شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
لماذا لم أترك والديّ العجوزين حين حدث الزلزال؟

لماذا لم أترك والديّ العجوزين حين حدث الزلزال؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 13 مارس 202311:44 ص
Read in English:

Why didn't I leave my disabled elderly parents during the earthquake?


في شمال مدينة اللاذقية تقع قرية "اللّعْلَيميّة" حيث أعيش مع أمي وأبي العجوزين، في منزل من طابقين، مساحة كل طابق حوالي ثلاثمئة متر مربع. منذ عامين، ونتيجة لعدم جودة البناء، وقلّة خبرة من بناه ومهارته، إضافة إلى العوامل الطبيعية والعمر الزمني للمنزل (حوالي 50 عام) تصدعت سبعة أعمدة في الطابق الأرضي، وكنت أنوي ترميمها خلال الصيف القادم.

الاثنين 6 شباط /فبراير، الساعة الثالثة بعد منتصف الليل بالتوقيت المحلي، جاء التيار الكهربائي، وعلى الفور أشعلت المدفأة الكهربائية في غرفتي،  ثم ذهبت إلى الغرفة المجاورة لأتفقد والديّ اللذين، ولأسباب صحية، لا يستطيعان المشي بدون مساعدة، فأمي لديها كسر في الحوض وأبي مريض ألزهايمر. بعد الاطمئنان عليهما عدت إلى غرفتي لأستمتع بالدفء وأتابع كتابة مقال يتحدث عن فكرة الأمان والاستقرار في هذا العالم الممتلئ بالمخاطر وعدم الاستقرار.

في الرابعة فجراً توقفت عن الكتابة وبدأت أتصفح فيسبوك. كان الطقس ماطراً وعاصفاً وشديد البرودة، لم يمضِ الكثير من الوقت حتى شعرت بشيء غريب! استغرق الأمر عدة ثوانٍ لأدرك أن هناك هزّة أرضية، ما جعلني أقف في إحدى زوايا الغرفة حيث يوجد عمود إسمنتي، متناسياً العواميد المتصدّعة في الطابق الأرضي.

في الثواني الأولى للهزة الأرضية لم أشعر بالرعب والهلع؛ لأنني كنت مسكوناً بالأمل، نعم، الأمل بأنه في الثانية القادمة ستتوقف جدران غرفتي عن الاهتزاز، كان الزمن الذي تستغرقه الثانية كي تنتهي طويلاً، وكان الأمل يضعف مع كل ثانية تمضي. بعد العديد من الثواني الطويلة مات الأمل في داخلي. لحظتها فكّرت بفتح باب غرفتي والقفز من الشرفة، راودتني الفكرة عدة مرات، ولكنني لم أنفذها لأسباب أجهلها.

لحظة توقف الزلزال، خرجت مسرعاً من غرفتي إلى غرفة والديَّ، أبي كان لازال نائماً، وأمي خمّنتُ أنها استيقظت في الثواني الأخيرة للزلزال حين سألتني: "كأنو في رعد قوي برا؟ لأن تختي هزّ شوي!"

بعد أن مات الأمل ولم أقفز من الشرفة، تخيلت أنه في الثواني القادمة سينهار السقف، وستنهار معه أرضية الغرفة وسأسقط مع هذه الأنقاض إلى الطابق الأرضي وأموت. حين أنهيت تخيلي للمشهد تقبّلت موتي. لحظة! هل انتبهتم مثلي لكلمة "تقبّلت"؟ يبدو أنني بعد أن نجوت من الموت أريد أن أثبت لنفسي أنني شخص شجاع ومتصالح مع الموت ولا أخاف منه، بينما الحقيقة تقول إنني لحظتها كنت خائفاً ومذعوراً وعاجزاً ومستسلماً لموتي رغماً عن أنفي. إنه الموت أيها الأحبة، إنه الخصم المرعب القبيح الذي لا يهزم!

اتركنا نموت

لحظة توقف الزلزال، خرجت مسرعاً من غرفتي إلى غرفة والديَّ، أبي كان لازال نائماً، وأمي خمّنتُ أنها استيقظت في الثواني الأخيرة للزلزال حين سألتني: "كأنو في رعد قوي برا؟ لأن تختي هزّ شوي!"، فأخبرتها بأن هناك زلزلاً قوياً كاد أن يهدم المنزل. ردّت على الفور: "اطلاع برا البيت واتركنا أنا وأبوك، نحنا ختايرة وعشنا حياتنا". قلت لها: "سأبقى معكما"، وبدأت أطمئنها بكلام مثل أنّ الزلزال يحدث مرة واحدة، وأن منزلنا متين ولن يتأثر به، وغير ذلك....

حين بدأت أفكر ما الذي سأفعله في حال حدث زلزالٌ آخر خلال الدقائق القادمة زاد خوفي، خاصة أن منزلنا قديم وفيه أعمدة متصدعة.

قلت لنفسي من الحكمة أن أخرج أنا ووالديّ من المنزل، لكنني تراجعت عن الأمر لأن الطقس في الخارج كان بارداً وماطراً، والرياح قوية لدرجة أنهما قد يموتان من البرد، إضافة إلى أن إنزالهما من الطابق الثاني إلى العراء يحتاج كحد أدنى خمس دقائق في حال وجود شخصين آخرين لمساعدتي، أما إنزالهما بمفردي فيحتاج لأكثر من 15 دقيقة. بينما كنت أفكّر بما سأفعله، جاء صوت أمي مرة أخرى مكسوراً خائفاً: "يا بني اتركنا، وطلاع برا البيت". فقلت لها: "لا تخافي راح الخطر، ورح نبقى كلنا بالبيت".

لماذا لم أترك والدي وأغادر المنزل لحظة توقف الزلزال؟

لست بطلاً ولا شجاعاً ولا شخصاً استثنائياً، وأحب الحياة وأكره أن أموت، رغم ذلك بقيت مع والديّ. برأيي؛ ما فعلته، غالبية البشر فعلوه في الماضي والحاضر، وسيفعلونه في المستقبل مع آبائهم وأولادهم وأخوتهم، وربما مع الغرباء، سواء كان هناك زلزال أو فيضان أو حرب وما شابه.

لماذا لم أترك والديّ وأغادر المنزل لحظة توقف الزلزال؟ لأنني أريد أن أنجو، فخروجي من المنزل وتركهما لن يحقق لي النجاة التي أريدها؛ لأنه قد يحدث زلزالٌ بعد خروجي بدقائق وتسقط الجدران عليهما ويموتان، وفي حال حدث ذلك: هل سأكون حقاً قد نجوت بعد أن تخلّيت عنهما؟ هناك من يقول إن الخلاص والنجاة حالة فردية، إلا أنني أرى أن هناك أموراً ومواقف من المستحيل أن تكون النجاة منها بشكل فردي.

لماذا لم أترك والديّ وأغادر المنزل لحظة توقف الزلزال؟ لأنني أريد أن أنجو

لماذا لم أتركهما؟ لأنني تخيّلتُ أمي مرعوبة وعاجزة عن الحركة، تنظر إلى الجدران والسقف وهي تتساقط فوقها وفوق أبي، وفي حال بقيا حيين تحت الركام، وبينما أنا أبحث عنهما، قد أسمع صوت أمي مذعوراً متألماً ينادي: "ياويلي يا رامي، موجوعة يا بني"، وأسمع صوت أبي يقول: "أأأخ .. أأأخ"، فهو لم يعد يتذكرني ولا يتذكر اسمي كي يناديني لأنقذه. وربما يموتان قبل أن أنقذهما.

لماذا لم أتركهما؟ بسبب الأمل نعم الأمل. كان لديّ أمل في حال حدث الزلزال أنّ بيتنا لن يتهدم وسأنجو من الموت أنا ووالديّ، وكان لديّ أيضاً ثقة مبنيّة على الأمل بأنني قادر على إنقاذ نفسي وإنقاذ والديّ في الوقت نفسه، مع أن المنطق يقول في حال حدث الزلزال وبدأ المنزل يتهدم، من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن أنجو بنفسي، فما بالكم بإنقاذ عجوزين شبه عاجزين عن الحركة.

لماذا لم أتركهما؟ لأن النجاة بالنسبة إليّ في مثل تلك اللحظات إن لم تكن جماعية فلا يمكن تسميتها نجاة؛ بل شكل آخر للموت والجحيم.

بعد حدوث الزلزال بأيام عدة قرأت على فيسبوك جملة نُسبت لشاب سوري فقد أهله تقول: "كلهم بخير إلا أنا".

هل كنت سأبقى مع والديّ لو عاد الزلزال؟

بالرغم من أنني لم أترك والديّ، إلا أنني ضد إلقاء اللوم على أي شخص ترك غيره ونجا بنفسه حين حدث الزلزال، لأنه أحياناً في لحظات الخطر والذعر والهلع غريزة البقاء تدفعنا للنجاة بأنفسنا.

في الحقيقة ورغم كل ما قلته حول عدم تركي لأمي وأبي إلا أنني لا أستطيع أن أجزم مئة في المئة بأنني سأبقى معهما في حال حدث زلزالٌ آخر، ورأيت جدران البيت وسقفه تتساقط وأنا عاجز عن مساعدتهما، لحظتها قد تدفعني غريزة البقاء للفرار والخروج من المنزل أو الاحتماء بشيء ما، وترك والديّ يواجهان مصيرهما لوحدهما. وفي حال حدث ذلك وبقيت على قيد الحياة وفارق أبي أو أمي أو كلاهما الحياة، سأعيش حياتي كلها ألوم نفسي.

الآن لدي شعور بأنني شخص محظوظ؛ لأن الزلزال اللئيم لم يرجع مرة أخرى ويدمر منزلي ويجبرني إما على الهروب والنجاة بنفسي، أو البقاء والموت مع أمي وأبي، أو مشاهدتهما يموتان أمامي وأنا عاجز عن فعل أي شيء. شكراً أيها الزلزال لأنك لم تخضعني لهذه التجربة التي سأكون فيها خاسراً ونادماً ومتألماً لامحالة.

منزلي لم يعد آمناً، وخاصة بعد أن زادت الصدوع والتشققات في أعمدته وجدرانه بسبب الزلزال، ويبدو حتى الآن أنه لا مفر من هدم جزء منه وربما هدمه كلياً. كلما فكرت بالأمر أشعر بالحزن والألم؛ لأنه ليس من السهل على الإنسان أن يَهدمَ منزله الذي عاش فيه كل حياته.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard