شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
هل يلتهم الذكاء الاصطناعي الصحافيين الأردنيين؟

هل يلتهم الذكاء الاصطناعي الصحافيين الأردنيين؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الثلاثاء 2 مايو 202303:52 م
Read in English:

Is artificial intelligence taking over journalism in Jordan?

من العمل في مصانع المدن السياحيّة، مروراً بالمقاهي وليس انتهاءً بسوق الخضروات، تتلخص رحلة العمل التي مرَّ بها خريج تخصص الإعلام من إحدى الجامعات الأردنيّة زيد الحيصة (25 عاماً).

حبّه للإعلام، ورغبته في إيصال صوت الناس ونقل قصصهم، دفعا زيد لاختيار هذا التخصص، وقد حاول البحث عن تدريبٍ في الإعلام أو عملٍ جزئي فيه خلال دراسته الجامعيّة، إلا أنَّ الأبواب المغلقة واشتراط الخبرة في العمل كانا في مواجهته دائماً. يقول لرصيف22: "للأسف، أغلب الشركات بدها خبرة رغم إنه خريجي الإعلام عندهم طاقة وإبداع".

ويرى الحيصة، أنَّ رقمنة الإعلام والتقدّم التكنولوجي سيساعدان خريجي الإعلام ويسهّلان التعامل مع الوظيفة وفهمها، إلا أن التحديات ستتمثل في متابعة رجلٍ آليٍّ يتحدث على الشاشة ببرودٍ ومن دون مشاعر عن القضايا التي تمسّ الناس وقضاياهم، بحسب تعبيره.


أول مذيعٍ في الأردن

قبل أسبوعٍ، أعلنت قناة "رؤيا" الفضائيّة الناطقة باللغة الإنكليزية عن إطلاق ما وصفته بأول مذيعٍ يعمل عن طريق الذكاء الاصطناعيّ في الأردن، اسمه فريد، وقد تمت برمجته للحديث باللغة العربيّة كذلك.

وقْعُ الخبر لم يكن إيجابياً على بعض خريجي الصحافة والإعلام الذين عبّروا عن ذلك من خلال تعليقاتهم على المنشور في صفحة القناة عبر فيسبوك وإنستغرام بـ"درسنا 4 سنين ع الفاضي".

تقول خريجة تخصص الإعلام غدير البيطار (31 سنةً)، إنَّ الواسطة تلعب دوراً كبيراً في العمل الإعلامي، فهناك من يعملون من دون حصولهم على شهادةٍ جامعيّةٍ في التخصص، ومع دخول الذكاء الاصطناعيّ إلى سوق العمل فإنه "إن كانت هناك فرصة 10% للعمل فسوف تنقطع الآن".

وتتابع بأن الأخبار التي يقرأها الذكاء الاصطناعيّ ستكون بلا روح، وكأنها تُقرأ من المواقع مع الافتقار إلى التلوين في الصوت والمعاملة الثابتة للأخبار سواءً أكانت حزينةً أو مفرحةً.

الإعلام والبطالة

وصل معدل البطالة في الأردن خلال الربع الثالث من عام 2022، إلى نحو 23.1%؛ بحسب دائرة الإحصاءات العامة الأردنيّة، فيما أعلن نقيب الصحافيين الأردنيين عام 2018، عن تجاوز أعداد الخريجين آنذاك الثمانية آلاف خريج من دون وجود فرص عمل لهم في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها وسائل الإعلام.

بين وحش تقني قادم بقوة، وفرص عمل تنكمش، وسقف حريات ينخفض، يقف صحافيو الأردن على مفارق الطرق الضيقة، آملين بأن تحمل لهم الأيام فرصةً أوفر في عالم التقنيات الوافدة عليهم

وكشف رئيس ديوان الخدمة المدنيّة الأردنيّ سامح الناصر، خلال تصريحاتٍ صحافية في شهر آب/ أغسطس الماضي، أنَّ تخصص الصحافة والإعلام في الأردن هو واحدٌ من التخصصات الراكدة للذكور والإناث والتي سيتوقف الديوان عن استقبال طلبات التوظيف فيها.

وهو ما يدفع للتساؤل حول أهميّة وجود الذكاء الاصطناعيّ في التوظيف؟ وإلى أي مدى يؤثر ذلك على خريجي الإعلام والعاملين فيه في المملكة؟

المؤسسات تحتاج إلى التطوّر

يقول الرئيس التنفيذي لشركة "Osh" للتكنولوجيا وصناعة الذكاء الاصطناعي شحاتة السيد، لرصيف22، إن استخدام الذكاء الاصطناعيّ بات فرضاً على المؤسسات الصحافية لما يتيحه من مميّزاتٍ تتمثل في توفير تكاليف التشغيل وجودة المنتج وسرعة التدفق الخبري، مضيفاً أن العناصر البشريّة لن تكون بدقته وسرعته.

ويرى السيّد الذي تُعدّ شركته مالكةً لمشروع دليل المصادر المفتوحة للصحافيين العرب، أن المؤسسات تحتاج إلى أن تطوّر في شكلها وشكل منتجاتها لتعطيها طابعاً ذكياً باعتبار ذلك من أولويات الجمهور واهتماماته.

وتتمثل الصعوبات من وجهة نظره في عدم وجود بنية تحتيّة في المؤسسات لاستقبال التقنيّة، والروتين الموجود عند معظم المؤسسات الصحافية في المنطقة العربية غير المقتنعة بهذا التطوّر، مؤكداً أنَّ عمر المؤسسات التي لن تتجه إلى هذا النوع من التقنيات، سيكون قصيراً، وستغلق أبوابها.

الذكاء الاصطناعي والبشر

في دراسةٍ أصدرتها شركة الاستشارات المهنية الأمريكيّة ماكنزي، عام 2019، توقعت أنَّ 800 مليون عاملٍ على مستوى العالم سيفقدون وظائفهم بحلول عام 2030، وسيتم استبدالهم بالأنظمة الآليّة، فيما سيحتاج نحو 357 مليون شخصٍ إلى تعلّم مهاراتٍ جديدة وتغيير وظائفهم إلى وظائف مطلوبة في سوق العمل، ومن ضمن هؤلاء الصحافيون.

تلك الدراسة لم تكن الوحيدة التي تطرّقت إلى هذ الأمر، ففي العام الحالي أجرى فريق من الباحثين بقيادة جامعة برينستون الأمريكيّة، بحثاً حول أي المهن أكثر تأثراً من صعود الذكاء الاصطناعي، خاصةً توسع انتشار "ChatGPT" القادر على فهم اللغة وإجراء محادثات مع البشر واقتراح العديد من الإجابات في آن معاً.

وكانت مهنة الصحافة، بحسب ما توصل إليه البحث، واحدةً من المهن المهددة؛ إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي تجميع التقارير الرياضية ومراقبة حركة سوق الأوراق المالية وتلخيصها.

من جانبه، يرى السيّد، والذي يُعدّ أيضاً أحد أعضاء الاتحاد الدوليّ للصحافيين، أنَّ من المستحيل أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر، سواء في القطاع الصحافي أو في أي قطاع آخر، إلا أنَّه سيقلل عدد الصحافيين في المؤسسات الصحافيّة، مشدداً على أنَّ "الذكاء الاصطناعي لن يكون بديلاً من الصحافي البشري في أي شكل". ويشير إلى أنَّ الصحافي الذي يطوّر مهاراته ويواكب التطور التكنولوجي لن يؤثر عليه الذكاء الاصطناعي، وعلى العكس من ذلك فإن الذين ما يزالون يعتمدون على الأساليب التقليديّة أو القديمة في العمل الصحافي سيتسبب الذكاء الاصطناعيّ في إنهاء حيواتهم العمليّة.


الآلة والمشاعر

ولعل الجدليّة الأبرز في الذكاء الاصطناعيّ العامل في الإعلام، تكمن في قابليته لامتلاك مشاعر تساعد على نقل الأخبار إلى الجمهور، خاصةً الأخبار ذات الطابع الإنساني.

وعام 2022، صرّح المهندس لدى شركة "غوغل" بليك ليموين، لصحيفة واشنطن بوست، بأنه لم يكن على علم بماهية "لامدا"، وهو برنامج دردشة تعمل الشركة على تطويره بتقنية الذكاء الاصطناعي، قائلاً: "ظننتُ أني أتحدث إلى طفل في السابعة أو الثامنة من عمره مطّلع في الفيزياء".

وعندما قدّم ليموين دلائله للشركة، منبّهاً إلى أن البرنامج الآلي واعٍ، ردت الشركة بتعليق عمله إدارياً، فيما أظهر مهندس البرمجيات، أغويرا أركاس، في مقال نشره في "ذي إيكونوميست" البريطانيّة، مقاطع من محادثات أجريت مع "لامدا"، تشير إلى أنَّ الشبكات العصبية للبرنامج، وهي تكوين هندسي يحاكي الدماغ البشري، بل يقترب من ان يكون له وعي وهو ما نفته غوغل.

والوعي هنا يعني بحسب "ذي إيكونوميست"، القدرة على التعبير عن الأحاسيس، مثل العطش أو الإضاءة المرتفعة أو الارتباك، إلا أنها قد تستخدم أيضاً للإشارة إلى الذكاء المشابه للبشر في طبيعته.

وفي هذا الصدد، يؤكد السيد ضرورة تعلّم الصحافيين للذكاء الاصطناعي بأنواعه وأشكاله وتقنياته وأدواته كلها بشكل كبير، ومعرفة طرق توظيفه في العمل الصحافي، سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أو على مستوى المؤسسات.

توقعت بعض الدراسات أنَّ 800 مليون عاملٍ على مستوى العالم سيفقدون وظائفهم بحلول عام 2030، وسيتم استبدالهم بالأنظمة الآليّة

الأردن والذكاء الاصطناعي

يشير التقرير العالمي الصادر عن مؤسسة Insights Oxford البريطانية، والذي يقيس جاهزية الحكومات لتبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى تقدّم الأردن خلال العام 2022، إلى المرتبة السادسة عربياً والمرتبة 63 عالمياً، متقدماً 17 درجةً في المؤشر العام مقارنةً بالمرتبة 80 في تقرير عام 2021.

فيما وظفت بعض المؤسسات الإعلاميّة الأردنيّة تقنيات الذكاء الاصطناعيّ في إنتاج البودكاست والتحقيقات والتقارير بأنواعها وأشكالها.

وحول إطلاق مذيع الذكاء الاصطناعيّ "فريد"، تقول مديرة القسم الإنكليزي في "رؤيا"، دانا الشرايري، لرصيف22، إنَّ القسم لاحظ هيمنة الذكاء الاصطناعيّ على الساحة الإعلاميّة واستخدامه في بعض المؤسسات، وساعدهم وجود مختصة بالذكاء الاصطناعي على معرفة الأدوات والخطوات للتعامل معه.

وتمثلت التحديات التي واجهتها رؤيا، الناطقة باللغة العربيّة، في صعوبة نطق "فريد"، لبعض حروف اللغة، بالإضافة إلى محدوديّة الخيارات في تصميم شكله ليكون أقرب إلى الشكل العربي، مؤكدةً أن وجوده لن يؤثر على فرص خريجي الإعلام، بل سيسهل عمل غرف الأخبار، خاصةً عند عدم توفر مذيعين متاحين لبث الأخبار العاجلة.

من جانبه، قال وزير الاقتصاد الرقمي والريادة أحمد الهناندة، إن قطاع تكنولوجيا المعلومات والخدمات في الأردن يملك درجةً عاليةً من التنافسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وأضاف أن البلاد تضم شباباً لديهم مهارات بمستوى عال في مجال الذكاء الاصطناعي والتعامل مع هذه التقنيات مما يتوافق مع المبادئ الأخلاقية الأساسية التي يتضمنها الميثاق الوطني لأخلاقيات الذَّكاء الاصطناعي.

وتم إقرار الميثاق من قبل مجلس الوزراء الأردني، لضمان الاستخدام المسؤول للذَّكاء الاصطناعي بما يحفِّز الإبداع والابتكار.

بين وحش تقني قادم بقوة، وفرص عمل تنكمش، وسقف حريات ينخفض، يقف صحافيو الأردن على مفارق الطرق الضيقة، آملين بأن تحمل لهم الأيام فرصةً أوفر في عالم التقنيات الوافدة عليهم.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard