شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
المشي بأحذية من ورق مع مها العتوم

المشي بأحذية من ورق مع مها العتوم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الثلاثاء 2 مايو 202310:44 ص

نُلامس عالم كاتبٍ بقراءة مُجمل أعماله، ومحيط شاعر وذهنيته، من خلال بضع قصائد، تكشف لنا الإنسان الذي نحن بصدد الاقتراب منه. والحديث هنا عن الشعر الحقيقي، الذي ينفذ إلى الأعماق، لأنّه قادم من احتراق الشاعر الداخلي، ومن خلاصة عِراك الحياة معه.

ولأن مَها العتوم شاعرة من قبيلة الشعراء الحقيقيين، ومن داخل مصنع الشعر العملاق الذي يود كل منا أن يقف داخله، ولو عاملاً يعيد صنع بُرغي متوسط لملايين المرات، أو يغزل أسلاكاً كهربائيةً لا حدث لمداها، أو يدير يده كمطحنة لتشحيم مراوحه. لأنها كذلك، لا يصعب الاقتراب من روحها، بالتقاط الإشارات التي تأتي على هيئة مفاتيح من كلمات، تُدخلك من الباب الواسع للشعر.

مَها مسكونة بهاجس الحرية، ككل الشاعرات العربيات اللواتي يأتين من مجتمعاتٍ تضع النساء في أقفاص، وتقص أجنحتهن، مثلما تفعل مع الحَمام الذي تترك له السطح، ليكون قريباً من التحليق، لكنه لا يملك أجنحةً

في مختاراتها التي صدرت عام 2020، بعنوان "حياتي ذاكرة والكتابة نسيانها"، نلعبُ الحجلة مع مَها، بالقفز في الزمن معها، من مجموعةٍ شعرية إلى أخرى، فهي لم ترتب المختارات وفق السلم الزمني، بل كانت تختار نصاً من عام 2019، وبعده يأتي نص من عام 2006.

ونندهش حين نعرف أن أول ديوان لها صدر عام 1999، أي قبل 24 سنةً، فندرك أننا أمام عاملة بذاكرة كاملة، من العيش داخل المصنع البهيج للشعر. ولعلها من المرات القليلة التي قد يربط فيها أحدهم بين الشعر والبهجة، لكن الحقيقة أن الشعر بهجة الشعراء حتى لو حملوه همومهم كلها، فلا يصدق القارئ أنه يبقى ساهماً بعد القصيدة، فهو غالباً ما ينصرف بعدها إلى حياته خفيفاً، بعد أن ترك ثقله كله في خزائن الشعر.

"كنت أجمع خبزاً يابساً

وأفركه بأصابع يابسة

ليحطّ الحمام على شرفتي

وتلين الأصابع

حتّى أطير".

مشقّةٌ كبيرة تبذلها مها، من أجل أن تتخفّف وتطير، وتبتهج... برغم أنّ:

"بيننا شارع...

لا ممرّ لسيّارة

أو لأقدام ناس حقيقيّةٍ

بيننا خضرةُ العشب لا العشبُ

أو رقّة البحر لا البحرُ

ما بيننا شارع أو أقلُّ...".

لكن ما من شيء قد يفصل شاعرةً حقيقيةً، عن التحليق أو السفر.

فـ"هذه صنعةُ الشعر:

"أن يولم الأرض للحبّ

والرّيح تبذره

في الطّريق لئلّا يضِلّ الحمام

صنعتي...

أن أدلّ الحمام".

ألم أقل إن الشاعر عامل، حتى إذا لم يجد له فسحةً داخل مصنع الشعر، فهو يقبل أي عمل في محيط المصنع، ربما بأجرة يومية، مثل عامل بناء أو ربما بالقطعة مثل إسكافي، أو لعله يبيع عمال المصنع السندويشات في عربته، أو هو إسكافي يصلح أحذية السّنوات التي تمشي بسرعة الرّيح، ولا تنظر خلفها أبداً. يلتقط الخطوات مثل مسامير عالقة، أو حصى.

"أتعثّر مثل خطاي

وأحرص ألّا أرى

في طريقي الحصى

فالحصى من تراب

وقلبي غبارُ

جئتها

أم غرّبتني؟

هي خطوتي وخطيئتي

أم كنت خطوتها؟".

فربّما تكون:

"قصائد تذهبُ عكس اتجاهك

أنت الوحيد الذي دائماً باتجاه القصائد

ثمّة ضوء

يناديك كي يتحقّق أنه الضوء".

لكن:

"ربّما كانت الطّرقات ترابيةً

والشّتاء يخطّ ويمحو الخطى

لتدور الرّحى".

هنا نعلم مهمة مَها في مصنع الشعر، البحث عن الطرق، وصنع خرائط لمدن مجهولة، وإيجاد الخطى التائهة، وإعادتها إلى البيت، فـ:

"هذهِ الكلمات قليلة

بيت بعيدٌ

ستمشي لتبلغ معنى

وأمشي لأمشي

طريقي الحياة

طريقي هي الكلمات التي لم تصل".

لكنّها وهي التي تدرك جيّداً معنى الخيبة والإجهاض والمنع والحصار والقتل، تواصل برغم أن:

"تاريخ نساء

مطعونات في جسدي

من حوّاء إلى أمي،

ينهضنَ لصيد النّار صباحاً،

ويضعن الشّاي على طاولة العمر

ولا يشربنَ سوى الرّغوة".

والزّمن في هذه الرّحلة، عامل ثانوي كسول لا يمدّ يده إلّا لالتهام العمر.

"عامان مرّا

وما انتظراك

وما انتظراني

ومرّت قصائد من تحت

جسري وجسرك

لم يُرعباك

ولم يمتعاك".

"فأصحو

لأكسرَ قوس الدّوائر حولي

وأتبع ناي البعيدِ البعيد

فهل كان قلبُ الجميع عليّ

ووحدي التي كنت ضدّي؟".

في هذه الرحلة، تستعمل مها العتوم ضمير المخاطب، في جل قصائدها، بما أنها تقول:

"كنت كالصّدع في جبل

أتعلّم فن الصّعود فقط".

لهذا:

"نمتُ على بابه

مثلَ أرجوحة

سوف يُصبح بيتي كلامي

ويفرغ حين أموتُ

ويسكنهُ الغرباء".

ولهذا أيضاً:

"سأرسم خطّاً يشير إلى البيت

بيتي الكلام

الذي عشتُ فيه كأشجاره

أتسلّى وأعلو

ونعّستُ شمسَ الظّهيرة فيه".

لا يمكن أن نغفل عن غرام مها بالموسيقى، وإيقاع النص والكلمات، ولا يرجع ذلك فقط إلى طبيعة الشكل الشعري الذي تكتب داخله، بل هو غرام قديم بالخفة، ينكشف جلياً من خلال اختيارها كلمات خفيفة الوقع وعميقة الأثر، الكلمات الحَذرة التي تضعُ اليد على الجسد، لكنها بشكلٍ أقرب إلى تماس يتفادى اشتعال شرارةٍ تفسد عذوبة القُرب. ونجد أيضاً الموسيقى التي يخلقها التكرار: "وأتبعُ ناي البعيدِ البعيد".

مَها مسكونة بهاجس الحرية، ككل الشاعرات العربيات اللواتي يأتين من مجتمعاتٍ تضع النساء في أقفاص، وتقص أجنحتهن، مثلما تفعل مع الحَمام الذي تترك له السطح، ليكون قريباً من التحليق، لكنه لا يملك أجنحةً، فيكتفي بالهديل، والتحديق في السماء يحفظ المسارات، في انتظار الهروب حالما تكبر أجنحته الجديدة، قبل أن تمتد لها الأيدي الآثمة بالمقص.

في قصيدة اسمها "لغة أخرى" من عام 2007، تقول مها: "كنت مخبأةً في قشوري التي لم تطقني". حتى من العنوان تبحث مها مثل جل الشاعرات، عن لغة أخرى تستوعبها، وتعبر عما تعجز اللغة السائدة التي لطالما استعملَت الكلمات ضد المرأة، ولعبت بالمعاني وأفرغتها، حتى عادت بلا قيمة، أو أثر من لغة السّيطرة الاجتماعية على المرأة.

لمَها العتوم الشاعرة، في مصنع الشعر، بُعدان، على الأقل: بُعد طبوغرافي في عنواني الديوانين: "أسفل النهر" و"غرف علوية"، وبُعد هندسي في ديواني "دوائر الطين" و"نصفها ليلكي"

ربما لهذا نجد عند مها التي لا تنقصها الشجاعة حتماً، تحفظاً على الكشف عن تفاصيل أكثر. فهي تلاعب الشعر والقارئ، وتمسك خيط مشاعرها، حين تشعر بأنه قد ينفلت عن السيطرة. كنتُ أود أن تكون أجرأ في ذلك، أن نرى مها كاملةً في الشعر، ألّا تدع القصيدة تفوز على الحاجة إلى المشاركة، والسكون إلى الشعر كطبيب وصديق وحبيب، فالكشف جوهر لذة العلاقات.

كما في عنوان المجموعة "حياتي ذاكرة والكتابة نسيانها"، عالمُ مها الشاعرة، في هذه المختارات يتحرك في عالم الكتابة، الكلمات، القصيدة، فعل الكتابة...

"النّساء يردّدن مثلي قصائدهنّ

ويعبثن بالماء مثل القصائد".

"أنسى الشّتاء

الذي جعل العاشقين

نَبِيّين أو شعراء

ولا أتذكّر إلّا حروف الهجاء".

وكذلك، تطلب ممن تخاطبه، وأظنه، أحياناً، نفسها هي:

"تخلَّ عن الأغنيات جميعها

وكن لغةً

تشتهيها اللّغة".

لذا تعود وتؤكد على ذلك بشكل مباشر:

"سأرسم خطّين

يعبر بينهما العمر

كالنهر

خيط رفيع من الماء

ألضِم فيه الحصى

ويصير طريقي

لشاعرة عبرت من هنا".

لمَها العتوم الشاعرة، في مصنع الشعر، بُعدان، على الأقل: بُعد طبوغرافي في عنواني الديوانين: "أسفل النهر" و"غرف علوية"، وبُعد هندسي في ديواني "دوائر الطين" و"نصفها ليلكي". سأنتظر مثل كثيرين قصائد مها العتوم القادمة، وفي ذهني أسئلة كثيرة عما يدور في ذهن الشاعرة الآن.

"ليست سماؤكما الآنَ واحدةً

لتراها مساءً مصادفةً في الطّريق

بكيسِ البقالة

أو في الصّباح تسيران في مطرٍ واحد

تصغيان لفيروزَ

أو تُجريان حديثاً عن الشّعر

يبدو مع البرد مُتّقداً

قد يكون الكلام مع الحب

مثل الكلام عن الحب

مثل البكاء الذي في الأغاني....".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard