شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
هواجس تطفو في الليل، آخر الليل

هواجس تطفو في الليل، آخر الليل

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز

السبت 18 مارس 202312:49 م

حياكة الكلام


(فصل من رواية "بعد ظهر يوم أحد")

هي ليست وحدها الليلة، والدّليل تلك اليد وثقلها فوق خاصرتها وتحت ذراعها. كان الأرق مرحّباً به الليلة بما أن معها من يشاركها ثقله.

أعادها هذا المشهد الذي تعيشه إلى قصيدة قرأتها قبل سنوات لـجاك بريفير:

تنام أنت في الليل

وأنا يصيبني الأرق

أراك تنام

وهذا يؤلمني

عيناك مغمضتان وجسدك الكبير ممدّد

إنّه لمنظر مضحك ولكنّه يبكيني

وفجأة ها أنت تضحك

تضحك مقهقهاً وأنت نائم

أين أنت الآن إذن

إلى أين ذهبت إذن حقاً

ربّما مع امرأة أخرى

بعيداً جداً إلى بلاد أخرى

ومعها تسخر منّي.

لكنها لم تبكِ، ولم تهتمّ بمن يفكّر من يضع يده عليها. ولم يعنِها مع من يذهب وإلى أين، بل ابتسمت. رائحته أفرحتها كما أفرحها ثقل ذراعه. حاولت ألا تتحرك كيلا تقوم بأي حركة توقظه. لا تريده أن يصحو فيغادر. أرادته أن يبقى وأن يمرّ الوقت ببطء ككل ليلة.

لم تنم. كانت تراقب الضّوء من باب شرفتها، وكلّما اقترب الصباح كلّما ضاق نفسها وثقل. بعد قليل سيستيقظ وقد يغادر مباشرة، أو قد تشعر بالغرابة تجاهه. كانت تعلم أنّ ليلتها ستكون طويلة، لكن هذه المرة لم يرعبها الأمر. لا تذكر متى كانت أوّل مرة شعرت بضيق نفس، لكنها تعلم بأنّه أصابها منذ زمن طويل، وأخذ مع الوقت شكلاً مختلفاً ومتدرج الصّعوبة، حتى تعوّدت على صعوبته وأصبح نمط تنفّسها الطبيعي.

كانت كلّما تسهو بعد أن تتغلّب على صعوبات النّوم، تعود فتستيقظ فجأة لالتقاط نفسها. كأنّها تنسى أن تتنفّس، حتّى أحياناً، وهي لاتزال صاحية، تتفاجأ بأنّها لا تتنفّس، وكأنّ أحدهم يلفّ يداً حول رقبتها ويمنعها من التّنفّس، قبل أن يسمح لها بأخذ نفس واحد فقط بين الحين والآخر، فتأخذ نفساً عميقاً كي يدوم أطول وقتٍ ممكن قبل أن يعاود خنقها من جديد، تماماً عندما يأخذ أحدهم نفساً عميقاً قبل أن يغطس في الماء لأطول فترة يمكن تحملها، وعند آخر نفس يعود إلى سطح المياه ويأخذ نفساً عميقاً.

كان تنفّسها يمنعها من النّوم ونومها يمنعها من التنفس. كانت تتمنى النّوم كمريض يتمنى الموت. النّوم كان بالنّسبة لها نفقاً تتحضّر لتدخله كل ليلة. تحدّق في السّقف والسّتارة التي تحجب القمر الذي تمقته والذي لا يلعب أيّ دور في ليلها... مجاز

كان تنفّسها يمنعها من النّوم ونومها يمنعها من التنفس. كانت تتمنى النّوم كمريض يتمنى الموت. النّوم كان بالنّسبة لها نفقاً تتحضّر لتدخله كل ليلة. تحدّق في السّقف والسّتارة التي تحجب القمر الذي تمقته والذي لا يلعب أيّ دور في ليلها.

حاولت وهي تعدّل من وضعيتها وتسحب الّلحاف جيداً فوقها ليغطي أطراف أصابعها وأصابع الرّجل قربها. وحاولت أن تتذكّر الأسباب الأولى التي سبّبت لها ضيق النّفس هذا. وكانت أعمق ذكرى هي ذكرى ذاك المساء القديم الذي لم تظن حينها أنّها ستحمل وحشته أينما ذهبت وطيلة الوقت الذي مرّ، حتى ذلك المساء الذي باتت متأكّدة أكثر أنّه سيكون طويلاً.

تذكر أنّه في ذلك المساء القديم، كان الصّوت الصّادر عن المدفأة معلناً إشراف أنبوبة الغاز على أن تفرغ كفيلاً بأن يشعرها بفزع البرد... هي التي كانت تأكل وتشرب وتنام وتدرس وتفكر قرب المدفأة. وكان كتاب التاريخ، الذي لا تتعدّى صفحاته الثلاثين صفحة والذي ملّ الجلوس في حجرها، مفتوحاً على ذات الصفحة ولساعاتٍ دون أن تكون قد حفظت منه كلمة واحدة. كانت تشعر بألم يكمش معدتها، كان حينها ألماً جديداً عليها، وكانت الدّموع تنهمر على خديها بصمتٍ يزيد من ألم معدتها غير المفهوم سببه حينها.

أنت تحلم في الليل
وأنا يصيبني الأرق
وأجيبك أنا كما البارحة
"نعم يا عزيزي نمت جيداً، وحلمت بك مثل كلّ ليلة".

لم تستطع أن تحفظ الأسطر الأربعة من تاريخ صلاح الدين الأيّوبي، وكانت مصيبتها الأكبر في تلك اللحظة ما سيتوجب عليها فعله حين تصل إلى الصّف الرّابع متوسط، حيث ستضطّر لحفظ نصوصٍ وصفحاتٍ وآلاف الكلمات من تاريخ كتابٍ آخر. كان همّها كبيراً في تلك الأمسية، وشعرت برعب حقيقيّ تجاه أخيها الذي يصغرها، والذي سيضطر بعد سنتين أن يحفظ هذه السّطور الأربعة. وقلقت على أختها التي تكبرها والتي لعلها تعاني ما تعانيه من تاريخها، وتذكر أنّها حسدت أبيها لأنّه غير مضطّر لأن يواجه الخطر الذي تواجهه هي وإخوتها.

 كان مظلماً ذلك المساء، مثل كل مساء من تلك الحقبة في بيروت، والضوء الوحيد كان ضوء نار المدفأة التي لم تستطع أن تخمد بردها وقلقها حينها. أمّا في أمسيتها الآن التي ستكون طويلة فلا مدفأة قربها ترافقها في أرقها، والضوء الوحيد هو ضوء القمر المتسرّب من باب شرفتها، في حين كان البرد يتسرّب من المكيّف المعلق على الحائط. كان ممكناً لخوف تلك الأمسية البعيدة أن يتلاشى حتى بالرغم من عدم وجود إخوتها وأبيها في المنزل. وكان ممكناً ألّا تشعر بالبرد والوحشة لو لم تكن أمّها تدير لها ظهرها وهي مستلقية على الكنبة أمامها.

كانت أمّها تنام كما تفعل كل مساء بعد نهار طويل متعب، وبعد أن تكون قد قامت بكامل مهامها تجاهها هي وإخوتها. كانت تنام على نفس الكنبة وتدير وجهها إلى الحائط وظهرها لها حيث تجلس على الأرض كل مساء قرب المدفأة ومع الكتاب.

ولكن ذلك المساء كان مختلفاً. كان عند البنت الصّغيرة مهمة صعبة جداً، مسألة وجوديّة عليها حلّها، أربعة أسطر عليها حفظها، وآلام خوف وقلق على مستقبل قريب، في حين أن أمّها تدير لها ظهرها. كانت تعصر عينيها وتخفض صوت بكائها كيلا توقظ أمّها، وفي الوقت نفسه كانت تحاول أن تقلب صفحات الكتاب بعنف علّها تستيقظ وترى حالها والمصيبة التي تواجهها. كيف استطاعت أن تخونها وتنام؟ كيف لم يصلها هذا الذّعر؟

كان يكفي أن تستيقظ والدتها لتعود لها الطمأنينة. كان يكفي أن تضع يدها على كتف ابنتها... لتبقى فتاة صغيرة، كان يكفي أن تكون حاضرة، لتحفظ ابنتها التاريخ... مجاز

لعلها لو لم تدر ظهرها لكانت رأت في عيني ابنتها ذلك القلق. هي التي تقول عنها إنّها لا تستطيع أن تخفي عن أمّها شيئاً لأن عينيها تفضحانها. كانت تتمنّى لو تدير أمّها لها وجهها وتبقى نائمة. كانت متأكّدة أن وجه أمّها سيكسر هذه الوحشة. كانت تراقب كل حركة تقوم بها وهي نائمة، لعلّ حركة تبعد عنها النوم. لقد نامت طويلاً ذاك المساء وكان يجب أن تستيقظ.

 تمنّت لو أن إحدى الجارات تطرق بابهم لتشرب القهوة مع أمّها، فتستيقظ على صوت قرع الباب، أو لو يصل أبوها الآن من عمله فتقوم لتحضر له العشاء. كان طويلاً ذاك المساء، أكثر من قدرتها على تحمّل وحشته، وعندما استيقظت أخيراً، لم تقل لها شيئاً ولم تر الأم الدموع في عيني ابنتها، ولم تشعر بخوفها وذعرها، ولم تجد الكتاب في يدها.

كان يكفي أن تستيقظ لتعود لها الطمأنينة. كان يكفي أن تضع يدها على كتف ابنتها... لتبقى فتاة صغيرة، كان يكفي أن تكون حاضرة، لتحفظ ابنتها التاريخ.

تحرّك قليلاً. قبّل كتفها وهو نائم. وهي ابتسمت، لعلّه يحلم الآن. فكّرت مجدداً بقصيدة بريفير:

أنت تحلم في الليل

وأنا يصيبني الأرق

أراك تحلم وهذا يبكيني

ها هو النّهار وفجأة تستيقظ

وتبتسم مع الشّمس

وأنا أبقى أفكّر في الليل

تقول الكلمات نفسها دوماً

"هل أمضيتِ ليلة جيّدة"

وأجيبك أنا كما البارحة

"نعم يا عزيزي نمت جيداً

وحلمت بك مثل كلّ ليلة".

 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard