شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"إنها ليلة الخميس"... عن نساء يسهرن وحدهنّ في بارات أربيل

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحريات الشخصية

الثلاثاء 30 مايو 202301:19 م

إنها ليلة الخميس في مدينة أربيل، المدينة التي تنتظر غروب الشمس لتنير أبنيتها بأضواء زاهية، وتعلن قدوم الليل حيث يتوق العشاق والمكسورون/ ات والمتروكون/ ات والمشتاقون/ ات، إلى أن يرفعوا/ ن كؤوسهم/ نّ لتطفئ شرارة الكحول أفئدتهم/ نّ المحترقة.

تعيش الشابة السورية ليلى، مع صديقتها الإيطالية إيلينا في منزل واحد في مدينة أربيل. تمر الساعات بطيئةً وخاويةً من أي أملٍ بتغيير مفاجئ أو حبيب يحملها إلى حفلة صاخبة ترقص فيها دقات قلبها على إيقاعات الموسيقى.

الفراغ يملأ دقات الساعة

تتجول ليلى بين المطبخ وغرفة المعيشة، وتتفقد هاتفها بين الفينة والأخرى. تسألها إيلينا عن السبب، فلا تجد جواباً. تحاول أن تشرح لصديقتها بالإنكليزية عن الفراغ، الفراغ الذي يملأ دقات الساعة وطبق الطعام، والمنزل، لكن لغتها الإنكليزية تخونها برغم تأكيد إيلينا أنها فهمت تماماً مقصدها.

تقول ليلى، لرصيف22: "بينما كنت أتحدث، كانت إيلينا تهزّ برأسها لتؤكد أنها تفهم، ثم فجأةً قالت: دعينا نذهب إلى البار وحدنا، نحن لا نحتاج إلى أي رجل للذهاب إلى هناك، لتكن تجربتنا الأولى هنا في أربيل، لنذهب وحدنا من دون أن نطلب من أي صديق مرافقتنا ولنرقص مع الموسيقى اليوم".

وصلت الفتاتان بسروالين من الجينز وقميصين قطنيين. كان البار في مجمّع "إمباير" الفخم في أربيل، وكانت المرة الأولى التي تدخلان فيها إلى هذا المكان. نظرت إيلينا حولها ووجدت أن جميع الفتيات بكامل أناقتهنّ.

كأس بيرة مشترك

عن هذه الليلة، تقول ليلى: "كانت حفلة 'سالسا'. الجميع هنا يتقنون الحركة مع كل نغمة موسيقية، أجساد الفتيات تتمايل بين أيدي الشبان وأصوات الكعب العالي تطرق الأرض مع كل اهتزاز، جلسنا على إحدى الطاولات، وبعد برهة اكتشفنا أن سعر زجاجة البيرة الصغيرة 10 آلاف دينار عراقي، أي ما يعادل 7 دولارات أميركية. نظرنا إلى بعضنا وقلنا للنادل بصوت واحد: سنتشارك زجاجةً واحدةً".

"دعينا نذهب إلى البار وحدنا، نحن لا نحتاج إلى أي رجل للذهاب إلى هناك، لتكن تجربتنا الأولى هنا في أربيل، لنذهب وحدنا من دون أن نطلب من أي صديق مرافقتنا ولنرقص مع الموسيقى"

تضحك ليلى وتكمل: "لم تكن المشكلة في غلاء سعر البيرة فقط، بل في افتقادنا رجلاً نثق به يشاركنا تناولها أو يدفع ثمنها. كنا نفتقد ذلك الرجل الذي سيدفع ثمن زجاجة البيرة لأنه يعشق حبيبته ويريد أن يشرب ويرقص معها، أما الرجال الذين يدفعون ثمن المشروب لقاء غايات جنسية، فكانوا متوفرين بكثرة ومنتشرين في البار".

بيلا تشاوو!

بدأت جولة الرقص الثانية. تقدّم شاب بقميص مورّد نحو إيلينا، ليدعوها إلى الرقص. تقول: "أجبته بأنني لا أتقن السالسا، لكنه أمسك بيدي وقادني إلى ساحة الراقصين والراقصات، ووضع يدي فوق كتفه، ويده حول خصري، وراح يقود خطواتي مع الموسيقى".

تشرح ما جرى: "في البداية كان الأمر جيداً، لكنه عندما ألصق جسده بجسدي امتلأ أنفي برائحة عرقه، فتوقف جسدي عن الاستجابة لخطواته، ثم حاولت التملّص، لكنه كان ممسكاً بقوة فانتفضت بحركة سريعة، بلا أي قصد، وكمحاولة للهروب، دُست بكامل وزني على قدمه فصرخ متألماً".

هرولت ليلى إلى إيلينا، تسألها عمّا جرى، بينما كانت الأخيرة تحاول أن تقود الشاب إلى أقرب كرسي، حيث خلع حذاءه لتفوح منه رائحة جواربه. تقول ليلى: "كانت إيلينا تطلق جملاً سريعةً باللغة الإيطالية وهي تساعده. عندما عدنا إلى المنزل سألتها: ماذا كنتِ تقولين؟ فخرجت من الغرفة ضاحكةً وقالت: لم أقل شيئاً مهماً، بيلا تشاوو".

وحدنا في البار

تجلس الشابة السورية جينا في غرفتها، تتفقد إعلان الحفلات الموسيقية هذا الخميس، وتقلّب حسابها عبر إنستغرام، فتتوقف عند إعلان لحفلة دي جي في فندق روتانا أربيل. يدور حديث خاطف في رأسها: فندق محترم بخمس نجوم، لن يكون غريباً أن تزوره فتيات بمفردهنّ. تنقل حوارها هذا إلى صديقتها العراقية ميسم، التي تتردد قليلاً خوفاً من أن تصادف حبيبها السابق هناك، فيظن بأنها تطارد الرجال. تجيبها جينا ضاحكةً: "هوي مش فاضيلك بيكون عم يطارد النسوان".

كان المطعم ممتلئاً بالشبان والشابات من مختلف الجنسيات، خاصةً الأوروبية منها، وكما توقعت جينا، وجود فتيات وحدهنّ أمر غير ملاحظ تماماً وسط ازدحام المكان وصخب الموسيقى وقرع الكؤوس. تقول جينا لرصيف22: "برغم شعوي بالوحدة وافتقادي حبيباً بقربي إلا أن مذاق الفودكا وصوت الموسيقى ملآ قلبي بالحياة مجدداً، أما ميسم فقررت أن تسكر في ذلك اليوم".

كان صوت الموسيقى مرتفعاً. دخلت الفتاتان الحلبة، وبدأتا بالرقص بكامل أنوثتهما، بلا أي قيود على حركة الصدر أو الخصر أو القدمين. تمايلتا مع الموسيقى وشربتا الفودكا وكأنهما داخل فيلم سينمائي، حيث كل شيء يبدو بسيطاً، ومقبولاً ورائعاً، تقول جينا: "كان كل شيء مذهلاً إلى أن لمحتُ مديري في العمل يدخل مع شابة طويلة ممتلئة ويجلس على إحدى الطاولات".

"برغم شعوي بالوحدة وافتقادي حبيباً بقربي إلا أن مذاق الفودكا وصوت الموسيقى ملآ قلبي بالحياة مجدداً"

تضيف: "حاولت إخبار ميسم بأن مديرنا هنا لكنها لم تسمعني. طلبت أن أرفع صوتي أكثر، فأمسكتُ ذراعها وقُدتها إلى الخارج حيث المسبح، كانت ميسم قد شربت ثلاثة كؤوس من الفودكا وبدأت تشعر بالدوران لأن المطعم وفّر عرضاً بنصف السعر لكل كأس فودكا. نظرت ميسم بعينين ثقيلتين إليّ وقالت: لن يرانا، هو مشغول بفتاته، ثم وهي تحاول العودة، تعثرت وسقطت في المسبح".

خذلان بطعم الفودكا

تحكي ميسم القصة: "كنتُ أعيش حالةً من الخذلان بعد أن انفصل عني شريكي. استمعت إلى الكثير من المحاضرات عن ضرورة تجيير الألم إلى شيء مفيد لأصبح فتاةً بشخصية قوية، لكني أردت شيئاً فورياً سريع المفعول. كانت الفودكا الحل الأنسب، لكن لم أخطط أبداً للسقوط في المسبح".

ماذا حدث بعدها؟ تجيب ميسم: "بدأت بالسباحة إلى أن وصلت إلى الدرج الداخلي للمسبح. خرجت بملابسي المبللة، ورأيت شباناً يحدّقون في جسدي، نظراتهم كلها شهوة ورغبة، برغم أنني كرهت أعينهم المعلّقة على جسدي إلا أن شيئاً ما في داخلي كان سعيداً، وكأن نظراتهم أعادت شيئاً من تلك الأنوثة المكسورة في داخلي، فجبّرت الروح المخذولة ولو لبضع ثوانٍ، حيث كانت جينا تنتظرني وبيدها غطاء وضعته على جسدي".

"رأيت شباناً يحدّقون في جسدي، نظراتهم كلها شهوة ورغبة، برغم أنني كرهت أعينهم المعلّقة على جسدي إلا أن شيئاً ما في داخلي كان سعيداً، وكأن نظراتهم أعادت شيئاً من تلك الأنوثة المكسورة في داخلي"

للأسف، تعاني العديد من النساء في المجتمعات العربية من الأحكام القاسية التي يطلقها المجتمع بحقهنّ، عندما يحاولن العيش بحرية ويختلف مفهوم الحرية لدى النساء عنه لدى المجتمع الذي يرى خروج المرأة للسهر في البار أمراً مرفوضاً وتكمن وراءه احتمالات عدة لأسباب اختيار المرأة لهذا النوع من نمط الحياة، بينما ترى المرأة نفسها أن الأمر أبسط من ذلك بكثير: إنها مجرد سهرة لنسيان الماضي أو لبداية جديدة. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

خُلقنا لنعيش أحراراً

هل تحوّلت حياتنا من مساحةٍ نعيش فيها براحتنا، بعيداً عن أعين المتطفلين والمُنَصّبين أوصياء علينا، إلى قالبٍ اجتماعي يزجّ بنا في مسرحية العيش المُفبرك؟

يبدو أنّنا بحاجةٍ ماسّة إلى انقلاب عاطفي وفكري في مجتمعنا! حان الوقت ليعيش الناس بحريّةٍ أكبر، فكيف يمكننا مساعدتهم في رصيف22، في استكشاف طرائق جديدة للحياة تعكس حقيقتهم من دون قيود المجتمع؟

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard