شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
لماذا يلجأ رجال مصريون إلى مؤسسات نسوية بحثاً عن حلول؟

لماذا يلجأ رجال مصريون إلى مؤسسات نسوية بحثاً عن حلول؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والنساء

الأحد 19 مارس 202308:28 ص
Read in English:

Why Egyptian men are turning to women's institutions for help

بعد يأسه من جدوى وساطات الأقرباء والأصدقاء الذين طلب منهم التدخل، لم يجد مصطفى محمد (30 سنة) خياراً أمامه سوى اللجوء إلى مؤسسة نسوية لحل الخلاف ودياً مع طليقته إسراء جمال (21 سنة)، بدلاً من المضي في إجراءات المحاكم الطويلة والمرهقة مادياً.

هذه ليست سابقة في مصر. رجالٌ كثر باتوا يترددون على مؤسسات مشابهة، بعد تغير الفكرة القديمة عن أنها تعادي الرجال وتحرّض النساء على التمرد، هذا فضلاً عن نتائج إيجابية حققتها بعضها في توسطها في منازعات بين أزواج، دون حاجة إلى محامين وقضاء.

ولكن قسماً من الأزواج، وفقاً لما تقوله ممثلات عن تلك المؤسسات، يلجأون إليها ليُظهروا أنفسهم أطرافاً باحثة عن حلول، بينما هم في حقيقة الأمر "يحاولون إنهاء الأمر بالطلاق أو الرجوع بشكل ودي، تجنباً لتكبد مصاريف المحاكم الباهظة".

يشير مصطفى إلى صدره ويقول لرصيف 22 بشيء من الانكسار: "أنا عامل في مخبز، ولن أقدر على تكاليف المحاكم والمحامي وإقامة دعوى تفريق وأغراض جهازية ثم إجراءات النفقة وغيرها". لذلك، وَضَع الحل بالتراضي نصب عينيه واستعان في سبيل ذلك بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، ومقرها في حي بولاق الدكرور في محافظة الجيزة، شاعراً بأنها ستكون أكثر حيادية من الأهل وتدخلاتهم المقرونة بالتوتر والتحيز، على حد تعبيره.

تأسست مؤسسة قضايا المرأة المصرية التي تُعرف اختصارا بـ"سيولا" سنة 1995، وترأس مجلس إدارتها الناشطة في مجال حقوق المرأة عزة سليمان، وتعمل على قضايا العنف الموجّه ضد النساء من خلال تقديم المساندة القانونية والدعم النفسي وتنظيم أنشطة هدفها توعية النساء بحقوقهن وتدريبهن على بعض الحرف مثل الحياكة والتطريز لتمكينهن اقتصادياً.

حلول ودّية

قابل مصطفى في تموز/ يوليو 2022 مسؤولة الدعم الاجتماعي والتفاوض في المؤسسة إيمان محمد. وبدلاً من أن تعرض عليه خطة لحلٍ ينهي إجراءات ما بعد الطلاق، اقترحت عليه الرجوع إلى زوجته ولا سيما أنها كانت قد وضعت منذ حين مولودهما الأول. بدا الأمر مباغتاً بالنسبة إليه، لأن الافتراق النهائي كان كل ما يسعى إليه في تلك الأثناء، فرفض على الفور.

تواصلت ايمان مع طليقته إسراء، وبعد جلسات عدة، استطاعت إقناعهما بالجلوس والتحدث سوية، وخلال ذلك ظهرت حلول عدة في الأفق، وأخذا يصغيان لبعضهما وللخيارات المتاحة، واختارا في النهاية الرجوع عن الطلاق.

يقول مصطفى: "بمجرد موافقتنا على ذلك، استدعينا المأذون، وعقد قراننا مجدداً".

أما الزوجة إسراء فتقول لرصيف22: "ذهبت إلى مؤسسة قضايا المرأة من أجل ترتيبات النفقة وإجراءات رؤية زوجي، أقصد الذي كان طليقي، لطفلنا، لكن حدث شيء غريب بعد مناقشتنا لأصل الخلاف، ووجدت نفسي مرحبة بفكرة العودة بعد الحلول التي قدمت ووعود عدم تكرار المشكلة".

وتضيف بدون إخفاء فرحها: "هكذا عقد القران وتعالت الزغاريد ولم تكتفِ إيمان بذلك، بل تتواصل معنا بين الحين والآخر للاطمئنان على أن كل شيء يسير بنحو طبيعي بيني وبين زوجي".

ووفقاً لتقرير أعدته مؤسسة قضايا المرأة في تشرين الأول/ أكتوبر 2022 عبر وحدة الرصد والاستشارات القانونية التابعة لها، بلغ عدد الاستشارات القانونية التي قدمتها لطالبيها من الأزواج من شهر آذار/ مارس لغاية أيلول/ سبتمبر 2022 نحو 382 استشارة متنوعة، النسبة الأكبر منها تعلقت بالخلع ثم التمكين من مسكن الزوجية.

وأشار التقرير إلى أن مكاتب المساندة القانونية أقامت خلال العام 2022 ما مجموعه 111 دعوى، 41% منها قضايا خلع و38% قضايا نفقة. وأرجع التقرير تزايد أعداد دعاوى النفقة إلى ارتفاع معدلات الأسعار وزيادة التضخم وعدم التزام الأزواج بأدائها.

ولفت تقرير المؤسسة إلى أن دعاوى الخلع تشكل الحل الأسرع والأسهل إجرائياً وقضائياً، مقارنة بدعاوى الطلاق، فضلاً عن أن غالبية الأزواج المدعى عليهم ليس لديهم المال لسداد الحقوق المالية المترتبة على الطلاق، لذا تفضل النساء رفع دعوى الخلع.

يقول المستشار القانوني لمؤسسة قضايا المرأة عبد الفتاح يحيي لرصيف22 إن الحل الودي بين الزوجين هو الهدف أو الخيار الأول، وفي حال فشلت المفاوضات بشأن ذلك، تأتي المرحلة التالية بإقامة دعاوى الطلاق أو الخلع والنفقة والتمكين لصالح المرأة، عبر مكتب المساندة القانونية في المؤسسة.

وبحسب الموقع الرسمي للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، بلغت أعداد دعاوى الطلاق في البلاد التي يزيد عدد سكانها عن 100 مليون نسمة، في العام 2021، ما مجموعه 254،777 حالة، من بينها 11،194 حكماً نهائياً بالطلاق، و9197 حكماً بالخلع. وستعلن إحصائية العام 2022 في آب/ أغسطس 2023.

لم أتوقع لجوءه إلى منظمة نسوية

صيف العام 2022، فوجئت رابحة مصطفى (28 سنة)، وهي سيدة من محافظة الجيزة وتعمل موظفة في متجر للسلع الغذائية، بمكالمة هاتفية من مؤسسة قضايا المرأة أبلغتها برغبة زوجها في التفاوض على تفاصيل الانفصال لتجنب الذهاب إلى المحكمة. تقول لرصيف22: "كانت بالفعل مفاجأة بالنسبة إلي، لأنني لم أتوقع أن يلجأ إلى طرف آخر من أجل الوصول إلى حل، وفوق ذلك مؤسسة تخص النساء!".

وتضيف: "تدخلَت أستاذة إيمان لإقناعنا بالعودة إلى حياتنا الزوجية، لكنني رفضت وتمسكت بطلب الطلاق وتنازلت عن حقوقي المادية مقابل الاحتفاظ بحضانتي لابني البالغ من العمر ثلاث سنوات وبالفعل تم الطلاق داخل المؤسسة وأحضروا المأذون ووقعنا عقد اتفاق ليستطيع هو رؤية الولد داخل المؤسسة بواقع ساعتين كل شهر".

رجالٌ كثر في مصر باتوا يترددون على مؤسسات نسوية، طالبين وساطتها، بعد تغير الفكرة القديمة عن أنها تعادي الرجال وتحرّض النساء على التمرد، هذا فضلاً عن نتائج إيجابية حققتها بعضها في توسطها في منازعات بين أزواج، دون حاجة إلى محامين وقضاء

يقول طليقها عبد الكريم محمد ( 35 سنة)، وهو بدوره يعمل في متجر للسلع الغذائية، أن انفصاله عنها جاء بعد تدخلات الأهل التي أفضت إلى مشاكل عديدة صعّبت الحياة الزوجية، لذا فكر بطرف محايد بعيداً عن كل الأقارب، ووقع اختياره على مؤسسة قضايا المرأة.

وذكر لرصيف22 أن موظفات المؤسسة استقبلنه بترحاب واستمعن إليه باهتمام، "دون أن أشعر بأنهن منحازات لطليقتي كون المؤسسة معنية بالنساء".

حاول عبد الكريم ثني رابحة عن عزمها المضي في الطلاق، واستثمر الفترة التي استغرقها المأذون في القدوم، لكي يقنعها بذلك، لكنها رفضت. يقول مستذكراً ذلك اليوم: "الاتفاق على رؤية ابني كان المكسب الوحيد والأهم الذي خرجت به، وأنا ألتقي به مرة واحدة كل شهر في مبنى المؤسسة لمدة ساعتين، نأكل ونلعب سوية".

عقود لتوثيق الاتفاقات

مسؤولة الدعم الاجتماعي والتفاوض في "سيولا" إيمان محمد تقول لرصيف22 إن لجوء بعض الرجال إلى المنظمات النسوية يعني "وصول رسالة تلك المنظمات بنحو صحيح، فدورنا هو الاهتمام بالأسرة بشكل محايد، وحماية الطرف الذي يقع عليه الضرر وهو المرأة غالباً".

وتستدرك: "لسنا ضد الرجال، وهم أصبحوا يعرفون ذلك نتيجة لتجارب إيجابية سابقة أثبتنا فيها ذلك، ولهذا أعداد مَن يتواصلون معنا في تزايد".

وعن مهامها في التفاوض بين الأزواج، تؤكد بأن الأمر في غاية الصعوبة، خاصة من جانب المشكو منه، سواء أكان رجلاً أم امرأة، وتتابع: "في الغالب تُقابَل دعوتنا بعنف وهجوم شديدين والكثير من الشتائم".

تستغرق إيمان في الضحك، تضع يدها على فمها وتقول وهي بالكاد تتمالك نفسها، إن أحد الأزواج قال لها بغضب: "وما دخلكِ أنتِ، جمعياتكم النسوية هي اللي خرّبت البيوت وهدمت الأسر، هي تطلب تدخلك من أجل تهديدي وتخويفي، أعلى ما في خيلها فلتركبه".

وتلفت إلى أن دور المؤسسة لا ينتهي بانتهاء الخصومة، سواء بعودة الزوجين أو بالطلاق ودياً وإبرام الاتفاقات اللاحقة التي تنظم مسائل رؤية الأطفال أو الحقوق المادية، "بل تقدم ضمانات قانونية لكلا الطرفين بتوقيع عقد يتضمن كامل تفاصيل الاتفاق، سواء تسليم قائمة منقولات أو نفقة أو حتى رؤية الصغير واستضافته لدى الطرف غير الحاضن، وتسلم نسخة لكلا الطرفين".

"ذهبت إلى المؤسسة من أجل ترتيبات النفقة وإجراءات رؤية زوجي، أقصد الذي كان طليقي، لطفلنا، لكن حدث شيء غريب بعد مناقشتنا لأصل الخلاف، ووجدت نفسي مرحبة بفكرة العودة بعد الحلول التي قدمت ووعود عدم تكرار المشكلة"

وقد لا يقتصر دور مؤسسة قضايا المرأة على حل المشاكل الزوجية فقط، بل وحتى مشاكل الآباء مع بناتهم. "الفكرة تكمن في توفير بيئة آمنة للنساء بالأخص لحمايتهن من الاعتداءات البدنية أو الجنسية أو الحرمان من الحقوق مثل العمل أو الدراسة أو زيارة الأهل وهكذا"، توضح إيمان.

وعن السياسة التي تتبعها إيمان في التفاوض بين الأزواج، تقول: "في حال التفاوض على استمرار العلاقة الزوجية تُحَدَّد نقاط الاتفاق ويُوَقَّع عقد ودي باحتياجات الأسرة المادية وكذلك يتحدد مبلغ مالي دوري للزوجة لتعتني بنفسها أو لشراء أمور خاصة بها والتنزه، ويتحدد يوم لتزور أسرتها".

ويُرفَض تدخل أهالي الطرفين خلال التفاوض، ولو حتى بإبداء الرأي، كما يُرفض اشتراط الزوج التفاهم مع الزوجة مقابل الإنفاق على أبنائه، وتبين: "نخبره أنه حتى بوقوع الطلاق ستظل ملزماً باحتياجات الأبناء".

وتستمر إيمان كمفاوضة بالتواصل مع الزوجين، وتستقبل شكواهما في حالة وجود أي مشكلة، وتدعوهما إلى اجتماعات دورية للتوعية والتثقيف. وتشير كذلك إلى أن المؤسسة تقدّم الدعم والإرشاد النفسي في حال كان أحد الزوجين يعاني من مشكلة نفسية تتسبب في الخلافات بينهما وذلك من خلال الاختصاصية النفسية في المؤسسة.

أما في حالة الطلاق، تتابع إيمان، فـ"يُتَّفَق على الحقوق المادية والعينية لكل طرف ويُحدَّد موعد للنفقة ويُتّفق على قائمة المنقولات أو مسكن الحاضن، وتتم إجراءات الطلاق في مقر المؤسسة، وفي بعض الحالات يقوم الزوج بتسليم قائمة المنقولات للمؤسسة لثقته بنا كطرف محايد إلى حين استلام الزوجة مستحقاتها".

بعضهم "مضطرون"

ترى المدربة في مجال النوع الاجتماعي في مؤسسة المرأة الجديدة، لمياء لطفي، أن لجوء الرجال المتزايد في الفترة الأخيرة إلى وساطة المؤسسات النسوية هو بدافع الاضطرار وليست قناعة شخصية بدور هذه المؤسسات.

وتروي لرصيف22 قصة شخص زار المؤسسة، ومقرها في حي العجوزة في محافظة الجيزة، في شهر شباط/ فبراير 2023 ليشكو ابنته الشابة ويطلب المساعدة في تقويمها ونصحها، لكنه في الحقيقة "يعنفها باستمرار ويضربها، ويعلم بأنها زارت المؤسسة قبل تركها للمنزل منذ أسابيع، بحثاً عن ملاذ آمن".

لذا تعتقد لمياء بأن زيارة الأب للمؤسسة لم تكن بنيّة حل المشكلة مع ابنته، بل بهدف البحث عنها و"للدفاع عن نفسه، ونفي سوء معاملته لها، بل اتهمها بالجنون، ولأننا لا نحدد أمكنة إقامة الناجيات لمعرفة أماكنهن لأن دورنا هو فقط إرشادهن، فلم نتمكن من إخباره بمكانها".

أما في ما يتعلق بالأزواج، فتذكر أن بعضهم يعلمون أن زوجاتهم سيشكونهم لجمعيات نسوية أو سيوكلن محامين لإقامة دعاوى، فيبادرون للجوء إلى تلك الجمعيات أو المؤسسات "لإظهار أنفسهم في موضع الباحث عن حلول وإنقاذ الأسرة، أو خوفاً من صعوبات وتكاليف التقاضي، لذا يطلبون الحلول الودية".

وتضيف إلى ذلك أن البعض الآخر من الرجال، وبعد استنفادهم الحلول الودية، يتوجهون نحو الجهات الحقوقية كحل أخير لتجنب الصراعات في المحاكم.

يعود تاريخ تأسيس مؤسسة المرأة الجديدة إلى العام 1984 وبدأت نشاطها بتشكيل مجموعة غير رسمية، ثم سُجِلت رسمياً عام 1991 كشركة مدنية غير هادفة للربح باسم مركز دراسات المرأة الجديدة، ثم سجلت كمؤسسة خاصة مع وزارة التضامن الاجتماعي، باسم مؤسسة المرأة الجديدة.

ترأس مجلس أمنائها الباحثة في النوع الاجتماعي نيفين عبيد، وتتمثل رؤيتها في القضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية سواء تعلق ذلك بالمنظومة الثقافية أو السياسية أو التشريعية.

وعن عمل مؤسسة المرأة الجديدة، تلفتُ لمياء إلى أنه يرتكز على قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي من خلال المساندة القانونية وبالأخص قضايا الابتزاز والعنف الجسدي والجنسي وكذلك تقديم المشورة القانونية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard