شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"اللي يعيش بوعيه يموت"... 4 شخصيات سينمائية هاربة من الواقع

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الجمعة 3 مارس 202302:13 م

بطل مهمش ينسج من خيالاته عالماً آخر أكثر رحابة ومتعة من واقعه اليومي الرتيب. يحلق في فضاء المخيلة ليحقق رغباته البعيدة المنال، فينعم بحياة رغدة، إذ يقطن القصور، ويرتقي أعلى المناصب، ويقضي أوقاته بصحبة أجمل النساء، ويتغلب على كل ما يحول بينه وبين السعادة.

البطل هو "المنسي"، الذي أدى دوره عادل إمام في فيلم يحمل اسم بطله.

لاذ المنسي بالخيال هرباً من الواقع مثلما يفعل كثيرون في حياتنا العادية، لكن ثمة شخصيات سينمائية أخرى لم يكن الحلم بالنسبة لها تعزية كافية تعينها على تحمل العجز أمام عبثية الواقع وتناقضاته، لذلك راحت تسلك طرقاً غير اعتيادية للفرار من حقيقتها حتى تتمكن من مواصلة العيش، دون أن ينتهي بها الحال إلى الجنون.

1 - أنيس أفندي: كيف أتحمل كل هذا العبث؟

في منتصف ستينيات القرن الماضي، وقبل عام من هزيمة 1967، صدرت رواية "ثرثرة فوق النيل" لنجيب محفوظ كاشفة عن تردي أحوال الشارع المصري وزيف الشعارات وازدواجية المعايير السائدة في الحقبة الناصرية. وإن كانت محملة أيضاً بأفكار فلسفية ووجودية عدة.

قدم النص الأدبي مجموعة من الشخصيات، تمثل شرائح مختلفة من المجتمع ويتمتع بعضها بقدر عال من الثقافة والوعي، لكن فساد المناخ العام وفقدان الشعور بالانتماء دفعاها إلى المخدرات فتجتمع في إحدى العوامات، بشكل يومي، لتعاطي الحشيش واللهو وتبادل الأحاديث في حالة من اللاوعي.

يدين محفوظ استسلام شخوص روايته للضياع، غير مكترثين بما يحدث حولهم، لكنه ينتقد أيضاً الانفراد بالسلطة وقمع الآراء.

تقول إحدى الشخصيات: "لسنا أنانيين لهذه الدرجة. لكننا نرى أن السفينة تسير دون حاجة إلى رأينا أو معاونتنا، وأن التفكير بعد ذلك لن يجدي شيئاً، وربما جر وراءه الكدر وضغط الدم".

بعد وقوع النكسة ودخول البلاد حرب الاستنزاف، انتقلت الرواية من الأدب إلى السينما على يد حسين كمال مخرجاً وممدوح الليثي كاتباً للسيناريو عام 1971. يفتتح الفيلم أحداثه بالشخصية المحورية أنيس أفندي "عماد حمدي" الغارق في تساؤلاته حول سلوكيات الناس، وطريقة تعامل الدولة مع الأزمات وآلية اتخاذ القرار، لكنه يهرب من أفكاره الجادة بـ"الجوزة" لتأخذه بدخانها المخدر إلى عالم الهذيان.

يعجز أنيس أفندي عن مسايرة الواقع دون حشيش، الذي يتعاطاه قبل الذهاب إلى العمل وكتابة التقارير الحكومية المزيفة للحقائق، ويحتاجه خلال مجالسة الآخرين أو حينما ينفرد بنفسه.

هو لا يعرف جدوى الحياة في ظل كل هذا العبث، لكنه لم يكن هكذا طوال عمره، بل إنه في زمن سابق كان مناضلاً سياسياً وصاحب موقف، إلا أن التحولات التي شهدها المجتمع دفعته إلى السخط والتهكم في صمت.

هو لا يعرف جدوى الحياة في ظل كل هذا العبث، لكنه لم يكن هكذا طوال عمره، بل إنه في زمن سابق كان مناضلاً سياسياً وصاحب موقف، إلا أن تحولات المجتمع دفعته إلى السخط في صمت... 4 شخصيات مصرية في السينما هاربة من الواقع

"اللي يعيش بوعيه في الزمن دا يموت من الغيظ"، هذا ما يراه أنيس أفندي ورفاقه في العوامة الذين عبروا عن حالة الانحطاط إذ كانوا جزءاً منها بشكل أساسي، في ظل الفن الهابط، والإعلام المنتفع، ورجال القانون المتلاعبين بمواده، والنساء اللاتي يستخدمن أجسادهن في سبيل المال أو الشهرة. ومع ذلك، جاءت نهاية الفيلم شاهدة على إفاقته من الغيبوبة الطويلة التي دخلها بإرادته، فهي الحل الوحيد لتبدل الأحوال.

لكن فكرة اللجوء للمخدرات هرباً من الواقع ظلت حاضرة في أفلام أخرى، منها "المساطيل" الذي يحمل أيضاً توقيع حسين كمال ومن كتابة وحيد حامد. الفيلم المنتج في أول التسعينيات يقدم مجموعة شخصيات عانت على تنوع ظروفها الاقتصادية والاجتماعية من صعوبات الحياة واختارت أن تنسى همومها بجلسات الحشيش.

كذلك تكررت الفكرة في بداية الألفية الجديدة مع فيلم "خلي الدماغ صاحي" لمحمد صلاح أبو يوسف، لكن شخصياته التي كتبتها منى الصاوي كانت منتمية لطبقة البسطاء حيث تعيش في بيئة فقيرة تبدو الحقوق الطبيعية فيها أحلاماً كبيرة، فتجتمع حول المخدر لتجاوز الواقع، وإن كان الفيلم قد جنح ناحية الجن والعفاريت لتحقيق الرغبات والآمال.

2 - "جوهر": حياة بسيطة بلا قيود

غالبية البشر يسعون للارتقاء بمكانتهم الاجتماعية والطبقية، لكن قليلين هم الأشخاص الذين يتخلون عن كل شيء ويؤثرون العيش على الكفاف، هذا ما فعله أستاذ التاريخ جوهر، هرباً من زيف الواقع، في فيلم "شحاذون ونبلاء" لأسماء بكري، المقتبس عن رواية لألبير قصيري.

الفيلم الصادر عام 1991 تقع أحداثه في قاهرة الأربعينيات نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث عالم فوضوي تتناقل فيه وسائل الإعلام أخبار مدن مجتاحة وقنابل ذرية مبيدة للشعوب.

يولى الجميع اهتماماً للأحداث العالمية، لكن جوهر "صلاح السعدني" يسير هائماً على وجهه بحثاً عن مخدر. فقد قرر ترك حياته الأولى احتجاجاً على الأكاذيب التي يلقنها للطلبة في مادة التاريخ والجغرافيا. وبعدما شعر أن الأجواء كلها ملوثة وخانقة اختار أن يحيا صعلوكاً في حي فقير غائصاً في حياة بسيطة وعبثية.

تحولت الجرائد التي كان يطالعها إلى فراش يتمدد فوقه داخل حجرته المتهالكة الخالية من الأثاث، وتبدلت أفكاره الثائرة على الأوضاع إلى أخرى عدمية، وصار عمله مراجعاً للحسابات في بيت مشبوه.

قرر ترك حياته الأولى احتجاجاً على الأكاذيب التي يلقنها للطلبة في مادة التاريخ والجغرافيا. وبعدما شعر أن الأجواء كلها ملوثة وخانقة اختار أن يحيا صعلوكاً في حي فقير غائصاً في حياة بسيطة وعبثية... شخصيات سينمائية هاربة من عبثية الواقع

يرفض الواقع وقوانينه وأخلاقياته، إذ لا يرى جدوى من الانخراط في أي صراعات أو اللهث وراء ماديات للاستمتاع بالحياة.

ما الفائدة التي تعود على الإنسان من التقدم إذا فقد راحة البال؟ وكيف ينعم بالطمأنينة وهو متورط في منظومة خادعة؟ لا يمكن إذَا التعاطي مع سوداوية العالم إلا بالصعلكة التي تحرر المرء من قيود المجتمع والدولة، فهي "واقع مبهج يعكس بساطة الحياة"، كما يصفها.

يقتل جوهر بائعة هوى تحت تأثير انسحاب المخدر من جسده، لكن ضميره لا يؤنبه كثيراً، بل يتعامل مع الأمر على أنه حدث عارض مثلما تحدث الكثير من الجرائم في العالم من دون أسباب ملموسة.

حتى أثناء مواجهة الشرطي له، ينتصر في نقاشاته على ممثل العدالة الذي يخلع بذلته الرسمية في النهاية وينضم إلى عالم الصعلكة والتسكع. في إشارة واضحة لضعف منظومة القانون في هذا الجو الفاسد.

يتشابه جوهر ورفاقه مع شخصيات روايات ألبير قصيري التي تعيش دوماً على هامش المجتمع، وتنتقد مظاهر الحداثة وما تفرضه من قوانين على البشر. إذ ترفع شعار الاستغناء وتميل إلى تبني فلسفة الكسل وتأمل الحياة، لكونها انعكاساً للكاتب نفسه الذي أقام في غرفة متواضعة بأحد الفنادق الفرنسية عقوداً، ولم يعمل يوماً غي حياته، ورفض امتلاك أي شيء مادي.

أما على مستوى السينما، فقد ظهرت تيمة هجر الحياة الأولى والانغماس في الصعلكة في أفلام أخرى مثل "جنة الشياطين" لأسامة فوزي، المقتبس أيضاً عن نص أدبي. إذ ترك منير رسمي "محمود حميدة" حياته المتكلفة بحثاً عن الحرية والمتعة، وقد وجد في الصعلكة ملاذَا للانغماس في الملذات دون قيود، فصار "طبل" بطريرك المقاهي والشوارع.

3 - "مهدي": حياة خربة و"الحب في الثلاجة"

كان حلم الشباب في بداية التسعينيات التحرر من إرث العقود السابقة والانطلاق نحو تحقيق الذات والأحلام الشخصية، لكن الواقع لم يكن ممهداً، خصوصاً مع انشغال النظام بمحاربة الإرهاب والتوترات التي شهدتها المنطقة إثر حرب الخليج. كانت الخطط العادية مؤجلة في انتظار انفراجة قد تحملها الألفية الجديدة.

لمس الكاتب ماهر عواد حالة الجمود المسيطرة على الشارع المصري وكتب سيناريو فانتازياً غنائياً تحت اسم "الحب في الثلاجة"، الذي كان أول أفلام المخرج سعيد حامد عام 1992.

"مفيش حاجة ماشية غير العمر"

يحكي الفيلم عن مهدي "يحيى الفخراني" الموظف الذي يعاني من خراب حقوقه الآدمية وأحلامه البسيطة حتى عام 2000. فهو ينتظر أن تصل المياه إلى حجرته القائمة أعلى بناية سكنية حتى يمارس حياته الطبيعية، وينتظر أيضاً أن تبنى الشقة التي تعاقد عليها لكي يتسلمها ويتزوج ممن يحب، ويترقب زيادة راتبه الثابت منذ سنوات وتحسين أحواله في العمل، لكن "مفيش حاجة ماشية غير العمر"، كما يقول.

تتوالى إحباطاته خصوصاً مع عدائية المحيطين به وافتقادهم القدرة على التعاطف مع ظروفه، إلى أن يجد حلاً في إعلان تلفزيوني عن ثلاجة يحفظ فيها الجسد مجمداً لمدة معينة كي تبقى وظائفه سليمة. يخوض مهدي التجربة ويقرر المكوث في الثلاجة عدة سنوات ثم الخروج لعيش حياة كريمة في واقع أفضل، فهي بمثابة سفينة نوح التي نجت من الطوفان. لكن العالم الخارجي لا يتركه في عزلته حيث يضطر في النهاية إلى أن يخرج متورطاً في جريمة قتل، ثم يموت شنقاً ليقود بعد ذلك ثورة عالم الموتى ضد الأحياء.

يحمل الفيلم سمات سينما ماهر عواد المنحازة للمهمشين والمهمومة بنقد السلطة ومؤسساتها المختلفة. إذ يقدم منظومة قانون عبثية منشغلة بأسئلة تافهة ويقيم محاكمة هزلية، ومنظومة طبية مروجة للأكاذيب، ومنظومة إعلامية سطحية لا تكترث لأحوال الناس. كما يهاجم شكل العلاقات بين أفراد المجتمع وداخل منظومة الأسرة تحديداً، على اعتبار أنها قائمة على النفعية والاستغلال.

باختصار يعيش مهدى في عالم فاسد كلياً وقد "فرش العفن الطريق".

لم ينجح "الحب في الثلاجة" في دور العرض، رغم تميز التجربة الفنية التي قدمها صناع الفيلم، فقد كان أشبه بمغامرة في سوق سينمائي لا يرحب كثيراً بالاختلاف عن المألوف. الغريب أن سعيد حامد نفسه تعرض لحالة تجميد بعدها، يقول: "ظللت في بيتي سنوات طويلة، فقد ترك الفشل التجاري الكبير أثاره المروعة نفسياً ومادياً علي، خصوصاً أنني شاركت في إنتاجه".

ومع ذلك، فإن فكرة تجميد الجسد التي قدمها الفيلم لم تكن جديدة في السينما تماماً. إذ سبق تناولها عام 1987 في فيلم "قاهر الزمن" لكمال الشيخ، المقتبس عن نص أدبي. صحيح أن الهدف منها كان إنقاذ المرضى دون التطرق إطلاقاً إلى مسألة الفرار من الواقع المعاش، لكن الفيلم يتميز بمنح فكرة التجميد جذوراً مصرية رابطاً إياها بعملية التحنيط وعقيدة البعث والخلود.

4 - "ميت فل": العثور على والدين ثريين

ماذا لو كان بإمكاننا تغيير آبائنا؟ لماذا يُحكم على الفقير بالعيش في بيئة معدمة لأنه ولد فيها؟ أليس من حق كل إنسان أن يبحث عن سبل للترقي في الحياة؟

من هذه التساؤلات ينطلق فيلم "ميت فل" للمخرج رأفت الميهي ليضعنا أمام مشكلة الضيق من واقع قاهر يُجرد فيه المرء من حقوقه الإنسانية، ويعجز عن التمتع بحياته قبل أن يشيخ، فينخرط في أفكار تتناسب مع روح العصر الرأسمالي، حيث كل شيء قابل للبيع والشراء حتى الأصل والنسب.

تبدأ أحداث الفيلم، الصادر عام 1996، بحبيبين، هما كمال ودلال، أدى دورهما هشام سليم وشريهان، يتعاتبان على خداع كل منهما للآخر وإيهامه بالانتماء لطبقة اجتماعية عالية وعائلات ذات نفوذ في المجتمع. يبدو حبهما مهدداً أمام فقرهما وتطلعاتهما المتعلقة بعيش حياة رغدة، ويصبح الحل هو العثور على والدين ثريين ينتشلانهما من البؤس.

وبالفعل، يتحقق مرادهما ويجدان رجلاً على استعداد لتبنيهما بعدما أنكر أبوته لابنه المتأخر عقلياً. ومع ذلك، لا تسير الحياة كما يأملان بل يحنان إلى ماضيهما ويتمردان على الوضع الجديد.

لا سبيل للفرار من الواقع أو النجاة ما دامت الجذور نفسها قد أصبحت فاسدة

يبدو البطلان معذبين في حياتهما الأولى والثانية، فهما يسترقان لحظاتهما الحميمية طوال الوقت، ويواجهان أساليب مختلفة من السلطة الأبوية وينتهي بهما الحال مقموعين وبلا حيلة، فلا سبيل للفرار من الواقع أو النجاة ما دامت الجذور نفسها قد أصبحت فاسدة.

وبشكل عام، تتشابه معاناتهما مع أبطال آخرين في حكايات الميهي السينمائية، ثاروا على أوضاعهم وهجروها بحثاً عن واقع أفضل لكن الحياة لم تكن وردية على الجانب الآخر إذ ظلت المشاكل تلاحقهم متخذة صوراً مختلفة، مثل فوزية التي تغير جنسها في "السادة الرجال".

يطرح الميهي في "ميت فل" فكرة صادمة تهدم قدسية مؤسسة الأسرة التي هي نواة المجتمعات، وتفكك طبيعة العلاقات بين أفرادها في ظل تردي ظروف المعيشة، لكن في إطار عبثي ساخر. فقد تميزت أفلامه بقدرتها على استيعاب الواقع بكل تناقضاته، ثم تجاوزه بأسلوب سوريالي متهكم كي تعريه من دون مواربة. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard