شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
كان يأتي كثرثرة هامسة، تلاشت في الفضاء مثل حضارة صغيرة

كان يأتي كثرثرة هامسة، تلاشت في الفضاء مثل حضارة صغيرة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز

السبت 15 أبريل 202311:32 ص

نوستالجيا خفيفة



دون أن أقصد أصبح الشعر هويتي. لسنوات أقول على استحياء عندما يسألني أحد أن أعرّف نفسي: "أنا شاعرة". أقولها بخوف وقلق ودون ثقة. بمرور الوقت ارتفع صوتي قليلاً وأنا أقولها، حتى باتت تخرج من قلبي لا من بين شفتي، فأقول: "أنا شاعرة"، دون تكلّف أو حرج. أفكر بالشعر وليس "في الشعر"، يمكنني أن أحول كل الأفكار إلى قصائد، أفكك العالم عن طريق الشعر وأدرك الأشياء عن طريقه؛ الأفكار المندفعة داخل عقلي تتسلق الوسادة بجوار رأسي، والكلمات المتصارعة داخل عقلي تنقسم إلى فريقين؛ كلماتي المختارة تنام على سريري المريح بينما الكلمات التي نبذتها تتهاوى أسفل المقاعد، تنتظر مصيرها في التلاشي مع ذرات التراب الصغيرة داخل كيس المكنسة الكهربائية.

خرطوم المكنسة يتلوى مثل أفعى تلتهم الأتربة و الشَعر الذي نسقطه، والشِعر الذي نفقده، وحياتنا التي نهدرها في الصباحات العادية التي لا تشبه الصباحات الانستغرامية المضيئة.

الآن فقدت الشعر

بعدما كنت أكتبه من الحياة، فقدت الشعر، وها أنا أفقد نفسي.

ربما يهرب من عقلي الضيق وأنا أفتح الباب لمدرس الساينس والماث، أو أفقده على عتبة الباب وتسحقه أحذية عامل الديليفري الثقيلة، أفقده مع صراخي اليومي في بناتي و مكالماتي الهاتفية المقتضبة مع أمي، بعدما كنت أحول الأحاديث المملّة إلى شعر.

أشعر وكأن أبواب الشعر أغلقت في عقلي مثل هاتف ذكي أعيد ضبطه كيلا يلتقط ترددات الشعر، فأحاول ضبط عقلي من جديد على موجات الشعر. أغمض عيني لأحاول استحضار الشعر فلا يأتي. أتساءل كيف كنت أخلق الشعر دون مجهود، من كركبة الأدراج و صناديق الألعاب و شجارات الجيران، والملابس المعلقة على حبال الغسيل. والآن لا مزيد من الشعر. فقدت الشعر وكأنني فقدت هويتي.

أنا شاعرة: كلماتي المختارة تنام على سريري المريح بينما الكلمات التي نبذتها تتهاوى أسفل المقاعد تنتظر مصيرها في التلاشي مع ذرات التراب الصغيرة داخل كيس المكنسة الكهربائية... مجاز

أحاول استعادة نفسي

لكن فقدان الشعر لا يشبه "حبسة الكتابة". أنا لا أفتقد الكتابة ولا الأفكار، ولكنني أفتقد التفكير في بناء الشعر وصياغة الجمل. اللابتوب الذي ظننت سبباً في فقداني للشعر، أظهر براءته من الأمر عندما جلست أمامه أطرقع أزراره لأكتب ما أكتبه الآن، فوجدتني ما زلت أحفظ جيداً أماكن الحروف، وعلامات الترقيم، والتشكيل. ليس لارتباكي أمام اللابتوب علاقة بفقدان الشعر، لكن ربما هي الهوامش الجانبية والمرادفات المختلفة للكلمة التي كنت أبحث عنها وأجربها على الورق.

لم أعد أعرف أين تنام القصيدة ولا كيف أوقظها

أكتب كلمة "مقتضبة". أشطبها. أفكر في كلمات مرادفة لها. أتساءل عن جوهر الاقتضاب، فأجد الجمل تتقطع وتنتهي بحروف ساكنة. كلمة مختصرة ربما تكون أسهل من مقتضبة. كلمة مقتضبة حادة وقاطعة، رغم أنها على نفس وزن مختصرة "م ق ت ض ب ة" أكرّر نطق :مقتضبة"... مكالمة صباحية مقتضبة... مكالمة صباحية مختصرة. نداءات الباعة الجائلين طويلة وممتدة تجعل الشعر يتلاشى من جديد.

نداءات الباعة الجائلين تلتهم الشعر، بيكيا، طماطم، سجاد من بواقي المحلات الكبرى، وأنا أغمض عيني بقوة لأبحث عن المعنى داخلي حتى أضعه على الورق، أراوح بين ما يدور داخلي وما يحدث حولي، وأفكر أن الشعر كما أحبه ليس سوى ذلك الترابط الحميم بيني أنا وما حولي.

صورة مصغرة

لما يحدث في عقلي

بكاميرا تجريدية

دون تفاصيل.

في القصيدة، ستتحول ابنتي إلى فراشة بأجنحة شفافة أو قطعة جاتوه بالريد فيلفيت، وضفائر الراستا هي الرباط الذهبي اللامع حول علبة الجاتوه. سيزهر قلبها الصغير عندما ترى الوردة التي سأرسلها لها، أما قلبي فسيشبه حطام منزل قديم، كلما أدركت أنها مرغمة على خوض الحياة والسير في طرقها، تماماً كما أرغمت على السير في الطرق السريعة للمدينة التي أكرهها. لم ترحّب بي المدينة رغم اللافتة الكبرى التي تؤكد على ترحيبها بالزائرين الجدد.

لم تحبني المدينة. أم تراها أدركت أنني لم أحبها في صورتها البكر؟ مجرد صحراء، صحراء، صحراء ارتفع بها البنيان واتسعت المولات والجامعات، لكن شمسها مازالت صحراوية، وأنا ابنة الظلّ وباحات المساجد وعربات الباعة الجائلين والدكاكين الصغيرة التي تنام فيها الروائح متجاورة دون صراعات تذكر.

هجرني الشعر من جديد على الطريق بعدما كانت أعمدة الإنارة المتسارعة تثير الشعر داخلي. أغمض عيني مراراً لأتذكر كيف أتاني الشعر من قبل من هذه الأعمدة المعدنية المصمتة. أنا أستحق الشفقة... شاعرة بلا شعر وبلا ذاكرة وبلا قلب يخفق لذكر الموت.

لا يأتي الشعر من ربات الإلهام اللواتي يستيقظن ليلاً ليسكن رؤوس الشعراء، لكنه يأتي من عقلي الضاج بالصراعات والأفكار. متاهة والله يا الله. متاهة في عقلي بلا إشارات للسير، كل الطرق صعبة وموحشة وأنا سئمت من المواءمات وسئمت العمل وسئمت الصوت الآلي للمرأة التي تسكن سماعة الهاتف. سئمت الهاتف والبيت والشبابيك والشوارع. مللت الحياة كلها لأنني لا أجد الشعر. ضعت في متاهتي ولا أجد الشعر. أسأل الأصدقاء: "كيف تكتبون الشعر؟ ها يا أصحاب الشعر، كيف تكتبونه؟".

نداءات الباعة الجائلين تلتهم الشعر، بيكيا، طماطم، سجاد من بواقي المحلات الكبرى، وأنا أغمض عيني بقوة لأبحث عن المعنى داخلي حتى أضعه على الورق

لدي سر صغير؛ نوتة سوداء بجوار سريري أدون فيها أحلامي قبل أن تتبخر، وأجمع فيها دموعي التي تتساقط عليها و أنا أراقبها نقطة نقطة، وهي تتسع على الورق وتترك بقعاً صغيرة متجعدة على السطح، أتحسّسها بأصابعي لأتأكد أنني كنت هنا وأن وجودي الثقيل لست وحدي من أشعر به. يأتي الشعر من هذه النوتة السوداء

أو كان يأتي

تخبرني صديقة أن الشعر يأتيها هكذا دون مجهود ودون انتظار، لا تعيد صياغة الجمل ولا تغير وضع الكلمات

كثرثرة هامسة

ارتفعت وارتفعت

ثم تلاشت في الفضاء

مثل حضارة صغيرة

شيدتها في صالة منزلي

ثم انهدمت فجأة

وها أنا أبكي على أطلالها.

تخبرني صديقة أن الشعر يأتيها هكذا دون مجهود ودون انتظار، لا تعيد صياغة الجمل ولا تغير وضع الكلمات، تكتب القصيدة مثل طلقة لا يمكن استعادتها. صديق مقرّب آخر يخبرني أن الشعر يأتي من الأفكار وما ورائها، من الأحداث وحكايات البشر، ومن الطرق المفتوحة التي يطوف بها، والجبال التي يصاحبها ليلاً، والبلاد البعيدة التي قبّل حبيبته على جليدها. أما أنا فلم أعد أعرف أين تنام القصيدة ولا كيف أوقظها.

ربما أجد الشعر بين ثنايا ملاءة سرير أمي وزهراتها الباهتة

وشرائط الدانتيل التي تزين حواف أغطية الوسائد

الملاءة التي أعرفها منذ سنوات

ما زلت تحتفظ برائحة طفولتي

وبقايا قطع البسكويت الصغيرة التي ألتهمها قبل النوم

ربما يسكن الشعر في ذرات الغبار المتطاير أمام ضوء الشمس

في بقع المياه المتناثرة على مرآة الحمام

أو الفروع المرسومة من شقوق الجدران

لا أعرف أين الشعر

المجازات لا نهائية

والقصيدة طفلة شاردة تهوى اكتشاف العالم

وأنا الشاعرة التي تطاردها لتحبسها داخل السطور وعلى الأوراق

أخبر الكلمة أن مكانها هنا حيثما أرغب أنا

بينما الكلمة لم تعد تنساق لرغبتي وأصبح لها هويتها الخاصة

أستسلم لفقدان الشعر

وأكتب كيف أفقده

العالم ليس شرير تماماً

أو

العالم شرير تماماً

لا أعرف أيهما أكثر شعرية

لكن القصيدة دائرية

وها أنا أغلق الدائرة وأقول

أنا شاعرة

دون أن أقصد، أصبح الشعر هويتي.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard