شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
دراما رمضان...

دراما رمضان... "القضايا" من مصر و"العلاقات" من إيجيبت

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والفئات المهمشة

الجمعة 14 أبريل 202310:21 ص

"اختار السيناريو أن ينتمي الأبطال إلى طبقة لا تعاني اقتصادياً من أجل التركيز على الأسباب العاطفية والنفسية لمشاكل العلاقات الزوجية".

استُخدِمت هذه الحُجّة بكثافة للمرة الأولى قبل عشرين عاماً، حين حقق فيلم "سهر الليالي" (إخراج هاني خليفة وتأليف تامر حبيب) نجاحاً كبيراً جماهيرياً ونقدياً، وإن طالت بعض الانتقادات الفيلم، رغم الإطراء العام على كافة عناصره، بسبب انتماء جميع شخصياته تقريباً إلى طبقة برجوازية، تقضي حياتها في الاستمتاع بالنهارات و"سهر الليالي"، وكان هذا نمطاً غريباً بشكل عام على الأفلام "الجادة" في السينما المصرية، وإذا كان "سهر الليالي" لم يخل من المرح وبعض الضحكات، لكنه عدّ – عن حق- من بين الأفلام الجادة، لتناوله مشكلات حقيقية، مثل الخيانة الزوجية والتهرب من الالتزام العاطفي، وأخرى مسكوت عنها سينمائياً، مثل عدم التوافق الجنسي بين الزوجين.

وفق هذه الحُجّة، فإن مشكلات مثل الفقر، الأبوية أو ضغوط المجتمع، قد تسبب تشويشاً، أو تضع غشاء حاجباً فوق الصراعات الكامنة في العلاقات العاطفية في ذاتها، حتى لو خلت من أي ضغوط خارجية. وبإزالة تلك الضغوط والصراعات الخارجية من السيناريو، يمكن التركيز على العلاقة نفسها، على مشكلات الملل الزوجي، التوافق العاطفي والجنسي، البوح والتواصل، الأحلام المتعارضة، وغيرها.

بالطبع، ثمة حُجّة مضادة، مفادها أن ذلك يؤدي إلى النظر إلى مشكلات واقعية بعدسة غير واقعية، تخلو من مشكلات الحياة وفي مقدمتها الضغوط الاقتصادية، ومن ثم فإن ذلك يخاطر بتقديم شخصيات درامية مثالية، تتصرف كما "ينبغي" أن يتصرف الناس، لا كما يتصرفون فعلاً، وهو الاتهام الذي تم توجيهه إلى عدد من شخصيات مسلسل "الهرشة السابعة" (تأليف مريم نعوم/ ورشة سرد، وإخراج كريم الشناوي)، الذي حاز، رغم أي انتقادات، على أكبر تقدير نقدي خلال عرضه في النصف الأول من رمضان الجاري.

طبقة "إيجيبت"، ليست فقط الطبقة التي تستخدم اللغات الأجنبية في أحاديثها حتى لو كان جميع أطراف المحادثة مصريين، بل المقصود الإشارة إلى عالم اجتماعي كامل، يقيم عادة وراء أسوار الكومباوند و"المزارع" ويدرس أبناؤه في المدارس الأجنبية ويعيش نمطاً غربياً بالكامل

بعد عقدين من الوظائف التي شغلها أبطال "سهر الليالي": "صاحب معرض سيارات/ فتحي عبد الوهاب"، "مهندس صوت/ شريف منير"، "مدير مصنع/ أحمد حلمي". يمارس أبطال "الهرشة السابعة"، أعمالاً أكثر برجوازية وحداثة معاً، فيجرّب المهندس آدم (محمد شاهين) حظه في مشروع "بادل" وهي إحدى ألعاب المضرب، وتحقق نادين (أمينة خليل) حلمها في العمل بالدوبلاج ثم تأسيس "بودكاست"، وبينما يعمل شريف (علي قاسم) في "فن" النجارة، تعمل زوجته سلمى (أسماء جلال) مدربة باليه مائي".

ثمة أيضاً "مزرعة" يمتلكها ويديرها هلال (أحمد كمال)، والذي يدير كذلك مزرعة أخرى من خلال دوره "تيمور أبو العز" في مسلسل "كامل العدد" (إخراج خالد الحلفاوي وتأليف يسر طاهر ورنا أبو الريش). وعلى العكس من الطبيعة "الجادة" لـ"الهرشة السابعة"، دارت أحداث "كامل العدد" في إطار كوميدي خفيف، لم تتأثر خفّة ظله سلباً بتناوله حكاية صعوبة التئام عائلتين كل منهما كبيرة العدد، وإن كان تناولاً في حدود ما تسمح به أجواء الكوميديا، ومرة أخرى لا وجود إطلاقاً للعائق المادي في إنشاء أسرة هائلة العدد، فالأب أحمد (شريف سلامة) جراح تجميل مشهور وناجح (ثمة جراح تجميل ناجح آخر في "الهرشة السابعة" لعب دوره عماد رشاد)، والأم ليلى (دينا الشربيني) تدير مشروعاً للزيوت الطبيعية، وتلك الزيوت مستخرجة – بالطبع – من مزرعة والدها تيمور بك.

هذه المهن التي يغلب عليها الطابع غير التقليدي، تتخذ قفزة أكبر في مسلسل "تغيير جو" (إخراج مريم أبو عوف وتأليف منى الشيمي ومجدي أمين)، حين يختار السيناريو أن تعمل المهندسة شريفة "منة شلبي" في وظيفة مصمّمة متاهات!

بين مسلسلات "مصر" ومسلسلات "إيجيبت"، تنقسم الدراما المصرية طولياً، كأن الشخصية الدرامية لا تحتمل جميع الأبعاد، كأن الأغنياء لا يعرفون القلق الاقتصادي، أو كأنه ليس من حق الفقراء أن يشعروا بالملل الزوجي

تنتمي هذه المهن، والفئات البرجوازية إلى الطبقة التي صار يطلق عليها في مصر السنوات الأخيرة طبقة "إيجيبت"، ولا يقصد بذلك فقط أنها الطبقة التي صارت تفضل أن تستخدم اللغات الأجنبية في أحاديثها حتى لو كان جميع أطراف المحادثة من المصريين، بل المقصود الإشارة إلى عالم اجتماعي كامل، يقيم عادة وراء أسوار الكومباوند و"المزارع" ويدرس أبناؤه في المدارس الأجنبية ويعيش نمطاً غربياً بالكامل. وذلك تمييزاً بين تلك الفئة البرجوازية وبقية "مصر"، التي صار يقصد بها، وفقاً لهذا المفهوم، الفئات الشعبية والطبقة الوسطى التقليدية والبنى الاجتماعية المحافظة بشكل عام.

عن "مصر" تلك، لا عن إيجيبت، تتناول المسلسلات "الجادة" قضايا لا تكتفي عادة، أو ربما لا تهتم بـ "رفاهية" مشكلات العلاقات العاطفية، في الدراما التي تتناول "مصر" تظهر قضايا مثل حقوق الأم المهدورة في الوصاية على أبنائها اليتامى، كما في مسلسل منى زكي "تحت الوصاية" (إخراج محمد شاكر خضير وتأليف شيرين وخالد دياب)، أو مشكلات القرية المصرية مع الذكورية والتشدّد الديني وختان الإناث، كما في مسلسل روبي "حضرة العمدة" (تأليف إبراهيم عيسى وإخراج عادل أديب).

هكذا، بين مسلسلات "مصر" ومسلسلات "إيجيبت"، تنقسم الدراما المصرية طولياً، كأن الشخصية الدرامية لا تحتمل جميع الأبعاد، كأن الأغنياء لا يعرفون القلق الاقتصادي، أو كأنه ليس من حق الفقراء أن يشعروا بالملل الزوجي.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نؤمن في رصيف22، بأن بلادنا لا يمكن أن تصبح بلاداً فيها عدالة ومساواة وكرامة، إن لم نفكر في كل فئة ومجموعة فيها، وأنها تستحق الحياة. لا تكونوا زوّاراً عاديين، وساهموا معنا في مهمتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard