شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
اغتصاب أطفال المغرب... جرائم بشعة وقضاة متسامحون؟

اغتصاب أطفال المغرب... جرائم بشعة وقضاة متسامحون؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

السبت 15 أبريل 202304:19 م
Read in English:

Morocco's shameful secret: Light sentences and lenient judges for child rapists

أثارت قضية الطفلة سناء (لم تبلغ بعد 12 سنةً من العمر)، من ضواحي مدينة تيفلت المغربية، وهي ضحية الاغتصاب المتكرر من ثلاثة أشخاص والذي نتج عنه حمل، أسئلةً مقلقةً حول القضاء المغربي، خاصةً بعد الأحكام الابتدائية المخففة التي صدرت في حق الجناة والتي لم تتجاوز السنتين، والتي لم تكن رادعةً لمثل هذا الفعل الشنيع والمتكرّر في مختلف المناطق المغربية، والذي لا يسلم منه الأطفال إناثاً وذكوراً، ما يستدعي مساءلة القضاء المغربي والمشرّع تحديداً، لمعرفة الأسباب الكامنة وراء هذه الأحكام المخففة، والسلطة التقديرية الواسعة للقضاة، والتي لا تتناسب في الغالب مع تلك الجرائم الشنيعة التي تستبيح جسد الأطفال.

سناء، 12 سنة، تعرضت للاغتصاب الذي نتج عنه حمل، لكن حكم قاض في المحكمة الابتدائية على المغتصبين الثلاثة كان مخففا ما أثار غضب المجتمع المغربي. فهل المشكلة في العدالة؟

مع سناء من تيفلت، ومريم من ميدلت، وعدنان من طنجة، وأمينة الفيلالي من العرائش، وقبلهم أطفال القنيطرة ضحايا الاغتصاب من طرف "غالفان" البيدوفيلي الإسباني، وضحايا الاغتصاب والقتل من طرف "سفاح تارودانت" وغيرهم، يسائل الاعتداء الجنسي المجتمع والمشرّع المغربي، خاصةً أنه برغم الأحكام المتباينة التي صدرت في حق الجناة، ما زال جرم الاغتصاب يتكرر، وما زالت أجساد الأطفال تستباح في المغرب، ما يجعلهم عرضةً لعنف مضاعف: عنف الجرم المرتكب في حقهم، وعنف القانون الذي لا ينصفهم في أغلب الأحوال، وهو ما يعني أن تلك العقوبات ليست رادعةً ولا مجديةً للحد من هذا العمل الشنيع وحماية الأطفال.

أحكام جائرة... لولا الرأي العام؟

خير دليل على هذه الأحكام غير المنصفة، هو ما قامت بتصويبه محكمة الاستئناف في الرباط في قضية الطفلة سناء من "دوار الغزاونة"، في ضواحي مدينة تيفلت.

إذ كان الحكم الابتدائي على ثلاثة متهمين صادماً، فبرغم الطابع المشدّد للقضية حكمت المحكمة بمعاقبة الأول والثاني بالسجن النافذ لمدة سنتين في حدود 18 شهراً، والسجن النافذ لمدة سنتين للمتهم الثالث، على الرغم من أن هذا الاغتصاب نتج عنه حمل، وهو ما دفع الجمعيات والفاعلين الحقوقيين إلى التنديد بهذا الحكم والمطالبة بإعادة النظر فيه، كما أن وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، نفسه، قد عبّر عن دهشته واستنكاره لهذا الحكم المخفَّف في حق الجناة، خاصةً أنه نتج عنه حمل وولادة، لكنه الاستنكار الذي لم يرُق لهيئة نادي القضاة التي عدّته "خرقاً لاستقلالية القضاء"، وتصريحاً غير مقبول من وزير العدل. غير أن محكمة الاستئناف أعادت النظر في هذا الحكم بضغط من الجمعيات الحقوقية ومن الشارع، لأن القضية تحولت إلى قضية رأي عام، ورفعت العقوبة السجنية إلى عشرين سنةً في حق أحد المتهمين، فيما حكمت على المتهمين الآخرين بعشر سنوات لكل منهما. كما قضت بدفع المتهم الرئيس مبلغاً قدره 60 ألف درهم (نحو 6 آلاف دولار)، كتعويض للضحية، وشريكيه مبلغ 40 ألف درهم (نحو 4 آلاف دولار) لكل واحد منهما.

قانون صارم... وقضاة "متسامحون"؟

تُعدّ جريمة الاغتصاب في القانون المغربي جنايةً، وتتراوح عقوبتها من 5 إلى 10 سنوات، ومن 10 إلى 20 سنةً حين تكون الضحية قاصراً، وإذا استعان الشخص في اعتدائه بشخص أو بعدد من الأشخاص فالعقوبة تصبح من 20 سنةً إلى 30 سنةً، وإذا أضيف إلى ذلك افتضاض البكارة تكون العقوبة بالضبط هي 30 سنةً، حسب الفصل 488 من القانون الجنائي المغربي.

وفي الفصل 146 من القانون الجنائي المغربي، إذا تبيّن للمحكمة أن الجزاء المقرر للجريمة في القانون قاسٍ بالنسبة إلى خطورة الأفعال المرتكبة أو بالنسبة إلى درجة إجرام المتهم، فإنها تستطيع أن تمتّع المتهم بظروف التخفيف، إلا إذا وُجد نص قانوني يمنع ذلك، وهذا ما يلجأ إليه أغلب القضاة حسب الناشط في مجال حقوق الإنسان شكيب الخياري، وهو ما اعتمدت عليه هيئة الحكم في قضية طفلة تيفلت.

في ظل الأحكام المتباينة يجب على المشرّعين أن يضعوا إطاراً قانونياً أشد وضوحا لقضايا الاعتداء الجنسي

يوضح الخياري في تصريح لرصيف22، أن "مسألة انعدام السوابق القضائية واقعة لا يمكن الجدل بشأنها وهي تُعدّ وحدها من ظروف التخفيف، إلا أن اعتبار المحكمة أن الجزاء المقرر في القانون للجريمة كان قاسياً بالنسبة إلى خطورة الأفعال كونه سبباً ثانياً للتخفيف، فهو أمر مردود عليه، لأن التناوب على ممارسة الجنس على قاصر غير مميز بالنسبة لجميع المتهمين، واغتصابها من طرف آخر، وتُعدّ جرائم خطيرةً، وفي هذا الشقّ يمكن عدّ أن الهيئة قد تمادت في إعمال ظروف التخفيف وحتى في تكييف الأفعال كونها مجرد هتك عرض بالنسبة لجميع المتهمين، في حين أن أحد المتهمين يلزم أن يُدان بارتكابه جريمة الاغتصاب".

ويشير الفاعل الحقوقي إلى أن المشكلة تكمن في النص القانوني، لأنه يفسح مجالاً للسلطة التقديرية للقاضي بشكل "كبير وعبثي"، إذ نجد أن بعض الجرائم يمكن للقاضي أن يحكم فيها بعقوبة من 5 سنوات إلى 20 سنةً، وهو مجال زمني هائل، ويمكن لقاضٍ أن يحكم في قضية بخمس سنوات وفي قضية أخرى مماثلة على مستوى جميع الظروف بعشرين سنةً. ولهذا السبب فإن المشرّع، كما يقول الخياري، ملزَم بالتدخل تشريعياً لتضييق مدة العقوبات.

ويؤكد الخياري أن جريمة الاغتصاب، وبسبب أنها تُعدّ من الجرائم التي يمكن فيها إعمال ظروف التخفيف، لأن المشرّع لم يستثنِها من ذلك، فهي تؤدي إلى أن يُحكَم على المتهم بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات، ويمكن أن تكون هذه العقوبة موقوفة التنفيذ مع إلزامية تعليل الحكم. ولهذا فإن "إصدار حكم مخفف بهذه الدرجة، وإن لم يكن منصفاً، فهو بمقتضى القانون 'حكم عادل' لأنه استند إلى مقتضيات القانون، التي تفرّغ فلسفة العقاب من محتواها الذي يلزم أن يوازن بين السجن وبين إصلاح الجاني".

الإصلاح القانوني هو الحل

أما رئيسة "فدرالية رابطة حقوق النساء" سميرة موحيا، فتقول في تصريح لرصيف22، إن هذا الحكم المخفف شكّل صدمةً لجمعيتها وللمنظمات والفاعلين الحقوقيين في المغرب كلهم، لأنه لا يتطابق مع فظاعة الجريمة المرتكبة وبشاعتها في حق الطفلة سناء، التي تعرضت لاغتصاب متكرر من طرف جناة متعددين، ونتج عنه افتضاض بكارة وحمل ووضع للطفل ريان (عمره الآن سنة وشهر واحد)، وأنه "حكم ضد سناء وليس لصالحها، فهي اغتُصبت لمرات من طرف الجناة، وثانياً من طرف القانون الذي لم ينصفها لا هي ولا ابنها ولا أسرتها".

هذا الحكم المخفف شكّل صدمةً للمنظمات والفاعلين الحقوقيين في المغرب كلهم، لأنه لا يتطابق مع فظاعة الجريمة

توضح المتحدثة أن الأسباب التي تجعل هذه الأحكام مخففةً بهذا الشكل، تكمن في أن القانون الجنائي المغربي اليوم عمره أكثر من ستين سنةً، وهو "قانون متجاوز وغير دستوري، وقانون يكرس الكثير من الظلم والدونية في كل ما يتعلق بالعنف المبني على النوع، وكل ما يتعلق بالاغتصاب وجسد النساء والفتيات وكرامتهن، وأحكامه متخلفة وهي نتيجة للسلطة التقديرية الواسعة للقاضي".

تؤكد الفاعلة الحقوقية أن هذا الحكم وغيره من أحكام سابقة، تسائل مفهوم السلطة التقديرية الواسعة التي لدى القضاة وتأويلها حينما يتعلق الأمر بالعنف المبني على النوع أو الاعتداءات الجنسية أو الاغتصاب، لأن التأويل يأتي دائماً لصالح العقلية والثقافة الذكوريتين اللتين لدى القضاة، وهما ما يُنتج مثل هذه الأحكام التي تمتّع الجناة بظروف التخفيف من دون أي مراعاة للضحايا. وتقول: "السلطة التقديرية الواسعة للقضاة تبرّر العنف وتطبّع معه، وتجعل النساء أو الفتيات مذنبات ومسؤولات عمّا يقع لهن. لهذا وجّهنا رسالةً إلى وزير العدل لإعادة النظر في هذا القانون الجنائي والإسراع في إخراج قانون جديد يكون ملائماً للعصر، وطالبناه بتقييد السلطة التقديرية للقضاة بنص، حتى لا يظل باب التأويل مشرعاً، خاصةً في ما يتعلق بالاغتصابات والاعتداءات الجنسية على النساء والفتيات والأطفال".

تطبيع مع العنف

تتساءل سميرة موحيا، عن أسباب التطبيع مع هذا العنف المركّب الذي يطال النساء والفتيات، وعن تخفيف الحكم على المتهمين مراعاةً لظروفهم وغياب السوابق لديهم، فيما لم تتم مراعاة ظروف الطفلة سناء ووضعيتها، وهي الطفلة التي تربي طفلاً، وعن التدابير الحمائية لها ولأسرتها، والتي غابت عن منطوق الحكم في هذه القضية، خاصةً أن الطفلة اغتُصبت من طرف أشخاص من محيطها، والمتهم الرئيسي بيته ملاصق لبيتها، وقد أثبتت الخبرة الطبية، العلاقة البيولوجية بين أحد المتهمين والطفل ريان، ولكن لم تتّخذ أي تدابير لتحديد نسبه، حتى يتمتع الطفل بحقوقه كلها وتتم حمايته من الضياع ومن المجهول الذي ينتظره.

 جسد المرأة الذي ما زال في القانون الجنائي، وحتى في مدوّنة الأسرة والمخيال المغربي، يُعدّ ملكاً للأسرة والآخر، ومعياراً للشرف والأخلاق، وليس ملكاً للنساء والفتيات

ولهذا السبب، تقول رئيسة "فدرالية رابطة حقوق النساء"، إنهم راسلوا الجهات المسؤولة كلها ومن ضمنها رئاسة النيابة العامة من أجل تطبيق التدابير الحمائية المنصوص عليها في قانون محاربة العنف ضد النساء، وطالبوا بتشديد العقوبة في ما يتعلق بالاستغلال الجنسي والاعتداءات والاغتصاب، وعدم تمتيع المغتصبين بظروف التخفيف، وتقييد السلطة التقديرية للقضاة، وتكوين القضاة في العنف المبني على أساس الجندر، وتطبيق الاتفاقيات الدولية وثقافة حقوق الإنسان. كما تطالب بضرورة تغيير النظر إلى جسد المرأة الذي ما زال في القانون الجنائي، وحتى في مدوّنة الأسرة والمخيال المغربي، يُعدّ ملكاً للأسرة والآخر، ومعياراً للشرف والأخلاق، وليس ملكاً للنساء والفتيات، ولهذا نجدها دائماً في المرتبة الثانية داخل الأسرة والمجتمع وفي المجالات كلها؛ جسدها مستباح، وأي عنف أو اعتداء على هذا الجسد، دائما تُساءَل هي بخصوصه، وغالباً ما يبرَّر هذا العنف بأن المرأة هي المذنبة وهي التي يجب أن تخجل وتحافظ على هذا الجسد لأنه شرف المجتمع والعائلة".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard