شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"سره الباتع" يتسلح بالاستبداد والخطابة... العودة إلى ما قبل الميكروفون

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الخميس 6 أبريل 202311:12 ص

لا ينتبه الكثيرون من صناع الأفلام والمسلسلات العربية إلى اختراع غيّر طبيعة الأداء المسرحي ذاته. إنه الميكروفون. قبله كانت موهبة الممثل تتحدد، إلى درجة كبيرة، باتساع مساحة صوته، وصولاً إلى أعلى الجواب، ليبلغ الصفوف الأخيرة في المسارح والساحات. تقريباً مثل النزال القديم بين فارسين، أمام جيشين. تقليد فروسي أنهاه اختراع المسدس. تمنيت أن ينجو مسلسل "سرّه الباتع" من هذه الخطابية، فاكتفيت بتسع حلقات، شاهدتها دفعة واحدة. ومن الحلقة الأولى ترحمت على المخرجيْن التونسي شوقي الماجري، وصديقي السوري حاتم علي.

لا أفهم مخرجي برامج وعروض مسرحية ومسلسلات يحلو لهم أن يضعوا، قبل أسمائهم، كلمتيْ "رؤية وإخراج". ما الإخراج إلا رؤية، للفن وللعالم. الإصرار على الكلمتين، وبينهما واو العطف، يعني خوف المخرج من الاتهام بأنه مجرد مصوراتي لرؤية كتبها آخرون.

المخرج يكتفي باسمه في بداية العمل أو نهايته، والعمل كله ينسب إليه، من دون الحاجة إلى استئساد وإشهار بطاقة الدكتاتورية. لم يعلن عتريس بطل فيلم "شيء من الخوف" أنه عتريس الجبار. تابِعه رشدي (الممثل أحمد توفيق) أعلن أنه "أجدع من عتريس"، وهدد الفلاحين بأنه سفاح؛ فسخروا منه وضربوه. عتريس، لأنه عتريس، يستغني عن ذلك.

صاحب البيت لا يكتب اسمه بجوار الجرس، وأعلى الباب، وعلى إحدى الغرف. هذا صخب يمارسه تلاميذ يكتبون على جدران المدرسة أسماءهم، ويحفرونها بسنّ البَرْجل في الطاولات الخشبية بالفصول. مرض الصخب الكتابي في الصغر تستمر أعراضه، صوتياً، في الكبر

خالد يوسف خنقني إلحاحه، من اللقطة الأولى إلى الأخيرة. في اللوحة الأولى: "سرّه الباتع للمخرج خالد يوسف". ثم إشارة إلى أن المسلسل مستوحى من قصة يوسف إدريس، "معالجة درامية وسيناريو وحوار خالد يوسف". اسم خالد يوسف بخط الثلث الزخرفي، وأكبر من اسم يوسف إدريس.

في اللوحة التالية "إخراج خالد يوسف"، ويأتي اسم المطرب محمد منير وآخرين، ثم "شارك في السيناريو والحوار: خالد كساب، مصطفى إبراهيم". وتترات النهاية تبدأ بإشارة إلى قصة يوسف إدريس، "معالجة درامية خالد يوسف"، "سيناريو وحوار وإخراج خالد يوسف". ثم فريق العمل، وصولاً إلى اللقطة الأخيرة: "سيناريو وحوار وإخراج خالد يوسف". لا إشارة إلى شركاء الكتابة في نهاية تترات تكون آخر ما يستقر في ذاكرة المشاهدين.

صاحب البيت لا يكتب اسمه بجوار الجرس، وأعلى الباب، وعلى إحدى الغرف. هذا صخب يمارسه تلاميذ يكتبون على جدران المدرسة أسماءهم، ويحفرونها بسنّ البَرْجل في الطاولات الخشبية بالفصول. مرض الصخب الكتابي في الصغر تستمر أعراضه، صوتياً، في الكبر.

لعل الطبيعة العربية، باستثناءات تؤكد هذه القاعدة، تميل إلى الصراخ. بديل للأفعال، يمنح صناع الدراما وهما بأنهم على الطريق الصحيح.

انتهيت من الحلقات التسع الأولى من "سرّه الباتع"، ورأيت أن أكافئ نفسي باستراحة. مباراة ليفربول ومانشستر سيتي في الدوري الإنجليزي، ظهر السبت (1 نيسان/أبريل 2023). لم تزعجني خسارة ليفربول قدر إزعاجي بصوت المعلق التونسي عصام الشوالي. حوّلت المشاهدة إلى التعليق الإنجليزي. يتناوب عليه اثنان، رجل وامرأة. بالفعل "تعليق"، شرح موجز لطبيعة لعبة، بناء هجمة، موقف لاعب، مصير فريق. لحظات الصمت تضع المشاهدين في الملعب، أو في المدرجات فأسمع ردود فعل الجماهير.

الشوالي لا يعلّق. المباراة حاشية على لسان ممسوس. حنجرة إفتاء في الرياضة وفي غيرها. صياح مستمر في مباراة يراها قمة رياضية عربية بين المصري محمد صلاح والجزائري رياض محرز. ثرثرة عن اللاعبين وتاريخهما. استعداد بترسانة من الصفات، والسجع الساذج، للفريقين والمدربين، ولكل لاعب يحرز هدفاً. ولا ينسى لاعب مانشستر سيتي في مقاعد البدلاء إرلينج هالاند: الرهيب، المهول، عاشق الشباك، محطم الأرقام القياسية في البطولة الإنجليزية. ثناء على أريحية (الأريحية هي الكرم وليس الراحة كما يردد مذيعون ومعلقون جهلة) الدوري الإنجليزي؛ لسماحه بوقف المباريات لكي يفطر اللاعبون المسلمون. الشوالي كال الاتهامات للدوري الفرنسي؛ لتجاهله مسألة الإفطار، بالمخالفة لشعارات الثورة الفرنسية؟

الثورة الفرنسية حاضرة في "سرّه الباتع"، ولكن كيف يحكي المسلسل حكايته؟ مقولة يحيى حقي "أنشودة للبساطة" أضمن للسلامة، أصدق من استعراض وفذلكات إن لم تكن متقنة فإنها توقع لاعب السيرك؛ فيدق عنقه. في الموالد والاحتفالات الشعبية يطلب "الشّجيع" أن يكتّفوه بالحبال، وهو يمتلك مهارة فكّ القيود. لو عجز لصار أضحوكة، يثير الرثاء لا الإعجاب. كيف تُحكى الحكاية؟ يمكن أن تحكى قصة بطل شعبي مثل "السلطان حامد" في "سرّه الباتع" من خلال رواية عالم الآثار الفرنسي كليمون (الممثل حسين فهمي).

دكتاتورية المخرج لا ترى، أو تفرض، استباحة جسد صاحبة صدر أعظم ومؤخرة عظمى. فجاجة لا علاقة لها بدراما المسلسل.

هكذا ينطلق المسلسل، فمن روى ما شاهدناه من كرامات السلطان حامد قبل ظهور شخصية البروفيسور، وقبل اكتشاف إحدى رسائله في حفرة تحت الضريح؟ لا تحتمل رسائل قليلة مكتشفة، في المسلسل، أن تروي عن حامد تفاصيل حميمة، هي واضحة في ذهن المخرج، صاحب المعالجة الدرامية، كاتب السيناريو والحوار.

المخرج، صاحب المعالجة الدرامية، كاتب السيناريو والحوار، وضع على لسان البروفيسور كليمون آراء سبقت سياقها التاريخي. في مشهد محاكمة الشاب حامد، انس الآن فقر الديكور الأشبه بفراشة في سرادق عزاء شعبي، يقول الخواجة: "هذا الجيش الذي فتح به بونابرت النمسا وإسبانيا وبولندا وانتصر به في فلورنسا وانتصر في سالزبورج وإيطاليا، ويفرّ جنودنا مفزوعين ولا يملكون أن يطلقوا بنادقهم أو يجمعوا صفوفهم أمام إرادة هؤلاء المصريين". جملة منقولة من نص يوسف إدريس بغير تبصّر. فلم يكن نابليون، حين غزا مصر، قد "فتح" هذا البلاد. لنابليون صولات إيطالية، وارتبط صعوده في الداخل بقمع تمرد أنصار الملكية، في إحدى نوبات الضيق الشعبي بحالة الثورة، عام 1795.

أما "الفتوحات" فقادها الجنرال، بعد انقلابه الشامل على الثورة، وتتويج نفسه إمبراطورا لنظام ملكي جديد. وتجاوزت سلطاته ما كان للويس السادس عشر من سلطات. قد يتفادى "سرّه الباتع" تلك القضية؛ إيثارا للسلامة. لن يقال وقتها: مصر لا تشبه فرنسا.

حمل المسلسل بصمة خالد يوسف. الدكتاتور لا تمسّه شكوك. يتحصن باليقين. يوسف شاهين أرّقه أن يصف سمير فريد فيلم "فجر يوم جديد" بأنه صنع بعيون خواجة. سمير فريد آنذاك دون سن الخامسة والعشرين، ولم يتعال مخرج "ابن النيل" و"باب الحديد" على النقد. حرص على وجود الناقد الشاب لمشاهدة فيلم "الأرض" قبل عرضه. وسأله: "يا ترى الفيلم ده بعيون خواجة؟".

بصمة خالد يوسف عنوانها الصخب الصوتي، ولو بغناء محمد منير في مشهد المحاكمة. إذا لم تكن الدراما كافية فلن يفيد الغناء ولا الموسيقى الحماسية.

أحببت حضور الممثل مفيد عاشور. ملصق المسلسل يخلو من صورته. فنان ذكي، غير محظوظ، يكاد يكون غريباً، تائها وسط أداء ما قبل الميكروفون. مفيد عاشور وحنان مطاوع استثناء. الممثل المسرحي التقليدي يستجدي التصفيق بالمزيد من التشنج المصحوب بانتفاخ عروق الرقبة.

كثيرون تشنّجوا. حتى هشام الجخ استعار إلقاءه المسرحي لما ينظمه من كلام موزون، مقفى أحياناً، وألقى خطبا عن الوحدة الوطنية والمقاومة. الدراما التاريخية ليست مجالا للخطابة. بعد النجاح الجماهيري المفاجئ لفيلم "ناصر 56"، كتبتُ عنه وعن فيلم "الناصر صلاح الدين"، في مجلة "الفن السابع" (أيلول/سبتمبر 1999) مقالاً عنوانه: تستطيع أن تقرأها هكذا: جمال عبد "الناصر صلاح الدين!".

أختار من تراث الدراما التاريخية المصرية مسلسل "بوابة الحلواني"، تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج إبراهيم الصحن. مثال للأداء الهامس، بعنف، لممثليه. منهم أسامة عباس الذي ينصرف عنه صناع الدراما الصاخبة. وفي تراث الدراما السورية رصيد وافر. أترحم على أرواح: حاتم علي وممدوح عدوان وخالد تاجا ومي سكاف.

وأدعو بطول العمر والإبداع لكل من: وليد سيف، سلوم حداد، جولييت عواد، حسن عويتي، محمد مفتاح، رفيق علي أحمد، فرح بسيسو، باسم ياخور. بصماتهم تحرج غيرهم ممن يجب أن يتعلموا كيفية كتابة العمل التاريخي وتمثيله وإخراجه. أنشودة للبساطة تغني عن هتافات عصرية تم بها وداع شهيد قتله جنود الحملة الفرنسية (1789 ـ 1801).

الثورة الفرنسية حاضرة في "سرّه الباتع"، ولكن كيف يحكي المسلسل حكايته؟ مقولة يحيى حقي "أنشودة للبساطة" أضمن للسلامة، أصدق من استعراض وفذلكات إن لم تكن متقنة فإنها توقع لاعب السيرك؛ فيدق عنقه

هتافات الوحدة الوطنية مفتعلة بخطاب يحرق المراحل التاريخية. هتافات مقاومة الغازي الفرنسي مثل جاكيت يحمل ملامح ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، ويبدو مضحكا وضعه فوق جلباب يرتديه فلاح في نهاية القرن التاسع عشر. لا واقعية بحتة تسمح بهذا الخلط، ولا الدراما.

دكتاتورية المخرج لا ترى، أو تفرض، استباحة جسد صاحبة صدر أعظم ومؤخرة عظمى. فجاجة لا علاقة لها بدراما المسلسل. الكاميرا تتعمد الاصطياد والرصد. رؤية ذكورية تقليدية للعلاقة بين الشرق والغرب. لا أعرف اسم الممثلة. أعرف ممثلين جاءوا إلى المسلسل مثقلين بحمولات شخصياتهم السابقة. الدكتور مسعود مهرّب الآثار (الممثل عمرو عبد الجليل) يحتفظ بخطاب سوقيّ من بواقي شخصية تلازمه في الأفلام والمسلسلات. يقول إنه "دخل المرمّاية".

هذا عمرو عبد الجليل لا الدكتور مسعود. الممثل محا ملامح الشخصية الدرامية. والممثل أيمن الشيوي لا يناسب شخصية نابليون، قائد الحملة في سن التاسعة والعشرين. هل اصطحب الجنرال الشاب عالما تجاوز الثمانين لكي يجسد شخصيته الممثل حسين فهمي؟

أما تناول المسلسل لثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، وما صاحبها من انفلات أمني، وما قيل عن سرقة المتحف المصري، فتلك رواية السلطة. أستريح أسبوعا، وأروي ما أتيح لي من حقائق.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard