شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
أهالي ريف حمص أمام خيارين... بيع الأراضي للمحظيين من رجالات النظام أو (...)

أهالي ريف حمص أمام خيارين... بيع الأراضي للمحظيين من رجالات النظام أو (...)

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتنوّع

الجمعة 14 أبريل 202301:41 م
Read in English:

In Homs, you either sell land to the regime's men or they take it from you

"قصتي بدأت عندما طلب مني سمسار يُدعى كاظم يحيى مرتضى، يعمل في شراء العقارات والأراضي في ريف حمص، وهو من قرية المختارية ذات الغالبية الشيعية والمحاذية لمدينتنا تلبيسة، شراء أرض تعود ملكيتها لي، وتبلغ مساحتها 5 دونمات في منطقة المسجر جنوب المدينة، المحاذية للمختارية والقريبة أيضاً من قرى عتون، والنجمة، وملوك، وجميعها قرى تسكنها أغلبية شيعية موالية لنظام الأسد".

بهذه الكلمات يبدأ يوسف شيخ طه (49 عاماً)، حديثه إلى رصيف22، ويقول: "قدّم لي عرضاً مالياً مغرياً بلغ 32 دولاراً للمتر الواحد، وهو عرض لا يمكن لمن يعانون من ويلات الجوع والحرمان من أبسط مقومات الحياة رفضه، لكنني فعلت لأنني لا أرغب في بيع أرضي، فأنا لا أملك سواها، وبرغم محاولاته المتكررة إلا أنني تمسكت بموقفي".

بعد ذلك بنحو أسبوعين، في شباط/ فبراير عام 2019، وفي أثناء توجّه شيخ طه إلى مدينة حمص لتلقّي العلاج كونه مصاباً بمرض السكري، قام حاجز يتبع للأمن العسكري عند مدخل مدينة حمص، وتحديداً بالقرب من الكاراج الخارجي، باعتقاله من دون أي سبب، بعد أن طلب هويته الشخصية والنزول من الميكرو باص، وتم نقله إلى فرع الأمن العسكري في حمص.

من هناك بدأت قصة الرجل الأربعيني في إجباره على بيع أرضه. يروي أنه بعد اعتقاله، تواصل السمسار مرتضى مع زوجته متذرعاً بأنه يحاول التواصل مع زوجها، ولكن هاتفه مغلق، فأخبرته الزوجة بأن يوسف تمّ اعتقاله، فعرض عليها إخراجه من السجن وهو كما قال، يعرف أحد ضباط النظام في فرع الأمن العسكري.

بعد بسط النظام سيطرته على كامل ريف حمص، نشطت حركة بيع العقارات لصالح عدد من ضباط النظام أو من المتنفذين

يقول يوسف: "أخبر السمسار زوجتي بأن المساعدة ستكلّفها 8 آلاف دولار، ثم عرض عليها شراء الأرض بعد أن أخبرته بعدم امتلاكها هذا المبلغ، فوافقت زوجتي على أن يكون الدفع بعد خروجي من السجن، والمفاجأة أنه عرض سعراً أقل بكثير من الذي عرضه عليّ، وهو 19 دولاراً للمتر الواحد فقط، فوافقت زوجتي من دون تردد وفعلاً خرجت من السجن بعد اعتقال دام 28 يوماً من دون أي تحقيق معي في الفرع".

يكمل حديثه: "تيقنت من أن اعتقالي كان فقط من أجل إرغامي على البيع، وبعد خروجي من السجن توجهت فوراً مع أسرتي إلى لبنان، وبعد مدة وصلت إلى فرنسا عن طريق الأمم المتحدة ضمن برامج إعادة التوطين".

التسوية والابتزاز

يروي الصحافي محمد عروب (34 عاماً)، المتحدر من مدينة تلبيسة في ريف حمص، في حديثه إلى رصيف22، أن سعر متر الأرض في ريف حمص يتراوح بين 13 و19 دولاراً للمتر المربع، بحسب سماسرة العقارات، ويكون السعر بحسب موقع هذه الأرض، وما إذا كانت صالحةً للبناء أو الزراعة، ومعظم مالكي الأراضي في ريف حمص غير قادرين على استثمار أراضيهم بالشكل الأمثل والاعتماد عليها في معيشتهم.

ويفنّد أسباب ذلك بالتالي: "ارتفاع أسعار البذور والفلاحة والحصاد ناهيك عن صعوبة تأمين مياه الري وصعوبة نقل المحصول أو تصريفه، عدا عن كون معظم الناس يعيشون الآن على الكفاف، ما يجعل مسألة البيع أمراً وارداً بالنسبة لهم. ومن يتمسك بأرضه، تُدفع له أسعار أكثر من 19 دولاراً للمتر المربع، ومن يرفض يتم تهديده والتضييق عليه بطرق شتى لإجباره على البيع".

ويعطي عروب مثالاً على ذلك: "محمود بكور هو أحد سكان تلبيسة، ويمتلك قطعة أرض بنى عليها عدداً من المحال التجارية مع بناء مرفق بها على مساحة نحو 10 آلاف متر مربع، وتقع على الطريق الواصل بين مدينة تلبيسة وبلدة الغنطو، وهو موقع مميز جداً. عُرض عليه بيعها أكثر من مرة لكنه رفض. بعدها بفترة ليست بعيدةً تعرض للاغتيال في مدينة تلبيسة، على أيدي مجهولين بطلقة في الرأس أمام منزله وجميع أهل ريف حمص يعلمون بذلك".

لكن هل من إثبات على أن اغتياله له علاقة بالأرض؟ يقول الصحافي المتابع لما يجري في مدينته: "لا أستطيع الجزم، بيد أن سيرته الحسنة وعدم تدخله في شيء، جعلا الناس يربطون بين اغتياله ورفضه البيع، وتالياً هم يعيشون حالةً من القلق والخوف وهذا ما ساعد السماسرة على سهولة إقناع هؤلاء الناس بالبيع".

بعد توقيع النظام والمعارضة اتفاق تسوية صيف العام 2018، وبعد بسط النظام سيطرته على كامل ريف حمص، نشطت حركة بيع العقارات من أراضِ زراعية ومحال تجارية ومنازل -حتى المدمرة منها- لصالح عدد من ضباط النظام أو من المتنفذين ممن عادوا إلى المنطقة عقب استعادة السيطرة عليها منتصف العام 2018، من خلال الاتفاق الذي رعاه الروس.

أخبر السمسار زوجتي بأن المساعدة ستكلّفها 8 آلاف دولار، ثم عرض عليها شراء الأرض بعد أن أخبرته بعدم امتلاكها هذا المبلغ... نموذج عن سياسة الابتزاز في حمص

يقول مصدر مطلع وقريب من عمل هؤلاء الضباط: "لعل أبرز هؤلاء الضباط، هو لواء من آل العلي من مرتبات الإنشاءات العسكرية والمنحدر من قرية المختارية، بالإضافة إلى تاجر من آل النواف تكمن مهمته في إيجاد الأشخاص الراغبين في بيع ممتلكاتهم سواء من الموجودين ضمن الريف أو حتى من المهجرين إلى الشمال السوري، أو ممن غادروا سوريا بشكل كامل. ويتم الأمر عن طريق سماسرة يعملون مع هؤلاء الضباط مقابل عمولات مالية على كل عملية بيع".

يضيف: "كذلك، يعمل النواف بالتنسيق مع رباح العلي وعدد من الضباط والشخصيات المتنفذة الأخرى، وتكمن مهمته في إجبار أصحاب بعض العقارات التي تتمتع بموقع جيد داخل مدن الريف وبلداته، على بيع ممتلكاتهم عبر تهديدهم بالملاحقة الأمنية إذا كانوا موجودين في المنطقة، أو بالمصادرة إذا كانوا من المهجرين إلى الشمال السوري أو ممن غادروا سوريا بشكل كامل في حال رفضوا البيع بعد إغرائهم بسعر جيد".

ويشير المصدر إلى أن مهندساً من آل الخطيب، يشارك في العملية وكان قد ترأس منصب رئيس شعبة الهلال الأحمر في مدينة تلبيسة في ريف حمص طوال الأعوام الثمانية الماضية.

ومن المعروف لدى سكان ريف حمص، ومن فضّلوا البقاء في الريف على التهجير، العلاقة المتينة التي تربط العلي بالميليشيات الإيرانية المتمركزة في قرى المختارية والنجمة وملوك وعتون.

سخاء في الدفع

يؤكد عروب أن "أكثر المدن والبلدات التي تشهد عمليات شراء للعقارات في ريف حمص، هي تلك القريبة أو الملاصقة للقرى ذات الغالبية الشيعية أو العلوية، ومثال على ذلك ما حصل في مدن وبلدات تلبيسة والسعن وعيون حسين وغيرها العشرات من القرى، حيث قام عدد من سماسرة قريتي المختارية والنجمة الواقعة جنوب مدينة تلبيسة بنحو كيلومترين فقط، بشراء عدد كبير من العقارات سواء أكانت منازل أو محال تجاريةً أو أراضي زراعيةً".

ويضيف: "كوننا سكان منطقة واحدة، وعشنا فترةً طويلةً مع بعضنا البعض، فإننا نعلم جيداً ارتباط سماسرة العقارات المتحدرين من القرى الشيعية في ريف حمص، بعدد من الجمعيات الشيعية-الإيرانية، كجمعية المهدي، وجمعية جهاد البناء التي تنشط في ريف حمص".

أكثر المدن والبلدات التي تشهد عمليات شراء للعقارات في ريف حمص، هي تلك القريبة أو الملاصقة للقرى ذات الغالبية الشيعية أو العلوية

وتُعدّ مؤسسة جهاد البناء واحدةً من عشرات المؤسسات الخيرية والاجتماعية التي تموّلها إيران في سوريا، وأُسست في أعقاب الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، وكان لها أدوار اجتماعية في البداية، ومن ثم شاركت في العمليات القتالية في أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

في العام 1988، افتتح حزب الله فرعاً للمؤسسة في العاصمة اللبنانية بيروت كمؤسسة اجتماعية وتنموية وعقارية، وقد اشتهرت بتنفيذ مشاريع تشييد البنية التحتية والبناء والمنشآت التعليمية والصحية في مناطق سيطرة حزب الله، خاصةً في الضاحية الجنوبية لبيروت، وافتُتح فرع المؤسسة في سوريا رسمياً في منطقة السيدة زينب منذ منتصف العام 2016، بإشراف مباشر من شخصيات إيرانية وشخصيات من حزب الله، وقد تزعمها القيادي في ميليشيا الحرس الثوري الإيراني الحاج فرهاد دبيريان الذي اغتيل من قبل مجهولين في 6 آذار/ مارس من العام 2020، وبعد ذلك نُقلت إدارة المؤسسة إلى أشخاص سوريين معروفين بولائهم الشديد لإيران وحزب الله، مع متابعة الإشراف عليهم.

أما جمعية كشافة المهدي، فهي حركة شبابية أُسست في لبنان عام 1985، من قبل حزب الله، ومهمتها توعوية، ولها أنشطة ثقافية وتوعوية في سوريا تستهدف الفتيان في مختلف مناطق النفوذ الإيراني، كذلك تقوم بتدريب الأطفال والمراهقين على القتال، وإنشاء جيل إسلامي وفق التصور الخاص بـ"ولاية الفقيه" كما تذكر في روزنامةٍ أصدرتها عام 2006.

ويكمل عروب حديثه: "المغريات التي تقدَّم للأهالي لإقناعهم ببيع ممتلكاتهم مرتفعة جداً، ولعل ما تسعى إليه ميليشيات إيران، لأجل زيادة عدد الأراضي والمنازل المبيعة، هو الوصول إلى أكبر قدر ممكن من مساحة البلدات والمناطق التي تكون تحت سيطرتها المطلقة من دون أي منازع لها، وذلك وفق عقود تنظَّم في دوائر مديريات البلدية التابعة للنظام، والتي افتُتحت عقب سيطرة النظام على المنطقة".

ووفق رأيه، الغريب في الأمر أن هناك بعض المنازل المدمرة جراء القصف السابق، خصوصاً تلك التي كانت على خط المواجهة بين المعارضة والنظام، وقد تم شراؤها بمبالغ كبيرة جداً.

واللافت للنظر بحسب عروب، قوله إنه إذا وضعنا في الحسبان الحالة المعيشية للسكان هنا في ريف حمص، وتتبّعنا الشخصيات التي اشترت العقارات من مدينة تلبيسة وحدها، نجد أن معظم الأشخاص الذين يتم تسجيل العقارات باسهم خلال عقود البيع التي تجري قبل تسجيلها في السجل العقاري، تعود لأشخاص إما من المقاتلين في صفوف الميليشيات الإيرانية والدفاع الوطني التابع للنظام أو من الموظفين والعاملين ضمن المؤسسات الإنسانية الإيرانية والمؤسسات الإنسانية السورية المدعومة من إيران بشكل مباشر".

ليس تغييراً ديمغرافياً

يعتقد نزار حبوش، المقيم في تركيا حالياً، والذي عمل مديراً لقسم المساحة في دائرة العقارات في مدينة حمص لسنوات عدة، أن "الربح المادي لم يكن الهدف الأساسي للإيرانيين أو المرتبطين بهم، من عمليات الشراء تلك، بل هو سعيهم إلى الوصول إلى توسيع نفوذهم والسيطرة على أكبر قدر ممكن من مساحات تلك المناطق وامتلاكها لأسباب كثيرة لا يمكنني الجزم بها، خصوصاً مع الحديث عن تغيير ديموغرافي أو إجبار الناس على الهجرة وغير ذلك، على الرغم من أنه حصل في مناطق أخرى من حمص كالقصير مثلاً".

ويضيف في حديثه إلى رصيف22: "مدينة القصير مثلاً كانت من أولى المناطق التي رُسم لها تغيير ديمغرافيتها، حيث تحولت إلى مدينة تحوي في داخلها مئات العائلات الخاصة بمقاتلي حزب الله اللبناني في سوريا، وأهم الأحياء والأماكن في دمشق كالسيدة زينب مثلاً، باتت سكناً لعوائل إيرانية بعد شرائهم إياها بتسهيلات من الحكومة، وأحياء في مدينة حلب أيضاً تم شراء معظمها من قبل مستثمرين إيرانيين وأصبحت الآن سكناً لعوائل عناصر إيرانية فاعلة في المدينة وبعض الأرياف المحيطة بها".

عمليات الشراء ربما لا يكون الهدف المباشر لها التغيير الديموغرافي، بل السعي من الميليشيات الإيرانية إلى السيطرة على المنطقة، على حساب الميليشيات التي شكلتها قاعدة حميميم الروسية

في المقابل، يرى الملازم عبد الحميد الشيخ قدور، المتحدر من قرية الدار الكبيرة في ريف حمص، والعامل ضمن صفوف الجيش الوطني شمال سوريا، أن "عمليات الشراء ربما لا يكون الهدف المباشر لها التغيير الديموغرافي، بل السعي من الميليشيات الإيرانية العاملة في ريف حمص إلى السيطرة عليه بشكل كامل، على حساب الميليشيات التي شكلتها قاعدة حميميم الروسية، وعمادها المقاتلون الذين فضلوا البقاء في ريف حمص على التهجير إلى الشمال السوري، بعد وعود تلقوها من ضباط روس أشرفوا على عملية التفاوض التي جرت بين النظام والمعارضة صيف العام 2018".

في العادة، فإن تسجيل أي عقار تم شراؤه بالنسبة للمواطن العادي قد يستغرق شهوراً، ويتطلب دفع مبالغ مالية كبيرة كرشاوى من أجل إتمام عملية التسجيل عدا عن العذاب الجسدي والنفسي في مراجعة الدوائر المعنية والحصول على الموافقات الأمنية اللازمة لإتمام عملية التسجيل، وهذا ما يؤكده أحد الموظفين الحاليين في دائرة السجل العقاري في داخل مدينة حمص.

يقول الموظف الذي رفض ذكر اسمه لأسباب أمنية: "عملية تسجيل أي عقار يتم شراؤه تتطلب أن يحصل الشاري على موافقة أمنية من فرع المخابرات الجوية، وهذا الأمر يتطلب أحياناً شهوراً عدة حتى يحصل عليها، ولا نستطيع هنا تسجيل ملكية أي عقار من دون ورقة الموافقة الأمنية".

ويضيف: "أعرف أناساً ألغوا شراء عقارات وأراضٍ لعدم تمكنهم من الحصول على موافقة أمنية. وعادةً، الحصول عليها يتطلب دفع رشاوى للضباط المسؤولين بينما الأشخاص الذين لهم حظوة لدى النظام يحصلون على الموافقة خلال ساعات قليلة، وكحد أقصى خلال يوم واحد، بينما عملية تسجيل العقار لدينا هنا في المؤسسة لا تتطلب سوى بعض الإجراءات الإدارية، وعمليات الشراء التي جرت في ريف حمص والمستمرة حتى ساعة كتابة هذا التقرير تتم خلال فترة قياسية لا تتعدى بضعة أيام وأحياناً أقل، حيث يقدّم النظام تسهيلات كبيرةً لإجراء عمليات الشراء والتسجيل، خصوصاً إذا كان المشتري على علاقة بالمليشيات الإيرانية العاملة في حمص وريفها".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard