شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
ساعةُ كتفي... وستٌ وسبعون قُبلة

ساعةُ كتفي... وستٌ وسبعون قُبلة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والتنوّع

الأحد 4 يونيو 202311:01 ص

الحواس


تتزين الإناث بالحُليّ، لتمنحها مزيداً من الأنوثة والرّتابة، وقد يبدو الأمر لطيفاً! على صعيدي الشّخصي لم أحبّ يوماً أن أرتديها، لأنّها تعطيني شعور القيد والتّكلف. حتى الفتحتان اللتان تمّ إحداثهما في أذني عندما كنت طفلة وألبسني فيهما أبي وأمي "حَلَق ذهب" كان يُشعرني دائماً بثِقَل مقيتٍ في أًذنَيّ، نزعته من أذني لأخسر تلك الفتحتين نتيجة التحام الجلد مكانهما مع مرور الوقت. ولا أذكر تماماً أنّي ارتديت ساعة، كان هناك ساعة يد لأمي تقادَمَ حزامُها وبقيت علبة السّاعة، فاحتفظتُ بها لمدةٍ في جيبي لأستدلّ على الوقت، خاصةً أيام الامتحانات، وعندما اشتريت أول هاتف محمول نسيت أمرها تماماً، ليصبح هاتفي المحمول دليلي للوقت.

"يقسو الحبيبان قَدْر الحبّ بينهما"

بعد شهر من الاتصالات التي لم نصل في واحد منها لنتيجة، والتي غالباً ما كانت الأحاديث خلالها تُبتَر بفعل تغطية الاتصالات التي كانت تختفي لساعات فجأة. كنتُ على وشك الانفجار، قلتُ لكَ: "لو كان الإنسان قابلاً للانفجار، لكان سيذهب ضحايا بسببي". هدّدتُكَ بعدّة عبارات، وكانت شبكة الاتصالات تنقطع كل عدّة دقائق، الأمر الذي كان يزيد من غضبي. قلتُ: "أريد أن نلتقي، لأزيح كلّ هذا الغضب من فوق كتفَيّ". قلتَ ممازحاً: "مكان الغضب هو صدر الإنسان، وليس كتفَيه".

انقطع الاتصال، عاودتَ الاتصال مجدداً، وتابعت: "ولنفترض أنّنا في لقائنا هذا، وقعنا في حبّ بعضنا مرةً ثانية؟". أجبتُ: "يستحيل ذلك. عليك أن تستعد للقاء فتاة جامدة، ولا تتفاجئ من طريقة سلامي التي ستكون رسمية، فأنا غير ذاهبة للقاء حبيبي، أنتَ الآن شخص آخر، نسخة مختلفة عن ذاك الرّجل الذي أحببته، أشتاق لتلك النّسخة وليس لكَ، لكنّها ما عادت موجودة".

كان كلامي قاسياً ومسَّ حزناً دفيناً حاولتَ لسنواتٍ إخفاءَه عن محيطك، إذ يُصيبُكَ خجلٌ حقيقيٌ من تصدير مشاعر الحزن للآخرين، فقد عرفك الجميع بصورة رجل ممتلئ بالطّاقة الإيجابية، يُضفي شعور الفرح أينما تواجد، قادر على تبسيط أمورٍ يظن الآخرون أنّها مُعقّدة بعبارته المختصرة الشّهيرة: "بسيطة.. محلولة"، بمزاج جيد وضحكة ساحرة وسيجارة مُشرّعة دائماً.

هدّدتُكَ بعدّة عبارات، وكانت شبكة الاتصالات تنقطع كل عدّة دقائق، الأمر الذي كان يزيد من غضبي. قلتُ: "أريد أن نلتقي، لأزيح كلّ هذا الغضب من فوق كتفَيّ". قلتَ ممازحاً: "مكان الغضب هو صدر الإنسان، وليس كتفَيه"... مجاز

وعرفتُكَ عاشقاً مشاغباً، يُلقي عباراته الغزلية المُشبعة بالحميمية، بأصابع من فصيلة الكينا تعرف تماماً كيف تُحيلني لامرأة. أجبتني بصوت انخفض بفعل الألم: "نعم، أنتِ تتكلمين بدقة، بالفعل ما عدتُ موجوداً. حتى أنّي غير مُتعَب، فأنا أشبه بميت! في الأمس كنتُ سأكتب على صفحة فيسبوك: لم أعد أريد شيئاً، لكن منعني عن ذلك إحباط النّاس العام. فما الفائدة من هذه العبارة؟ من سيهتم والجميع هنا أموات؟ وبالمناسبة، أنا أيضاً اشتقت لتلك النّسخة منّي، أفتقدها كثيراً".

شعرتُ بأنّي قسوتُ عليك فعلاً، وأحسست بتعبك انتقلَ دفعةً واحدة ليستقر في صدري، تمنيت في هذه اللحظة أن أضمّكَ ونغفو، فالعتاب الذي لا ينتهي كان قد أرهقني، قلت: "سلامتك. اختر غداً أو بعد غدٍ لنلتقي، أريد حقاً إنهاء كلّ الأحاديث العالقة بيننا وبين شبكة الاتصالات".

ساعةُ كتفي الجديدة

طوال الطّريق وأنا أرتّب كلماتي وأحاول انتقاء أقلّها قسوةً. أعددت قائمة عتابٍ لكلّ المواقف التي تراكمت فولّدت كلّ ذاك الغضب في داخلي، قلتُ لنفسي: "سأصل الكافيه، أمدّ يدي للسّلام، مع ابتسامة خفيفة صفراء، ثمّ أجلس، وسأرفض سيجارة العربي التي اعتدت أن تلفّها لي قائلاً: ح لفلك وحدة slim. سأتحجج بأنّي لا أحمل مَشرَب الدّخان الذي أهديتني إيّاه في لقائنا الأول، سأدّعي أنّي تخلصت منه، أطعمتُه لأسماك البحر مثلاً، وسأطلب فنجان قهوة ولن أشربه طبعاً، لأنّي لا أحبّ القهوة، سأتكلّم بجدية دون النّظر إلى تفاصيل وجهك، ولن أميل بيدي لملامسة أصابعك، سأتجاهلُها تماماً كأنّها لم تُصبني بالوله يوماً".

نتحدّث في كثير من الأشياء باستثناء تلك التي بقيت عالقة مع شبكة الاتصالات، نقترب بين الشّيء والشّيء لنسرق قُبلةً، فأبتسم أنا وساعتي الموشومة على كتفي، بينما أصابعي تلهو بأصابعك... مجاز

كلّما اقتربت من الكافيه التي اعتدنا الجلوس فيها، كلّما زادت ابتسامتي، وبدأتُ أشعر بأنّ لي جناحين يجعلاني أطير فرحاً، فأبطأتُ سرعتي في المشي الأشبه بالجري، ثمّ توقفت لأوبخ نفسي على هذه الابتسامة التي باتت مُفرطة، وما إن نظرتُ أمامي حتى وجدتُك تنتظرني على زاوية الشّارع قبل باب الكافيه بقليل، وكلّ ما حدث أنّي صرختُ باسمك مُتجهةً صوبك على عجل، ثمّ تركتُ ذراعَيّ تلتفان حول عنقِكَ الذي ارتعش لقُبلتي، وهمستُ في أذنك: "اشتقتلك كتير"، في تلك اللحظة قمتَ بِعَضِّ كتفي الأيسر، راسماً ساعة هي الأجمل في حياتي، وعلى عكس كلّ السّاعات التي منحتني شعوراً بأنّها قيدٌ مقيتٌ، منحتني ساعتي الجديدة شعورَ حبورٍ أزالَ خلال ثوانٍ غضباً نامَ أياماً على كتفي.

ستٌ وسبعون قُبلة

اقتربت الفتاة التي تعمل في الكافيه سائلةً ماذا نودّ أن نشرب، نظرتَ إليّ مُجيباً: "متة"، فأومأتُ برأسي بالقبول، في هذه الأثناء كان بين يديك ورقة سيجارة تملؤها بالتّبغ، لففتَها كالعادة بخفة المحترف، وقدّمتها لي قائلاً: "هيدي سيجارة Slim..."، وبسرعةٍ أخرجتُ مَشرَبك الذي أحتفظ به في حقيبتي منذ أهديتني إيّاه، كحرزٍ يحميني أينما ذهبت. أشعلتَ لي السّيجارة قائلاً بلؤم عاشق: "على أساس سلام رسمي؟ كنت خايف منك بصراحة، ومن الغضب على كتفك"، ضحكنا ونحن نقترب من بعضنا لنسترق قُبلةً قبل أن يلمحنا أحد.

 على هذا النّحو أكملنا اللقاء، نتحدّث في كثير من الأشياء باستثناء تلك التي بقيت عالقة مع شبكة الاتصالات، نقترب بين الشّيء والشّيء لنسرق قُبلةً، فأبتسم أنا وساعتي الموشومة على كتفي، بينما أصابعي تلهو بأصابعك.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard