شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"دشمل" وإخوانه... العصر الذهبيّ لكتائب الجهاد الإلكترونيّ ضدّ النساء

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

لم تتخيل شيماء أحمد –اسم مستعار- أن تعليقاً بسيطاً على مشكلة منشورة في مجموعة مغلقة سيفتح في وجهها باباً على أزمات عدة، بدايةً من فسخ خطبتها، وانتهاء بتعرضها لعنف منزلي، باعتبار أنها أساءت لصورة العائلة.

تقول شيماء لرصيف22 إن قصة تعرّضها للملاحقة والعنف بدأت في إحدى المجموعات النسائية المغلقة، حيث شكت زوجة من تعرضها لاغتصاب زوجي، لافتةً إلى أن زوجها لا يبالي باحتياجاتها الجنسية أو حتى بحالتها الجسدية، وكانت أغلب التعليقات تأتي في إطار ضرورة طاعته "حتى لا تلعنها الملائكة"، واعتبار أنها هي المخطئة، إذ ذاك فما كان منها سوى أن وصفت زوجها بأنه مثل الحيوان الذي يمارس غريزته فقط، وأن الإسلام أرقى من أن يجبر النساء على العلاقة الجنسية بمعزل عن رغبتهن.

تعليق شيماء فتح عليها باب التعليقات المضادة، وتحول الأمر لاتهامات بالإلحاد، وبأنها "خرابة بيوت". ثم تحول الأمر لمشاجرة الكترونية دافعت فيها شيماء عن نفسها، حتى جاء تعليق يدعو الله أن يرزقها زوجاً مثل زوج الشاكية، فردت بأنها ستطلق منه فوراً إذا كان كذلك.

تعليق شيماء أُرسل لخطيبها "سكرين شوت" من أكثر من شخص مع تعليقات مثل "من الرجل فيكم؟" و "هتدفع كل ده ومش هتعرف تلمسها؟" و "الحلوة هتبيعك لو طلبت تنام معاها" و"كل حاجة بمزاجها، أنا لو منك أدفن نفسي"، وكان رد الفعل الأول من خطيبها مشاجرة حاولت إنهاءها بالاعتذار رغم أنها لا تشعر أنها مخطئة. إلا أن نفس الرسائل أرسلت لوالد خطيبها مع تعليق "يا ريتك خلفت بنت يا حاج"، الأمر الذي دفع الأب إلى الاتصال بوالد شيماء، وفسخ الخطبة.

ما عرفته شيماء هو أنها ليست الضحية الوحيدة لهذا الشكل من الملاحقة والتتبع، وأن هناك حركة لترصُّد النساء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة فردية، عن طريق صفحات حملت أسماء مثل "فاعل خير" و"جلّاد النواشز" و"موسوعة النواشز" وغيرها

لم يتوقف الأمر عند ذلك، فالرسائل انهالت على أقارب شيماء وإخوتها وزملائها في العمل، وأقارب زوجة أخيها، مما تسبب في حالة من الغضب ناتجة عن الإحراج الذي تعرضوا له. كذلك حرّض أعمامها والدها ليمنعها عن العمل، أو الوجود على وسائل التواصل الاجتماعي، وامتد المنع لشقيقتها الصغرى وعدد من فتيات العائلة، اللواتي وجهن اللوم لها. ثم ضربها شقيقها الأكبر بعد وصول رسائل إلى أصدقائه في العمل، اضطرته لإغلاق حسابه على فيسبوك.

استطاعت شيماء لاحقاً إعادة فتح حسابها على فيسبوك بعد تعهدها عدم نشر تعليقات مشابهة. كما استطاعت تحسين علاقتها بوالدها الذي كان يرى منذ البداية أنها لم تخطئ، لكنه – حسب حديثها لرصيف22- وقع تحت ضغط من حوله. كذلك حسّنت علاقتها بشقيقها وبقية العائلة. علماً أنها فقدت عملها بسبب الغياب، لكنها استطاعت إقناع والدها بتحرير محضر في مركز شرطة الاتصالات لتتبع هذه الحسابات، إلا أنها على مدار شهرين لم تتلق أي رد بشأن بلاغها.

تحركات فردية

ما عرفته شيماء هو أنها ليست الضحية الوحيدة لهذا الشكل من الملاحقة والتتبع، وأن هناك حركة لترصُّد النساء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة فردية، عن طريق صفحات حملت أسماء مثل "فاعل خير" و"جلّاد النواشز" و"موسوعة النواشز" وغيرها.

موقع "فاعل خير" تحديداً، كتب أن هدفه الأساسي هو "تنبيه الأهالي الغافلين إلى تفاعل بناتهم على الإنترنت".

المحاولات التي تقوم بها الصفحات التي سبقت الإشارة إليها على فيسبوك، ظلت متفرقة حتى جاءت قناة "دشمل" على "تليغرام" وتولّت رصد النساء وملاحقتهن والتحريض عليهن. 

رغم أن قناة "دشمل" يستخدم أفرادها محتوى جنسياً طوال الوقت في تعليقاتهم، إلا أنهم رأوا أن استخدام النساء لتعليقات جنسية في إطار المزاح في مجموعة مغلقة؛ أمر لا بُد من معاقبتهن عليه، فقاموا بتتبع صاحبات التعليقات ونشر بياناتهن وبيانات ذويهن

كل النساء هدف لـ"دشمل"

أولى رسائل القناة التي تحمل اسم "دشمل" على تليغرام، ظهرت في 14 سبتمبر/ أيلول الماضي، وأشارت إلى أن القناة ما هي إلا مواصلة لجهود قناة سابقة أديرت لنفس الأهداف.

الرسالة المقصودة تحرض على سيدة مصرية وتحث أعضاء القناة البالغ عددهم -حتى لحظة نشر هذا التقرير- 8200 شخص على مهاجمة حساباتها.

البوست المثبت الثاني، نشر يوم 14 فبراير/ شباط الجاري، ويحرض على السياسي الدنمراكي راسموس بالودان، ناشر بيانات حساباته وهواتفه الشخصية وأرقام حساباته البنكية وبيانات أخرى.

وبين هذا وذاك جرى نشر آيات قرآنية عن محاربة أعداء الله وإرهابهم، وتحريض على نساء كثيرات بنفس المنهج الذي اُتبع مع شيماء.

باحثة: هناك تشابه بين خطاب "دشمل" ومنشورات وفيديوهات الداعية المعروف عبد الله رشدي، الذي بنى شهرته على التحريض ضد النساء واستخدام خطاب تحقيري ذي صبغة جنسية في منشوراته عنهن

"عدو الله وعدوكم"

 في أحد المنشورات على القناة كتب الأدمن: "في غلط كبير الناس بتقع فيه للأسف، مفيش حاجة اسمها اتناقش مع امرأة؟". ويصف باقي المنشور- الذي يتضمن كلمات ذات إيحاء جنسي- النساء بأنهن مثل الحمار العنيد. 

إلا أن الواقعة التي تسببت في شهرة دشمل كانت أزمة مجموعة women’s world وهي مجموعة نسائية تضم أكثر من ثمانية الآف عضوة. وقد استطاع أفراد دشمل اختراقها، والحصول على صور "سكرين شوت" من تعليقات الفتيات والنساء على العديد من الموضوعات في إطار المزاح. ورغم أن قناة "دشمل" يستخدم أفرادها محتوى جنسياً طوال الوقت في تعليقاتهم، فهم رأوا أن استخدام النساء لتعليقات جنسية في إطار المزاح في مجموعة مغلقة أمر لا بد من معاقبتهن عليه، فقاموا بتتبع صاحبات التعليقات ونشر بياناتهن وبيانات ذويهن، بالإضافة إلى بيانات مؤسِّسة المجموعة. كما هدد أدمن "دشمل" كل الفتيات اللاتي علقن على منشورات المجموعة، وإن خرجن منها. 

بسبب الأزمات التي جرت لعضوات مجموعة women’s world، قامت كوكبة من المجموعات النسائية بتصفية حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر مسؤول قناة "دشمل" صورة من محادثة عبر تطبيق الواتسآب مع مؤسسة إحدى المجموعات تفيد بأنها قامت بتصفية المجموعة بنفسها، كعربون لمؤسس الغروب حتى لا ينشر أي سكرين شوت أو الإتيان على ذكرها. 

تتبع رصيف22 محتوى قناة "دشمل" وحصل على صور لعدد من المنشورات، عرضناها على الباحثة سعيدة حسن المتخصصة في تحليل الخطاب الإعلامي، والتي لاحظت وجود تشابه بين خطاب "دشمل" ومنشورات وفيديوهات الداعية المعروف عبد الله رشدي، الذي بنى شهرته على التحريض ضد النساء واستخدام خطاب تحقيري ذي صبغة جنسية في منشوراته عنهن. واختارت الباحثة موضوع التحرش لتظهر التشابه بين الاثنين. 

أزمة جامعة سيناء 

كان في عداد ضحايا قناة "دشمل" طالبة جامعة سيناء م.ع، بعدما نشر أحد زملائها تعليقاً لها اعتبره "إساءة للإسلام" على تويتر، وطالب الجامعة بالتحقيق معها، وهو ما استجابت إليه الجامعة لكنها أمرت لاحقاً بحفظ التحقيق. 

القناة لم تكتفِ بنشر تدوينة الفتاة مع التحريض عليها، بل نشرت جميع بياناتها وبيانات أفراد أسرتها، فيما حرّض عدد من أفراد المجموعة عليها، إذ اعتبر أحد المتابعين أن العيب هو أن تفصل جامعة سيناء الطالبة، "ونتركها نحن دون أن نفصل رأسها عن جسدها". 

بعض النساء اللاتي تم التحريض ضدهن باتت حياتهن في خطر، وبالتالي إذا تعرضن لمكروه ما، فأعضاء هذه القنوات متهمون بالشروع في القتل أو التحريض على القتل

في المقابل، انصاعت الجامعة لمطالبات التحقيق مع الطالبة، وهو ما دفع عدداً من المؤسسات النسوية إلى إصدار بيانات تطالب فيها بإيقاف العنف الالكتروني ضد النساء، كما تضامنت جملة من الشخصيات النسوية مع الطالبة المذكورة، التي قالت في التحقيقات إن التدوينة المنسوبة إليها نشرت أثناء فترة اختراق حسابها، ثم عادت ونشرت عبر خاصية "ستوري" نصاً مفاده أنها تقدمت ببلاغ ضد القناة، وقد تم التعامل معها بصورة جيدة.

ليس "دشمل" وحده

يقول المحامي ياسر سعد إن "دشمل" ليست المجموعة الوحيدة على تليغرام التي تستهدف النساء، فهناك قنوات أخرى تستهدفهن عبر نشر بياناتهن وصورهن الخاصة في المجموعات، سواء حصل أصحاب المنشورات تلك على الصور من خلال جمعها من حسابات الفتيات على السوشيال ميديا، أو عبر علاقات جمعتهم بهن، علماً أن عدداً من الفتيات ذهبن له، وساعدهن في تقديم بلاغات ضد المحرضين. 

وأضاف سعد أن هذه القنوات لا تمارس الجرائم المنصوص عليها في قانون المواقع الإلكترونية مثل النشر والتحريض والابتزاز فقط، بل يمارس مرتادوها أيضاً جرائم منصوص عليها في قانون العقوبات العام. وذكر أن بعض النساء اللاتي تم التحريض ضدهن باتت حياتهن في خطر، وبالتالي إذا تعرضن لمكروه ما، فأعضاء هذه القنوات متهمون بالشروع في القتل أو التحريض على القتل، مشيراً إلى أنه من المنتظر أن يلتقي النائب العام قريباً بسبب هذا التحريض

النسويات لسن هن الهدف الوحيد لهذه القنوات، ففي البداية كن هن ضحاياها ثم تطور الأمر لدى من يديرونها بعدما شعروا بالقوة والمناعة ضد المحاسبة، مما جعلهم يستهدفون أي فتاة لا يعجبهم سلوكها

وأوضح سعد أن وزارة الداخلية بعد تقديم البلاغات، قالت إنها لا تستطيع التوصل إلى أصحاب هذه القنوات أو إغلاقها، لأن التواصل مع شركة تليغرام صعب، والسيرفرات الخاصة بها موجودة في دولة الإمارات، وبالتالي لا تخضع للقوانين المصرية أو حتى الأوروبية، عدا أن الشركة نفسها تتجاهل الرد علي السلطات المصرية، "رغم أننا شاهدنا في الكثير من القضايا السياسية استخدام السلطات المصرية لأدواتها للوصول إلى مستخدمي التطبيق داخل مصر، وهو ما يمثل حالة من الازدواجية يمكن تفسيرها بأن السلطات الأمنية لا تريد الكشف عما تستطيع فعله مع تطبيق التليغرام". 

النسويات لسن الهدف الوحيد

من جانبها قالت آية منير مؤسِّسة مبادرة "سوبر وومن" إن النسويات "لسن هن الهدف الوحيد لهذه القنوات، ففي البداية كن هن ضحاياها ثم تطور الأمر لدى من يديرونها بعدما شعروا بالقوة والمناعة ضد المحاسبة، مما جعلهم يستهدفون أي فتاة لا يعجبهم سلوكها. فطالبة جامعة سيناء تحمل فكراً مغايراً لأفكار المجتمع، ولكن في حالات كثيرة أخرى يتم استهداف فتيات ليس لهن علاقة بالنسوية وينتسبن إلى مجموعات نسائية مهتمة بالطبخ والملابس وهن يمزحن ضمن هذه المجموعة بأسلوب يعتبره هولاء المترصدون غير لائق".

وتابعت آية: "حتى الآن لم نر أي تعامل أمني جاد، إذ يتم التعامل مع البلاغات بشكل منفصل، رغم مطالبتنا بفتح تحقيق يشمل جميع البلاغات مرة واحدة لأنها قضايا متصلة، وليست قضايا منفصلة. وننتظر تحرك النيابة أو النائب العام، مشيرة إلى أنه برغم أن تطبيق التليغرام ضعيف في الرد على المشكلات، هناك ظهور لأصحاب هذه الحسابات على منصات أخرى يمكن تتبعها والوصول إلى مديرها عبرها".

هناك سببين لوجود مثل هذه القنوات على التليغرام، الأول لتحقيق الربح عن طريق جمع أعضاء عبر نشر صور جنسية وبعد جمع عدد كبير من الأعضاء يقوم ببيعها عقب مسح المحتوى المنشور. أما السبب الثاني فهو الكراهية، لا سيما أن تطبيق التليغرام لا يخضع للتدقيق من قبل الشركة المالكة

وأشارت إلى أن هذه القنوات تمثل تنامياً لحالة من العداء ضد النساء والحركة النسوية، "ولأن الحركة النسوية تشهد حراكاً، فذلك يمثل بيئة خصبة لأشخاص يحملون عداءً ضد الحريات وضد النساء لتوجيه منظم للشباب من أجل مهاجمة النساء وتهديد أمنهن، وهذا العداء هو الذي أنتج حادث نيرة أشرف وغيرها من النساء". 

وقال أحمد حجاب، مهندس الاتصالات والمطور الرقمي، إن هناك ضرورة للتفريق بين منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك الذي ينشر المحتوى لجمهور عام، وبين تطبيقات المراسلة المشفرة التي يتم تبادل الرسائل فيها بين طرفين أو عدة أطراف مثل التليغرام والواتسآب.

وأضاف حجاب أن هناك سببين لوجود مثل هذه القنوات على التليغرام، "الأول لتحقيق الربح عن طريق جمع أعضاء عبر نشر صور جنسية للنساء أو للأطفال أو لأي محتوى آخر. وبعد جمع عدد كبير من الأعضاء يقوم ببيعها عقب مسح المحتوى المنشور. أما السبب الثاني فهو الكراهية، لا سيما أن تطبيق التليغرام لا يخضع للتدقيق بصورة كبيرة من قبل الشركة المالكة".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard