شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
هل من حقي أن أجد السعادة وحدي؟

هل من حقي أن أجد السعادة وحدي؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

لطالما كانت طموحاتي أكبر من ظروف عائلتي، ولم أقنع يوماً بمقولة "على قد لحافك مد رجليك" التي لطالما ردّدها أبي على مسامعنا. أخبرت الجميع منذ الصغر بكل الأمور التي سوف أفعلها في المستقبل، من دراسة في الخارج وسفر لن ينتهي. أخبرتهم وكأنني أقرأ ما كتب بوضوح في صفحات مستقبلي، دون أية شكوك: "المسألة مسألة وقت بس"، كان ردّي الدائم.

استقبل العديد كلماتي تلك باستهزاء، أو بعدم تصديق بأفضل الحالات. وبالرغم من أن عائلتي، وأمي على وجه الخصوص، لم تنفك أبداً عن دعمي أنا وإخوتي لتوفير ما لم يتوفر لها، إلا أنني أتفهّم شكوكهم بأقوال فتاة في الثامنة من عمرها، في حارة على أبواب أحد المخيمات، لا تزال علامات الحياة غائبة فيها حتى الآن، شاءت الظروف المادية والسياسية أن تتعلم في مدارس اللاجئين الفلسطينيين.

أؤمن بحقي في أن أكون سعيدة، بل لأني لا أؤمن بحقي في أن أجد السعادة وحدي. 

تطلبت النجاة من فخاخ الفقر و"التعتير" الكثير من العمل المصحوب بشيء من الحظ. حظي السعيد هو ببساطة أمي. تلك المرأة العظيمة التي أوجدت طرق الحياة في مشوار شتاتها الطويل ما بين لبنان وفلسطين وسوريا والأردن. أمي التي، بالرغم من أنها لم تنهِ تعليمها، كان تعليمي أنا وإخوتي أولويتها الأولى.

لا زلت أذكر زميلاتي اللواتي كن يرتدين خواتم الخطوبة وهن على مقاعد الدراسة. في الصف السابع بدأ الخوف على مصائرهن يتملّكني. في الصف الثامن بدأت بخسارة بعض صديقاتي اللواتي تركن المدرسة رغماً عنهن، وفي الصف التاسع تأكدت مخاوفي.

في الصف العاشر حصلت على منحة دراسية في مدرسة خاصة تكلفتها أعلى من الجامعات الأردنية، وكنت سعيدة جداً بذلك لأنها كانت البوابة التي احتاجها لتحقيق ما كنت أسعى له منذ الطفولة، دون فرض أعباء مادية على عائلتي. لكني مع كل عام كنت أفكر بعدد الأطفال الذين تربيهم صديقاتي من مدرسة وكالة الغوث، بينما كنت أخطط لمستقبل حرمن منه بقوة الأهل وبطش العادات والتقاليد.

أكرّر, أعتبر "حظي السعيد" أني لم أكبر في عائلة أرادت تزويجي في عمر صغير بحثاً عن "السترة" وظنّاً منها أن الزواج هو الإنجاز الأعظم لأي فتاة. من "حظي السعيد" أني لم أكبر في عائلة يتحكّم فيها الرجال بكل صغيرة وكبيرة، وأن أبي وأخي لم يفكرا يوماً بأن آرائهما أهم من آرائنا. ومن "حظي السعيد" أن نظرات الجيران المتلصصة وأحكامهم علينا لم تقف بوجه أمي التي أسكتت كل من حاول التدخل بي وبأخواتي.

تطلبت النجاة من فخاخ الفقر و"التعتير" الكثير من العمل المصحوب بشيء من الحظ. حظي السعيد هو ببساطة أمي

كل هذه الأمور من المفترض أن تكون أساسيات حياتية متوفرة للجميع، إلا أن واقعنا المؤسف يجعل من أبسط الحقوق "حظاً سعيداً". يؤسفني أن أسميه كذلك، لكن إن لم أفعل أكون مخطئة بحق الكثيرين.

أكتب هذه الكلمات في أحد مطاعم روما، بينما أقوم بزيارة صديق لي في هذه المدينة الجميلة، في طريق العودة من عمان الى باريس حيث جامعتي. تعرّفت على صديقي هذا في عمان في عام 2016، والذي كان عاماً سيئاً جداً لكلينا. كنا نعيش أوقاتاً عصيبة، وكنا في صحبة دائمة مع أشخاص كان لمعظمهم تأثير سلبي وموحش علينا.

لم أره منذ ذلك العام، والآن أصبحنا في أماكن أفضل، نفسياً وجسدياً، لكني وبكل لحظة جميلة أتذكر من ضيعته سبل السعادة ومن لم يحظ بنعمة "الحظ السعيد.". لما تسنّت لي الفرصة لتذوق ما تقدّمه شوارع روما وحارات باريس القديمة؟ لما تسنّت لي الفرصة بالعيش واكتشاف أجزاء من العالم، منها ما أخافني ومنها ما أسعدني، ولم تتسن للميس وفرح ودنيا من مدرستي القديمة؟ ولما وجدت ألواناً مختلفة من السعادة والحب والموسيقى، لم تجدها الكثير من النساء في حياتي اللواتي لا ينقصن شيئاً عني؟

لا أظن أن هنالك شكلاً واحداً للسعادة، ولا أجرؤ على الظن بأن جميع زميلاتي السابقات لم يجدن حظهن في الحياة هذه، لكني أعلم أن الكثير منهن حرمن من المساحة لتخيل حياة مختلفة لم يحدّد مساراتها جميع أفراد العائلة والمجتمع. لربما بعضهن وجد سعادة تختلف عن سعادتي، إلا أن وجود خيار واحد لا يُعدّ خياراً، وكما قال إحسان عبد القدوس: "عشان توافق لازم يكون من حقك إنك ما توافقش.".

لست واثقة بأن زميلاتي وجدن الحق في رفض ما فُرض عليهن من زواج مبكر، وزواج مدبر، وزواج مكرّر، حتى تشبه الابنة الأخت الكبرى، وتشبه الأخت الكبرى أمها التي بدورها تشبه الجدة.

أعتبر "حظي السعيد" أني لم أكبر في عائلة أرادت تزويجي في عمر صغير بحثاً عن "السترة" وظنّاً منها أن الزواج هو الإنجاز الأعظم لأي فتاة. أني لم أكبر في عائلة يتحكّم فيها الرجال بكل صغيرة وكبيرة

"لما وجدت ألواناً مختلفة من السعادة والحب والموسيقى، لم تجدها الكثير من النساء في حياتي اللواتي لا ينقصن شيئا عني؟"، ذلك السؤال الأخير هو عذابي، ليس لأني لا أؤمن بحقي في أن أكون سعيدة، بل لأني لا أؤمن بحقي في أن أجد السعادة وحدي. كيف تستمتع وحدك بدفىء منزلك الزجاجي وأنت ترى الناس في العراء تلتحف بألحفتها؟ قد يتذمر بعض القراء من "عقدة الناجي" هذه، ولا ألومهم على الإطلاق.

هذه العقدة لا تأتي بأي نفع لصاحبها وقد تدفعنا للسؤال: وما البدائل؟ جلد الذات؟ لوم النفس؟ أم السخط على "عالم يسحق العدل بحقارة كل يوم"؟

أتمنى لو بوسعي إنهاء هذا النص بإجابة مفيدة. كل ما استطعت التوصل إليه خلال هذه السنين هو أن القناعة ليست بالضرورة "كنزاً لا يفنى."، أحياناً قد يكون الإيمان الأعمى بهذه المقولة قاتلاً لمن يريد مطالبة العالم بما يستحق.

توصلت إلى أن إحدى مهامي في الحياة هو فعل ما بوسعي لمساعدة الآخرين، بدءاً بعائلتي، بمدّ أرجلهم إلى ما بعد ألحفتهم. قد نشعر بشيء من البرد في البداية، حتى نصل أخيراً إلى دفء غير معهود. دفء لا تقوى عليه مدفأة الكاز.  


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard