شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
خطاب الفخر... من عمرو بن كلثوم حتى سليمان العيسى

خطاب الفخر... من عمرو بن كلثوم حتى سليمان العيسى

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي

الاثنين 29 مايو 202311:59 ص

ليس عبثاً أن قال العرب: "لسانك حصانك"، فهم يمتطونه في معاركهم الكبرى والصغرى، متسلحين بسيف البلاغة الصارم البتّار، الصقيل الجزار، يشهره الفارس المغوار على ظهر حصانه الكرّار. والعرب أصحاب أنَفَةٍ وإباء، وشممٍ وكبرياء، فهم "أعزّ بني الدنيا وأعلى ذوي العُلا"، على رأي الحمداني أبي فراس، لا يدانيهم في المجد قوم ولا يقاربهم في العزة ملوك الفرنجة. يرضعون الكبرياء منذ نعومة أظفارهم ولا يقبلون لوليدهم المفطوم بأقلَّ من "تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا"، وذلك منذ أن أعلنها عمرو بن كلثوم رافعاً أنفه الأشم: "ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا". موقف بطولة دوّنته المراجع وفات المخرج أنزور في سلسلة كواسره وبواسله وفوارسه.

فالفخر بابٌ من أبواب الشعر العربي على مرّ العصور والدهور جنباً إلى جنب مع الهجاء والوصف والوقوف على الأطلال والحب والحكمة. وقد يفخر الشاعر بنفسه أو بقبيلته أو بكلتيهما، أو بشيخ قبيلته الذي يقودهم إلى النصر والتسيّد، وقد يفخر الشاعر بحصانه الذي يأتي بالمعجزات في ساح الوغى كما يفيدنا امرؤ القيس في معلقته بوصفٍ بليغ: "مِكرّ مِفَرّ مقبلٍ مدبرٍ معا"، أو بسيفه كما فعل عنترة بن شداد الذي استخدمه كمبضع جراح فقال: "وسيفي كان في الهيجا طبيبا... يداوي رأسَ من يشكو الصداعا". ثم إن هيبة عنترة تكفي لاجتراح المعجزات وهو جالس تحت النخلة يلف رِجلاً على رِجل ويحلم بعبلته: "ولو أرسلتُ رمحي مع جبانٍ... لكان بهيبتي يلقى السباعا". هيبة عنترة العبد المملوك لسيده تنتقل إلى رمحه أنّى حلّ، فما بالك بالسيد زعيم القبيلة الذي يأمر فيُطاع!

والفخر البليغ يشير إلى نزعة قوية نحو تضخيم الذات أو الجماعة وإعلاء مكانتها لتحوز من الهيبة ما يكفي، أو لتعوّض ما يكفي من الشعور بقلة الهيبة، فيأتي الكلام المصفوف ليحل محل الأفعال.

إذا كان العرب ماضياً قد افتخروا بما حققوه من غزوات وانتصارات وتسيّد، فإن العرب المعاصرين، ورثوا القول والكلام الكثير والخطابة الفارغة والتعالي الأجوف من دون أن يرثوا قدرة الفعل إلا على محكوميهم

أما سحيم بن وثيل، فإنه نار على علم يعرفه القاصي والداني في مشارق الأرض ومغاربها، حتى أني لِمتُ نفسي لأني لم أسمع باسمه إلا حديثاً "أنا ابن جَلّا وطلّاع الثنايا... متى أضع العمامةَ تعرفوني"، لكنه لا يداني أبا الطيب المتنبي الذي جمع المجد من أطرافه في بيته الشهير: "الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني... والسيف والرمح والقرطاس والقلم"، وقد كان يفخر ويمدح نفسه في القصيدة ذاتها أكثر مما يمدح أميره الحمداني سيف الدولة الذي تساهل معه فلم يأمر حاجبه الجلاد بأن "املؤوا فمه ذهباً، وفي الصباح اقطعوا رأسه". وبدوي الجبل أحد الورثة العظام للمتنبي حين أكد الحقيقة التي لا تقبل الجدل؛ "الخالدان -ولا أعدّ الشمس- شعري والزمان".

وأكدت الحكم والأقوال المأثورة التي تحفظها أوراق التقويم ذي الـ365 ورقةً أنّ "البُغاثَ بأرضنا يستنسِرُ"! هكذا، ولتضربْ قوانينُ الطبيعة والبيولوجيا رأسَها بالجدار، فإن بغاث العرب تستنسر في المهد لتفقأ عين من يفكر في التطاول على مقام العرب السامي الذي يتسنّمونه بكل طمأنينة "فَعِشْ متسنّماً ذرواتِ فخرٍ... تجاري الشهبَ في شأوِ الصعود".

حتى صديقنا "اللزم" أبو العلاء المعري، فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة لم ينجُ من فخ العظمة حين تيقّن من فرادته وقدرته فقال: "إني وإن كنت الأخيرَ زمانه... لآتٍ بما لمْ تستطعه الأوائل". ويُروى في الحكايات الشعبية أن صبياً قال لأبي العلاء بعد هذا البيت: هات الحرف التاسع والعشرين في العربية، فأسقط في يد المعري وتنبأ للصبي بالموت القريب لشدة عبقريته.

ومن نافل القول إن ألفاظ شعر الفخر يجب أن تتميز بالقوة والفخامة، تملأ فم القائل وأذن السامع، وما زلت أذكر كيف تعلمنا في الصف العاشر أن نكثر من استخدام كلمة "جَزْلَة"، في وصف مفردات الشعر بعد أن كررها أستاذ العربي ثلاث مرات فاستنتجنا أنها "كويسة"، وأنسب وصف يرضى عنه مدرسو اللغة العربية ويضعون له العلامة، لما له من وقع يوحي بقدرة الطالب على فهم الشعر وشرحه وتفسيره.

ولشدة ما تُكثِر العرب من الكلام فخراً ووصفاً وهجاءً، فقد سمّت نفسها أمة البيان، وإنّ من البيان لسحرا. والشعر ديوان العرب، تجد فيه أخبارهم وأسرارهم وثقافتهم وأخلاقهم وحكمتهم وعباداتهم، وقصص معاركهم وصراعاتهم وعلاقاتهم بالفرس والروم، ومعايير جمال نسائهم الحسناوات الكعاب من ربات الحجال، وكيف يكثرون لأصدقائهم التقريظ والمديح ولخصومهم القدح والتجريح. خلاصة القول إنه فعلاً ديوان العرب لأمة تقول ما تفعل وما لا تفعل، أو ما تنوي أو ترغب في فعله.

وقد أضحى التباهي بالقوة، والتأكيد على الجبروت، والاستهانة بالعدو الغاشم قليل الشأن، وتهديده برد كيده إلى نحره، وسحقه ومحقه بأصبعٍ واحدة، من الثوابت القومية الراسخة في الأدب شعراً ونثراً، وفي الخطابة والغناء والمسرح واللوحات الجدارية، والشعارات المكتوبة والمرددة ومنهاج التربية القومية والوطنية والندوات الحوارية والمؤتمرات الوطنية. ولا يتعارض ذلك في عرف الشعراء والخطباء مع سلسلة لا تتوقف من الهزائم والكوارث التي تضرب في العمق.

وقد تكون معلقة عمرو بن كلثوم التي ذكرنا بعضها أعلاه خير مثال على الزهو بالنفس ورؤية الخصوم والأعداء والآخرين عموماً من شرفات بروج العز والعلا، فيبدون صغاراً أقزاماً يثيرون ضحك السادة الأحرار والملوك الأخيار. وهنا قد نجد الجذور القديمة للخطاب البعثي المنتشي بتميّزه ورفعته مقابل هوان الآخرين وتفاهتهم في بيت عمرو: "ونشربُ إن ورَدْنا الماءَ صَفْواً... ويشربُ غيرُنا كَدرا وطينا". فمن الأقوال المأثورة لأمين فرقة بعثي مخاطباً المنتسبين الصغار -بعد تفصيح الخطاب- "اعتز بنفسك يا رفيق، فأنت بعثي، انظر إلى غيرك كيف يخجل من التصريح بانتمائه السياسي"!

دول بكاملها تعيش دهراً على الكلام، حيث لا يكفيك علم النفس الاجتماعي ولا تحليل فرويد وتلامذته، ولا أوليات الدفاع النفسية في "التعويض والإنكار والتبديل"، لتستوعب هذا القدر الهائل من التطبيل للنفس وللثورات والمسيرات الكفاحية العنيدة والإنجازات الفريدة

ولسليمان العيسى شاعر البعث دور المؤسس في الشعر لخطابة الفخر حين يتحقق المستحيل؛ "على أقدامنا سقط المحال... وأورقت الرجولة والرجال". وللخطاب البعثي في الفخر حكايات وحكايات تملأ بطون المجلدات حتى لتنافس أغاني الأصفهاني. ولأهمية الخطابة في مسيرة الإنجازات البعثية فقد استحدثوا باباً في المواهب الطلائعية أسموه "الخطابة والفصاحة"، وأقاموا له المهرجانات والمسابقات والجوائز، ويقف فيه الطفل الطليعي رافعاً يديه الاثنتين منشداً: "أنا بعثٌ"، يتوقف هنيهة ويعيد بنبرة أعلى محرّكاً يديه في الهواء: "أنا بعثٌ وليمت أعداؤه... عربيّ عربيّ عربي". علماً أني لم أعثر على جثث أعدائه في أي مكان، مما يذكرني بطيّب الذكر جرير حين قال: "زعم الفرزدق أن سيقتل مِربعا... أبشر بطول سلامة يا مِربع".

وإذا كان العرب ماضياً قد افتخروا بما حققوه من غزوات وانتصارات وتسيّد، فإن العرب المعاصرين، ورثوا القول والكلام الكثير والخطابة الفارغة والتعالي الأجوف من دون أن يرثوا قدرة الفعل إلا على محكوميهم. دولٌ بكاملها تعيش دهراً على الكلام، حيث لا يكفيك علم النفس الاجتماعي ولا تحليل فرويد وتلامذته، ولا أوليات الدفاع النفسية في "التعويض والإنكار والتبديل"، لتستوعب هذا القدر الهائل من التطبيل للنفس وللثورات والمسيرات الكفاحية العنيدة والإنجازات الفريدة. لذا، كلّما حلّت بهم نكبة من نكبات المجرّة التي لا تتوقف، انتصروا بالخطابة... على الهواء مباشرةً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard