شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"بائعات الهوى" في شمال شرق سوريا… أجساد للانتقام أو لمن يدفع أكثر

حياة نحن والنساء

الجمعة 9 يونيو 202312:44 م

في أزقة المدن السورية خفايا كثيرة. خفايا تسترها أشعة الشمس ويفضحها سكون الليل. خفايا تجري من وراء ظهر العادات والتقاليد والطقوس، وأمام ناظري الحرب المندلعة هناك منذ أكثر من عقد من الزمن. خفايا لم تعد خافيةً على أحد في مدن متقاربة جغرافياً، مثل الرقة والحسكة ودير الزور.

في تلك المدن المحافظة، في الملبس ونمط الحياة وغيرهما، والتي لها تعريفها وعاداتها في كل ما يتعلّق بالشرف والأخلاق العامة وضرورة احترامها والمشي على هديها، لا مكان للتمرّد. كلّ شيء ممنوع يمشي في الخفاء، في الليل الذي يبيح حتى لمدّعي العفة ألا يتعففوا؛ لذا يبحث المحافظون في النهار عن الأجساد لشرائها، في الليالي الدامسة.

تقديم الجسد... للعيش

سميرة (اسم مستعار)، نزحت بعد اشتداد المعارك في مدينتها دير الزور، إلى مدينة الحسكة المجاورة والتي لا تختلف كثيراً عن سابقتها، اضطرت بعد أن فقدت كل أفراد عائلتها باستثناء أختها الصغيرة ووالدتها، إلى أن تستخدم جسدها لتعيلهم. تقول لرصيف22: "لم أكن أتصور أن مستقبلي سيكون بين أحضان رجال ذوي رائحة فم كريهة وأجساد مهترئة، لكن لي أسبابي"!

لم تصبح هذه الممارسات الفردية ظاهرةً في تلك المناطق، لكن يتم الحديث عنها بين حين وآخر في الجلسات الخاصة ووسط الدوائر الضيقة لكل شخص، أما أولئك الذين يتحدثون عن الأمر بشكل علني فهم عادةً يكونون قد صادفوا هذه الحالات، لذا يتناولون الموضوع من باب الشفقة عليهن أو من باب الأحكام المسبقة التي يطلقونها عليهن.

تتابع سميرة وتوضح لرصيف22 أسبابها: "عندما نزحنا من مدينتنا وذهب كل شيء معها، حاولت البحث عن عمل لكن دون جدوى، كنت بدايةً أرغب في عمل يناسب تحصيلي العلمي لكنني خضعت في النهاية للعمل كنادلة في أحد مطاعم الحسكة، إلى أن بدأ صاحبها يتودد إليّ وقد أحببته من كل قلبي، لأنه كان قد وعدني بالزواج وذلك ما لم يحصل بعدما أخذ أغلى ما عندي".

تركت المطعم بعد أن هجرني صاحبه، وبدأت أخدم زبائن جدداً، لكن هذه المرة على أسرّتهم أو في سياراتهم أو حتى في الحدائق العامة. كنت أضع سعراً لكل شيء، فالقبلة فقط بسعر، والجسد بسعر آخر

وتُعدّ خسارة العذرية أو ممارسة العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج في المجتمعات العشائرية أمراً مرفوضاً جملةً وتفصيلاً. تكمل الفتاة: "لم يبقَ لدي شيء أخسره، لن يرضى بي أحد للزواج إن اعترفت بما حصل، لذا كنت أرفض جميع من تقدموا بطلب الزواج مني خوفاً من أن أُكشف. تركت المطعم بعد أن هجرني صاحبه، وبدأت أخدم زبائن جدداً، لكن هذه المرة على أسرّتهم أو في سياراتهم أو حتى في الحدائق العامة. كنت أضع سعراً لكل شيء، فالقبلة فقط بسعر، والجسد بسعر آخر".

"جسدي ملكي وحدي"

لم تكن هيفين (اسم مستعار)، التي تقطن في مدينة القامشلي، فتاةً عشرينيةً عاديةً، فقد كانت كاملةً وفق الرأي الجمعي الذي تعيش وسطه؛ امتازت ببشرة ناصعة البياض، وعينين ملوّنتين وجسد ممتلئ، وهو ما لا يتوافر في الكثيرات هناك، والأهم أن وضعها الاقتصادي لم يكن كوضع سميرة، فهي ميسورة الحال، أو بمعنى أدق كانت إلى حد ما ثريةً، فما الذي يدفع بفتاة مثلها إلى أن تقدّم جسدها في سبيل حفنة من الأموال؟

تقول هيفين لرصيف22: "جسدي ملكي وحدي، أمتّعه، أبيعه... هذا شأن خاص بي. منذ متى أصبح هناك تقييد حتى على الأجساد التي نملكها؟ هم من فرضوا ذلك، عاداتهم وأديانهم والخوف… لربما هذا هو الشيء الوحيد الذي لم أستطع بعد التحرر منه؛ الخوف من أن يكشفني أحدهم أو يراني قريب أو جار وتصبح سيرتي على كل لسان".

وهناك دائماً طرق للتخفي والتصرف بحرية مطلقة في مثل تلك البقع الجغرافية، مثل أن ترتدي نقاباً أو أن تذهب عند منتصف الليل حيث لا كهرباء في بلاد خيّم عليها الظلام منذ سنين، أو ببساطة أن تذهب إلى مزرعة بعيدة كل البعد عن المحيطين بها.

لم تكن طرائق هيفين في التخفي نافعةً في كل الأوقات، فقد دفعني الفضول لأعرف تفاصيل حياتها الخاصة بعد أن رأيتها مصادفةً في سيارة رجل يكبرها بما يزيد عن ثلاثين عاماً، ولم يبدُ لي أنه أحد أقربائها. كانت نظراته إليها وكأن كل ما يريده هو إشباع غريزته.

لم يكن ذلك العجوز وحده من يلامس جسدها ويتحسسه حين يشاء، بل كانوا كثراً وكان أشبه بعمل بساعات دوام كاملة. تقول: "أنا فتاة غنية وأستطيع الزواج متى شئت من رجل أكثر ثراءً مني، لكن ذلك لم يحِن وقته بعد. لا أريد أن أكون ساذجةً ككثيرات من الفتيات اللواتي يقدّمن أجسادهن في سبيل الحب. أريد أن أستمتع بممارسة الجنس وأمتّع غيري، والأهم من هذا وذاك، أن أركب سيارتي الفارهة التي أهداني إياها أحدهم مقابل شهر من العسل عاشه معي".

وتضيف: "لماذا نقدّم أرواحنا وأجسادنا بالمجان؟ كل شيء له ثمن. حتى إن أردت الزواج سيدفع لي العريس مهراً لأشاركه حياته. ما معنى ذلك؟ أليس عملية بيع وشراء؟ وكما يقول المثل 'أنا غنية وأحب الهدية'".

ما زالت هيفين تعيش تحت كنف عائلتها، وتعمل أيضاً في منظمة مجتمع مدني وتتقاضى راتبها بالدولار الأمريكي، لذا لا يظن أهلها أو المحيطون بها أنها ستبيع الهوى مقابل المال، خاصةً أنها ليست بحاجة إلى ذلك.

لا أريد أن أكون ساذجةً ككثيرات من الفتيات اللواتي يقدّمن أجسادهن في سبيل الحب. أريد أن أستمتع بممارسة الجنس وأمتّع غيري

وينحصر عملها في عدد معيّن من الأشخاص المقربين ومحدثي النعمة من الذين ما أن استغلوا الحرب لصالحهم، حتى بدأوا باستغلال كل شيء حولهم، خاصةً النساء.

"بعت جسدي لأنتقم"

"طلّق أبي والدتي بعد أن هجرها، وذهب إلى زوجته الجديدة، فانتقمت أمي أيّما انتقام منا؛ راحت تشتمنا وتفرغ بؤسها بضربنا مذ كنا صغاراً. لم تحرمنا من الحب فقط بل حرمتنا أبسط حقوقنا ورغباتنا. كنت أبكي ساعات لأحصل على بنطال جديد، لنكبر ويكبر الأسى معنا، فأخي الوحيد يضربني حين يشاء ووقتما يشاء، ولا تسأليني عن العنف اللفظي فهذا جزء لا يتجزأ من حياتي، انتقمت منهم جميعاً ومن نفسي والقدر".

هذا هو ملخص حياة خديجة (اسم مستعار)، كما ترويه، وهي فتاة لم تبلغ منتصف العشرينات بعد، وتبيع جسدها بأبخس الأثمان في بيوت ومزارع في مدينة الرقة. تقول لرصيف22: "مرةً، ذهبت إلى منزل أحدهم ولم أكن أريد منه مالاً، كان شاباً وسيماً ويبدو أنه طيب، لكنه لم يكن سعيداً مع زوجته. عندما انتهينا، قال لي: كم تريدين؟ رفضت وبدأت بالبكاء، حينها أهداني زجاجة عطر وأوصلني إلى نقطة معينة بعيدة عن منزلي لأستقلّ بعد ذلك سيارة أجرة وأعود"، مشيرةً إلى أنها مع الوقت صارت تبريراتها وكذباتها مكشوفةً لعائلتها، وشقيقها يواظب على ضربها كل يوم؛ ما أن ينتهي تذهب هي إلى النوم.

لم تكن ترغب خديجة في إكمال تعليمها، ولم تحاول العمل أو تعلّم مهنة، وما أن بلغت فترة المراهقة حتى بدأت تفكر في أي طريقة لتنتقم من والدتها، فكانت بداية الطريق بالنسبة لها حين ذهبت إلى منزل صديقتها لتحتفل معها بعيد ميلادها. كل شيء بعد ذلك في حياتها اختلف. تقول: "ذهبت مع صديقتي إلى مزرعة بعيدة عن المنطقة، وقالت لي هناك سيكون كل الأصدقاء والصديقات ولن يعرفنا أحد وسنستمتع كثيراً. استيقظت صباحاً لأجد نفسي عاريةً إلى جانب رجل لا أذكره، فارتديت ملابسي وهربت مسرعةً، ولم أعلم حينها أنني لن أستطيع الهرب من هذا الطريق".

أصبحت خديجة اليوم الشغل الشاغل لأبناء الحي، وحديثهم الأوحد، فعادةً ما تجلس النساء والرجال على حد سواء أمام أبواب منازلهم، ويرونها تخرج وترجع في وقت متأخر. هم لا يعلمون تحديداً ما الذي تقوم به، لكنهم يتكهنون بأفكار وأحكام مطلقة حين يرون فتاةً تأتي في ساعة متأخرة أو تصعد سيارةً فارهةً وهي خارجة من بيت شديد التواضع.

وتختلف طرائق من يقدمن أجسادهن مقابل المال، وحتى أماكن تواجدهن في هذه المدن، في البيوت أو المزارع البعيدة أو حتى في الحدائق العامة، وبعضهن يقفن على الطرقات بطريقة لا تثير الانتباه، ولعل السمة الوحيدة لدى غالبيتهن هي اعتقادهن بجهل الآخرين بطبيعة عملهن، وأحياناً لا يعِرن اهتماماً لسرّية الموضوع أيضاً، فمن يدفع بالدولار الأمريكي ليس كالذي يساوم على الأجر، فالأول يحق له ما لا يحق للثاني.

من يحمي النساء؟

يقول المختص النفسي يوسف أحمد لرصيف22: "قد تكون هذه الحالة طوعيةً برغبة المرأة أو قسريةً، تحت تهديد أو إكراه وضرب أو حتى طرد من العمل، أو ببساطة تحت ضغط العامل المادي والذي يُعدّ ربما سبباً رئيسياً لهذه الحالة بسبب الفقر والوضع الاقتصادي السيئ ونتيجة عدم وجود معيل أو تحت ضغط المعيل سواء أكان زوجاً أو أباً، وقد يكون تجارةً جنسيةً كفرص العمل الوهمي في دول ومدن أخرى، وهناك أسباب غيرها أيضاً".

مرةً، ذهبت إلى منزل أحدهم ولم أكن أريد منه مالاً، كان شاباً وسيماً ويبدو أنه طيب، لكنه لم يكن سعيداً مع زوجته. عندما انتهينا، قال لي: كم تريدين؟ رفضت وبدأت بالبكاء

ويضيف: "بحسب علم النفس، فإن ممارسة بعض النساء لمثل هذه التصرفات واتخاذها عملاً، حالة مرضية تتجاوز الشبق أو الرغبة الجنسية المرتفعة وقد تكون بسبب شعورهن بالنقص وعدم الثقة بالنفس، لذا يتجهن إلى بيع الجسد في سبيل طلب القبول من الآخر".

برأيه، "المجتمعات العشائرية والمغلقة تختلف فيها الأسباب والنسب على حد سواء، فربما تدرج العلاقة الغرامية ولكنها تبقى في السرّ ولعل الرادع لممارسة الدعارة هي الجرائم بحجة الشرف وهو ما يختلف عن بلدان ودول أخرى، إذ ما زالت هذه المجتمعات غير منفتحة على مثل هذه التصرفات، أو على المساكنة أو العلاقات الغرامية حتى".

ويشدد أحمد على أهمية أن تكون هناك مؤسسات تحمي النساء اللواتي يتعرضن للضغوط، التحرش والاغتصاب سواء في العمل أو من قبل المقربين وإيجاد فرص عمل في بيئة آمنة لإبعاد الكثيرات ممن يعملن في الدعارة بسبب العوز المادي عن هذا الواقع، ومن الضروري نشر الوعي في المجتمع من خلال الإعلام وغيره، لأن الآثار النفسية والجسدية وخيمة، ولكن هناك طرائق للتخلص من ذلك من خلال الاستشارات النفسية أو زيارة الطبيب لمعالجة الشبق الزائد إن وُجد".

وعلى الرغم من عدم وجود بيوت للدعارة في مدن شمال شرق سوريا، وتنامي هذه الظاهرة، إلا أنه قلّما يُذكر أنه تم القبض على شبكة دعارة مثلاً، علماً أنه يتم استخدام بعض الأماكن، ومنها كافتيريا (م) في مدينة الحسكة، لابتزاز فتيات أو الاختلاء بهن مقابل المال.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard