شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
تسليح المدنيين... السودان يخطو خطوته الأولى نحو الحرب الأهلية

تسليح المدنيين... السودان يخطو خطوته الأولى نحو الحرب الأهلية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الخميس 1 يونيو 202312:56 م

تداول السودانيون، الأحد 28 أيار/ مايو الجاري، مقطع فيديو يُظهر مدنيين في منطقة شرق النيل، شرقي العاصمة الخرطوم، يطلقون الرصاص بكثافة ابتهاجاً بتحرير أفراد من المنطقة اعتقلتهم قوات الدعم السريع.

تُقدّم هذه الحادثة ملامح عن المستقبل الذي ينتظر السودان، بعد أن أعلن وزير الدفاع الفريق يس إبراهيم، الجمعة 26 أيار/ مايو، التعبئة العامة بدعوته متقاعدي الجيش والقادرين على حمل السلاح للتوجه إلى المناطق العسكرية لتسليحهم بغرض تأمين أنفسهم وحرماتهم وجيرانهم وحماية أعراضهم والعمل وفق خطط هذه المناطق.

فُسرت هذه الدعوة بأنها دعوة لتسليح المدنيين، في أعقاب دعوات قوى حليفة للجيش وأخرى ذات ارتباط بنظام الرئيس المعزول عمر البشير، وسرعان ما حذرت قوات الدعم السريع من أنها خطوة لإشعال الحرب الأهلية.

وفي اليوم التالي من إعلان وزارة الدفاع، استنفرت قوات الشرطة متقاعديها والقادرين على حمل السلاح في العاصمة الخرطوم، بالذهاب إلى شرطة المحليات، من أجل تأمين الأحياء السكنية والمناطق الحيوية.

ودعا حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، الأحد، أهالي الإقليم بما في ذلك النساء وكبار السن إلى حمل السلاح لحماية ممتلكاتهم، على أن تُساندهم الحركات المسلحة في الدفاع عنها، مبرراً نداءه بتضاعف الاعتداءات على المواطنين.


وصفة مثالية... نحو الفوضى!

منذ اندلاع القتال بين الجيش والدعم السريع، في 15 نيسان/ أبريل الفائت، تكاثفت دعوات تسليح المدنيين للقتال بجانب الجيش في أحياء العاصمة الخرطوم السكنية التي تنتشر قوات الدعم السريع في معظمها، كما تحتل منازل المواطنين الذين فروا منها أو من التي أخلتها منهم قسرياً.

يقول المحلل السياسي عبد الحافظ عبد اللطيف لرصيف22، إن تسليح المواطنين في الخرطوم أو دارفور يُعدّ وصفةً مثاليةً للانجرار إلى الحرب الأهلية واسعة النطاق.

ويضيف: "عندما يحمل المواطنون السلاح حتى لو لهدف محدد، كما قد يرى أصحاب الدعوة إلى تسليحهم، سيتحولون بعد فترة قصيرة إلى وقود لحرب الكل ضد الكل، وحينها سيصبح من الصعب تمييز الصفوف ومن يحارب من وأهداف المتحاربين".

ورأى أن محاولة السلطات العسكرية وحاكم إقليم دارفور تسليح المدنيين، بمثابة تبرير فشلهم في تنفيذ واجباتهم الخاصة بحماية السُّكان، هذا إن لم يكن هناك مخطط خبيث لإشعال حرب أهلية.

ويوضح أنه لم يسمع عن تجربة في العالم تنازلت فيها السُّلطات العسكرية، عن دورها في حماية المواطنين لتتطلب منهم حماية أنفسهم بحمل السلاح، مع افتراض أن المواطن يجيد استخدام السلاح على أقل تقدير.

ويتابع: "دعوة تسليح المدنيين هي دعوة بائسة تسيئ إلى سمعة السلطات العسكرية، وتظهرها بصورة العاجز عن أداء دوره. كما أنها تسيئ الى كفاءة حاكم إقليم دارفور وعجزه عن حفظ الأمن تحت مبررات هشاشة الأوضاع واتساع نطاق الحوادث والتعقيدات السياسية".

كان السودانيون في السابق يحذرون من حمل السلاح، باعتبار أنه أخ الشيطان، لكنه يتوقع الآن أن يسرعوا في الحصول عليه

نموذج "الجنينة" الذي يمضي فيه السودان

قبل اندلاع الحرب، أفادت إحصائية رسمية صادرة في 13 شباط/ فبراير الماضي، بوجود ثمانية ملايين قطعة سلاح في أيدي المواطنيين، لم تتمكن الدولة خلال الفترة من 2016 إلى 2020 من جمع غير 300 ألف قطعة منها.

وأسهمت الحرب التي اندلعت في إقليم دارفور، ابتداءً من 2003، في تجارة الأسلحة بمختلف أنواعها، بما في ذلك الأسلحة النارية الآلية والقنابل الصاروخية والمسدسات والبنادق بعيدة المدى وعالية الدقة وصواريخ أرض-جو، وفقاً للأمم المتحدة.

وبعد تفجر القتال بين الجيش والدعم السريع، نهب مواطنو مدينة الجنينة في ولاية غرب دارفور، من بينهم أطفال، أكثر من 9 آلاف قطعة سلاح خفيفة وثقيلة من مخازن الشرطة وجهاز المخابرات العامة، ليؤدي هذا في خاتمة المطاف إلى تحول الحرب إلى نزاع أهلي بعد أقل من 10 أيام من اندلاع القتال.


وأدى النزاع الأهلي في الجنينة بين القبائل العربية وقبيلة المساليت الإفريقية، إلى نهب أسواق المدينة ومراكز الشرطة والأمن والخدمات الحكومية والخاصة بما في ذلك المستشفيات، بجانب لجوء آلاف السكان إلى تشاد بحثاً عن الأمن.

إن محاولة تسليح المدنيين تعني تحويل السودان بكامله إلى الجنينة، وعندما يسود قانون الغاب لا مكان للضعيف فيه أو الرافض حمل السلاح، لأنهما ببساطة سيلقيان حتفيهما برصاص الغاضبين.

ونظراً إلى حالة الاحتقان الاجتماعي، جراء عدم الاستقرار السياسي والمظالم التاريخية، بجانب انتشار الحركات المسلحة في وسط البلاد وغربها، فإن تسليح المدنيين يعني ببساطة أنه ينبغي توديع الإنسان السوداني الذي نعرفه، إذ إن للسلاح منطقه الخاص وتحالفاته المؤقتة.

كان السودانيون في السابق يحذرون من حمل السلاح، باعتبار أنه أخ الشيطان، لكنه يتوقع الآن أن يسرعوا في الحصول عليه من مخازن الشرطة والجيش لحماية أنفسهم من النهب أو المشاركة في القتال أو الانخراط في أعمال العنف الأهلي المحتملة.

انتشار السلاح في السودان، في ظل انعدام الأمن وتقلص الموارد الاقتصادية بسبب الحرب، يؤكد أن الأسوأ قادم وقريباً.

قادة حرب جُدد

ويقول المحلل الأمني عباس محمد، إن انتشار وسائل العنف بعيداً عن سلطة الدولة أو على الأقل ضمن نطاق رقابتها، ينفي وجود الدولة من الأساس، وهذا حال السودان قبل اندلاع الحرب. حيث كانت السُّلطة تعمل على توجيه حاملي السلاح من المليشيات للدفاع عما تعتقد أنه في صالحها وقمع الآخرين الذين يحملونه، لكن الآن لا تُوجد سُّلطة سواء كانت شرعيةً أم لا.

ويشير إلى أن السلاح المنتشر حاليّاً في أيدي المدنيين والذي سيوزَّع عليهم لاحقاً من مخازن الجيش أو الشرطة، مع غياب السُّلطة، سوف يُستخدم بدايةً للقتال لصالح أحد طرفي الحرب، لكن سرعان ما سيوجَّه إلى تصفية الخلافات الشخصية والعشائرية، مما يعني انزلاق البلاد إلى الحرب الأهلية.

ويحذر عباس محمد، من احتمال أن يقود انتشار السلاح إلى بروز قادة حرب جُدد بمطامع سياسية، وعندها سيستخدمون السلاح ضد من يقاتل معه الآن، إن لم تُعطِ هؤلاء ما يريدون. ويشدد على أن السيناريو المتفائل عن وضع السودان الراهن، هو ذهابه إلى الفوضى.

تقول اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء، إن حرب الجيش والدعم السريع تسببت في مقتل 865 مدنياً، فيما تتحدث الأمم المتحدة عن فرار 1.4 ملايين شخص من منازلهم، منهم أكثر من مليون فرد نزح داخلياً؛ لكن العدد الفعلي للقتلى والفارين من منازلهم أكثر من المؤكد، نظراً إلى صعوبة الحصر مع استمرار الاشتباكات.

إن انتشار السلاح في السودان، في ظل انعدام الأمن وتقلص الموارد الاقتصادية نتيجةً لتوقف أعمال معظم السودانيين بسبب الحرب، يؤكد أن الأسوأ قادم وقريباً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard