخلوا آلاتهم الموسيقية الجديدة على العرب ولعلّ أهمها، العود والنّاي والطنبور، وهي فارسية، والقانون، وهو يوناني، كما يذكر المسعودي (283-346 هـ)، في "مروج الذهب".

الشّعر الغنائي في مكة والمدينة

يروي المعرّي في كتابه الشهير "الفصول والغايات"، قولاً مهماً عن الشّعر الغنائي القصير وانتشاره قبل الإسلام وبعده، حيث يقول: "أما الأوزان القصار فإنما عُرفت في العصر الإسلامي في أشعار المكّيين والمدنيين من أمثال عمر بن أبي ربيعة، وكذلك عدي بن زيد في القدماء، لأنه كان من سكان المدر".

ومن الطبيعي القول إن عمر بن أبي ربيعة كان له السبق والفضل الأوّل في تسخير الشعر للغناء وتقطيعه وتطويعه له، وقد غنّى وترنّم الكثير من المغنّين بأشعاره كابن سريج ومحرز.

ومن مجزوء الوافر غنّى ابن سريج له:

أليستْ بالتي قالتْ/لمولاةٍ لها ظُهرا

أشيري بالسّلام له/إذا هو نحونا خطرا.

ومن مجزوء الرّمل، غنى ابن محرز له:

أصبح القلبُ مَهيضا/راجع الحبَّ الغَريضا

وأجدَّ الشوقَ وهناً/أن رأى برقاً وميضا.

ولم يتوقف الأمر عند عمر بن أبي ربيعة فحسب، لكنه كان إن جاز التعبير ربّ الشعر الغنائي وأميره. ونجد من أمثاله أيضاً الشّاعر عروة بن أذينة، الذي يمّم المغنون والقينات حناجرهم شطر شعره، ليؤلف لهم أشعاراً غنائيةً، كابن عائشة، المغنّي المعروف. وقد كتب للأخير قطعةً شعريةً من الهزج بديعة، يتقطّر اللحن من كلماتها كأنها شهدٌ شعري:

سُليمى أزمعتْ بينْا/فأين تقولها أينا

وقد قالتْ لأترابٍ/لها زُهرٍ تلاقينا

تعالينَ فقد طاب/لنا العيش تعالينا.

ولعل شيوع الغناء في مكة والمدينة دفع الشعراء أيضاً نحو المغنّين والمغنّيات، طلباً منهم للشهرة الفورية والأضواء السريعة، ولكي تبلغ قصائدهم آذان نبلاء الحجاز وأشرافه. يقول عروة في قطعته الشعرية الغنائية المعروفة، والتي من يطالعها يجد بسلاسة أنها مكتوبة على قياس الحناجر الذهبية في ذلك العصر: إن التي زعمتْ أن فؤادك ملّها خُلقت هواك كما خُلقتَ هوىً لها.

ولم يتوقف أمر الاهتمام بالشعر والإنشاد والغناء على السّادة والأشراف من الرجال في مكة والمدينة فقط، بل تجاوزه إلى سيدات المجتمع الحجازي وشريفاته، على نحو ما كانت تصنع سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، والثريا التي كانت تستقبل الشعراء في منزلها وعلى رأسهم عمر بن أبي ربيعة، وكان بيتها على غرار الصالونات الأدبية في القرن الفائت، مثل صالون مي زيادة، يتلاقى فيه الشعراء ويتسابقون بعرض سبائك شعرهم للفوز بمودتها.

ولا يفوتنا في هذا المقام ذكر الشاعر العربي الكبير ابن قيس الرقيّات، الذي عشق أكثر من فتاة اسمها رقية، ولهذا لُقّب بهذا اللقب، ولابن الرقيّات أبيات شعر يقولها في الثريا كما هو مذكور في ديوانه:

يا سليمان إن تُلاق الثريا/تلقَ عيش الخلود قبل الهلال

حبذا الحجُّ والثريا ومن بالـ/خيفِ من أجلها وملقى الرجال

درّة من عقائل البحرِ بكرٌ/لم تنلها مثاقب اللآلِ.

لم يتوقف أمر الاهتمام بالشعر والإنشاد والغناء على السّادة والأشراف من الرجال في مكة والمدينة فقط، بل تجاوزه إلى سيدات المجتمع الحجازي وشريفاته

وبعد انتقال ابن قيس الرقيّات إلى المدينة، نشأت صداقة وثيقة بينه وبين فِند، المغنّي المعروف، وريّا وسلّامة القس، حيث كان يجلس معهم وينصت لغنائهم شعره وشعر غيره من الشعراء العرب كما يذكر الأصفهاني في الأغاني، وقد كتب في ريّا وسلّامة أبياته ذائعة الصيت:

لقد فتنت ريّا وسلّامةُ القسا/فلم تتركا للقسِّ عقلاً ولا نَفسا

فتاتان فأما منهما فشبيهةُ الـ/هلالِ وأخرى منهما تشبه الشمسا.

وفي الختام حريّ بنا القول إن توقّف أهل مكة والمدينة عن العمل في التجارة كان في موسم الحج فقط، وتجنّبوا الحديث عن الخلافة وإرهاصاتها بعد مقتل الحسين وابن الزبير، وما كان لهذه الحوادث من عواقب وخيمة عليهم، مع الأخذ في الحسبان الفروض والأرزاق التي كانت تجري عليهم منذ عهد عمر بن الخطاب وحالة الرخاء والثراء في الحجاز بسبب أسلاب الفتوحات، وخير آية على ذلك، قول ابن خلدون في مقدمته: "إن بحار الرّفه زخرت لديهم حتى كان يُقسم للفارس الواحد في بعض الغزوات ثلاثون ألفاً من الذهب".

فخلق ذلك لهم فراغاً كبيراً ورفاهيةً منقطعة النظير، مما دفعهم إلى الاهتمام بشكل أكبر بالشّعر والغناء، بالإضافة إلى ما شكّله الموالي من إضافات نوعية في هذا اللون من اللهو العفيف، مما أسس لخلق ثقافة واسعة ومتنوعة ومنفتحة تدلل على حضارة المجتمع العربي الإسلامي، خاصةً في مكة والمدينة في الشّرق، وعلو كعبه وتقدّمه ورقيّه على باقي حواضر العالم الغربي في ذلك الوقت.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ماضينا كما يُقدَّم لنا ليس أحداثاً وَقَعَت في زمنٍ انقضى، بل هو مجموعة عناصر تجمّعت من أزمنة فائتة ولا تزال حيّةًً وتتحكم بحاضرنا وتعيقنا أحياناً عن التطلّع إلى مستقبل مختلف. نسعى باستمرار، كأكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في المنطقة، إلى كسر حلقة هيمنة الأسلاف وتقديم تاريخنا وتراثنا بعين لا تخاف من نقد ما اختُلِق من روايات و"وقائع". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. ساعدونا. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard