شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"اغتصبني زوج عمّتي وحبلت فلامتني الأخيرة"... الدفاع عن المغتصِبين والمعنِّفين قانون المغاربة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الجمعة 3 مارس 202305:59 م

برغم أنها كانت فتاةً قاصراً في عمر السادسة عشر، لم تسلم هاجر (اسم مستعار)، من العنف الجنسي. وكم كان الظلم من ذوي القربى أشدّ. تحكي الشابة لرصيف22، أنها تعرضت للاغتصاب في وسطها العائلي قائلةً: "اغتُصبت على يد زوج عمتي، ونتج عن اعتداءاته المتكررة حمل. كنت قاصراً وكان يصحبني دائماً من المدرسة باتجاه منزل عمتي، ويمارس عليّ كل نزواته في الطريق، ويهددني بالقتل إن أخبرت أمي أو أحداً من أفراد عائلتي. استمر الحال هكذا لمدة ثلاث سنوات، حتى اكتشفت زوجة خالي حملي، بعد أن سألت أمي عن سبب انتفاخ بطني".

بعد اكتشاف الحقيقة، وجدت هاجر العون من بعض أفراد الأسرة، وظلماً من طرف أقارب آخرين حمّلوها مسؤولية ما تعرضت له من عنف مضاعَف، بحكم أنها فتاة قاصر.

نصر "الظالم" فرض؟

تقول اليوم إن المساندة التي حصل عليها المغنّي سعد لمجرد، برغم أنه هو المتهم بالاغتصاب، ليست استثناءً، بل هي أمر عاشته من قبل.

وبرغم أن المحكمة الجنائية في باريس قضت بسجن المغنّي المغربي ست سنوات، بتهمة اغتصاب وتعنيف فتاة فرنسية في غرفة في أحد الفنادق الراقية في العاصمة الفرنسية، تعالت أصوات في المغرب عدّت الحكم مؤامرةً ضد الفنان المغربي "الناجح"، وأن الضحية اختلقت الواقعة للقضاء على شهرة الفنان لمجرد، وعبّرت هذه الأصوات عن تضامنها مع الفنان في "محنته"، وعدّته "المظلوم" بهاشتاغ "#كلنا_سعد_لمجرد".

الأصوات التي دافعت عن الفنان المغربي، عدّت كل من تضامن مع الضحية لورا بريول، خائناً، ومتآمراً مع القضاء الفرنسي "غير المنصف". بل وصل الأمر بالبعض إلى شتم وسب المدافعين عن النساء ضحايا العنف، سواء كانوا فنانين أو مواطنين مغاربة.

لا يتعلق كل هذا اللغط هنا بالقضية القضائية للمجرد فقط، بل بمجتمع يطبّع مع العنف بشكل يومي. فكلما تعرضت امرأة للعنف أو التحرش الجنسي، ظهرت أصوات تؤيد الجاني وتلوم الضحية التي تعرضت للعنف أمام مرآهم، وبحثوا عن تبرير لهذا العنف في لباسها، أو خروجها إلى الشارع، أو لانفرادها بالجاني.

اللوم والشتم يظلّان رفيق التحرش والعنف الجنسي الذي تتعرض له الضحية، ولا تواجه المرأة الجاني وحده، بل تواجه جناةً يطبّعون مع كل أشكال العنف الذكوري، وهم ليسوا ذكوراً فقط، بل إناث أيضاً.

في هذا التقرير تحدّثنا إلى هاجر ونساء أخريات من ضحايا العنف أو الاغتصاب، وما تعرضن له من لوم وتطبيع من بعض بنات جنسهن خلال الواقعة أو بعد فضحهن المعتدي.

"عمّتي لامتني بعدما اغتصبني زوجها"

تؤكد محدثتنا هاجر، أن الظلم في الوسط العائلي، بعد اكتشاف حملها، لم يقتصر فقط على المغتصِب، بل امتد إلى أفراد العائلة، ومنهن العمّات وزوجة المعتدي اللواتي دافعن عنه بدل الدفاع عن الضحية.

تقول: "عندما اكتُشف حملي استنطقتني زوجة خالي، وأنا عاجزة عن الكلام بسبب خوفي من تهديد القتل الذي يمكن أن يلحق بي وبأمي وأبي"، وتضيف: "اتجهوا بي إلى الطبيب ليؤكد حملي بالفعل وأنا في السادسة عشر من العمر".

"وجدت دعماً كبيراً من أسرتي، التي ساندتني لتتم معاقبة المغتصب الذي دمّر حياتي وحياة طفلة ضحية لِكَبْتِه. لكن وجدت وسط عائلتي من لامني وهددني بالقتل إذا ما تقدّمت بشكاية ضد المجرم".

بعد أن تعرضت القاصر للاغتصاب لسنوات من طرف زوجة عمتها لامتها الأخيرة وبقية العمات، وأتهمنها أن السبب في العنف الذي تعرضت له. ظاهرة مجتمعية منتشرة في المغرب تلوم الضحايا بدل الجناة

تتابع "هاجر" في حديثها: عمتي كانت أولهم. هي التي كانت تعتني بي منذ صغري وكأنني ابنتها، لأنها لم تكن تنجب. رفضت تصديق رواية اغتصاب زوجها لفتاة قاصر، وادّعت بأنني من غررت به لفعل ذلك، مع العلم أنني كنت فتاةً قاصراً ولا أعرف ما أفعله تحت التهديد.

بنبرة إحباط وتذمّر تقول: ليست زوجته فقط من دافعت عنه، بل كل عمّاتي وقفن في صفه وعددنني أنا المذنبة. المغتصب حُكم بالسجن ثماني سنوات برغم محاولاتهم اليائسة لتبرئته. أنجبت طفلتي ولا زلت أتابع دراستي، لكن عماتي لم يتحدثن إليّ منذ اعتقال الجاني، وكلما سنحت لهن الفرصة كن يلمن ابنة أخوهن التي اغتصبت طفولتها.

تؤكد المتحدثة نفسها، أن اللوم والتطبيع مع المغتصب لم يقتصرا على من ذكرتهم من أفراد عائلتي، بل مع البعض من جاراتنا وتلميذات الثانوية التي تابعت فيها دراستي بعد الحادثة. كن ينظرن إليّ باشمئزاز ويتهرّبن مني.

"الراجل لي ميضربش مرتو ماشي راجل"

تروي فاطمة (اسم مستعار)، لرصيف22، "كنت أتعرض للضرب على يد طليقي أسبوعياً، إن لم أقل يومياً. كلما ناقشت معه سبب تأخره مساءً، يقدم على تعنيفي في منزلنا في الطابق العلوي، وفي الصباح لا ألقى دعماً ولا سؤالاً من حماتي وأخوات زوجي، بل في كل صباح بعد ليلة العنف الدامية التي أتعرض لها، تؤكد أم طليقي أنني السبب في ذلك.

تضيف ابنة مدينة الدار البيضاء متحدثةً عن العنف المنزلي الذي عاشته، قائلةً إن حماتها كانت تشير عليها بالقول: "افعلي كما فعلنا نحن مع أزواجنا. لم نسألهم عن سبب ومكان تأخرهم ومع من كانوا لتحافظي على استقرار بيت الزوجية"، وتصرّ حماة فاطمة على أنها السبب في تحميلها مسؤولية العنف مكرّرةً العبارة التالية: "أنت أبنيتي لي كتقلّبي على العصا، أيوا خليه يعطيك" (يا ابنتي أنت التي تبحثين عن سبب للضرب. دعيه يفعل ذلك إذاً).

ارتفاع أصوات تدافع عن المغتصب والمتحرش، نتيجة لمجتمع تعاني فيه المرأة من الخنوع لسلطة الذكر، وتُحرم من أن تكون كائناً مستقلاً يتمتع بحرية وبحقوق عادلة

تحاول أخوات زوجي الدفاع عنه وتحريضه على ضربي، وحين أحتجّ عليهن يتحجّجن بالعبارة التالية: "دائما تغضبينه، يعود متعباً من العمل ليجدك تتذمّرين، احمدي الله أنه تزوّجك".

تقول الضحية إن عائلتها كانت في صفّ طليقها: "أمي أيضاً ساندت زوجي السابق، ورفضت أن أبلّغ الشرطة عنه خوفاً من الفضيحة والعار الذي سأجلبه للعائلة كمطلقة، بل كانت تؤكد ما تقول حماتي: ‘الراجل لي ميسوط مرتو ماشي راجل’".

تؤكد فاطمة أن عنف اللوم والعبارات الجارحة التي تتلقاها من نساء محيطها، أكبر من ألم الكدمات واللّكمات التي تعرضت لها، وهو ما جعلها تستمر في علاقتها الزوجية العنيفة مع زوجها لسنوات، وتستدرك: "لو كان هناك دعم نفسي منهن لتشجعت منذ البداية على التبليغ عنه وطلب الطلاق".

"التطبيع مع العنف الجنسي"

تسرد أسماء (اسم مستعار)، تجربتها مع التحرش الجنسي والتطبيع الذي رافقه، وتقول الشابة المغربية المقيمة في ألمانيا: خلال العطلة الصيفية من كل عام كنا نزور المغرب أنا وعائلتي، وفي صيف 2009، بدأت أتعرض للتحرش من ابن عمي الذي يكبرني بعشر سنوات. كان يحاول التقرب مني ولمس بعض الأماكن الحساسة في جسدي، حتى صيف 2011، حين حاول تقبيلي ولمس مناطق أكثر حساسيّةً من جسدي. حاولت صدّه وإخبار أمي بالأمر وحاولت هي بدورها إخبار جدتي وزوجة عمي، إلا أن الاثنتين لامتاني بسبب لباسي "غير المحتشم!"، لتأمرني جدّتي بلبس لباس "مستور" و"محتشم" كي لا أثير شهوات أبناء عمي والجيران، ولا أبقى معهم وحدي في الغرفة نفسها والمكان عينه.

تضيف الشابة: لم أتقبل ردة فعل جدتي وزوجة عمي اللتين دافعت عن ابنها في محاولة لتبرئته، وتساءلتُ لو حدث معي الأمر في أوروبا، هل سيكون التعامل معي هناك مختلفاً كلياً؟ لأقرر بعد هذه الحادثة، التي لا يمكن أن أغفرها للمتحرش وأمه وجدتي، رفض زيارة المغرب بشكل قاطع، لأنني أدركت أن هناك تطبيعاً مع كل أشكال العنف.

لا تواجه المرأة الجاني وحده، بل تواجه جناةً يطبّعون مع كل أشكال العنف الذكوري، وهم ليسوا ذكوراً فقط، بل إناث أيضاً

وتختم بقولها: "مع الحكم على المغتصب سعد لمجرد، أتأسف على البعض من أفراد الجالية المغربية في المهجر الذين يدافعون عنه برغم اتهامه من طرف نساء كثيرات بالتعنيف والاغتصاب، برغم معرفتهم بهذا الفعل الإجرامي وعقوبته وأثره النفسي والمادي على الضحايا وعائلاتهم".

ارتفاع أصوات تدافع عن المغتصب والمتحرش، نتيجة لمجتمع تعاني فيه المرأة من الخنوع لسلطة الذكر، وتُحرم من أن تكون كائناً مستقلاً يتمتع بحرية وبحقوق عادلة.

وترى الحركة الحقوقية أنه من أجل القضاء على التطبيع مع هذه الأفعال الاجرامية، تلزم إعادة النظر في إعلامنا والإنتاجات التلفزيونية والسينمائية التي تمجّد الذكورة وما يرافقها من عنف واحتقار للنساء، بجانب تصحيح أفكار شائعة في ثقافتنا الشعبية من أمثال وعبارات وأشعار، تشجع الرجل على ضرب المرأة، كما في المثل القائل: "لي ما يذبح شاتو، وما يسوط مرتوا، موتو خير من حياتو"؛ أي أن الزوج الذي يعجز عن ذبح أضحية العيد بنفسه وضرب زوجته، موته أحسن من حياته.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard