شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
كيف تربكنا الرائحة بين أمهاتنا والمطابخ؟

كيف تربكنا الرائحة بين أمهاتنا والمطابخ؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الثلاثاء 21 مارس 202311:05 ص

فصوص ثُوم مهروس قفزت في سمن قُدح على النار مع الكزبرة الناشفة، شعرية غارقة في اللبن الساخن بليلة شتاء باردة، كيكة فانيليا لرحلات اليوم الواحد، المحشي والمكرونة بالبشاميل يوم رجوعي من السفر، طعمية ساخنة في عيش فينو، كعك وبسكويت عيد الفطر، فتة اللحم الضاني صباح عيد الأضحى، "عاشورا" في العاشر من محرم، كنافة أول رمضان.

رحلت أمي منذ أربع سنوات تقريباً، ولم تغب عن وجداني قط كلُّ هذه الروائح والذكريات التي كانت تنبعث من مطبخها بحب يمكنه إنارة الكون.

اكتشفت في أثناء تصويري فيديو يوثّق ما تتركه لنا أمهاتنا من روائح تؤنسنا في البُعد، مادياً كان أو معنوياً، أن غالبية إجابات صديقاتي -ضيوف الفيديو- دارت حول الأكل والأكلات. يبدو لي الأمر كاتفاق ضمني بين الأمهات بأن تصك عُملة أمومتهن في المطابخ.

ثقافة مجتمعاتنا الشرقية تقدس الطعام، لا تكتمل احتفالاتنا دونه، في الفرح والحزن على حد سواء، لدينا "منيو" حافل يربط كل مناسبة بوصفة طعام تميزها، كُتب هذا المانيفستو بأيادي أمهاتنا، وأدارت تحريره بأداء مشترك بينهن يثير الدهشة.

وصفة المحشي: تقدم كطبق أساسي في العزومات وللمغتربين، وصفة منع الحسد: تقدم مع أعواد البخور ورشة ملح، وصفة ليلة الدخلة: تقدم مع الحمام المحشي أو سمك الاستاكوزا حسب الطبقة الاجتماعية، وصفة الحِداد: تقدم الفتة واللحم في العزاء مع حنجرة عبد الباسط عبد الصمد الساخنة، وتقدم مع معجنات بالزبيب (القُرَص) في المقابر، وصفة شم النسيم: تقدم مع الفسيخ والرنجة والبصل الأخضر، وصفة الكريسماس: تقدم مع "كوكيز" الزنجبيل والشوكولاتة، وصفة السبوع: تقدم مع مشروب المُغات والحلبة.

مهما ساعدها آخرون، تلعب الأم دور البطولة المطلقة في جميع سيناريوهات المطابخ في غالبية الأحيان. تظل أنت تتفاعل مع تلك الوجبات المقدسة بشكل روتيني غير منتبه لتفاصيلها، حتى تغترب عن أمك وتمرّ ذكرى إحدى هذه المناسبات، فلا تستطيع أن تفصل رائحة الأكلة عن رائحة جلد أمك وجلبابها وصورتها الذهنية التي أدركتَ الآن فقط أنها مقدسة. 

ثقافة مجتمعاتنا الشرقية تقدس الطعام، في الفرح والحزن على حد سواء، لدينا "منيو" حافل يربط كل مناسبة بوصفة طعام تميزها. يبدو لي الأمر كاتفاق ضمني بين الأمهات بأن تُصكّ عُملة أمومتهن في المطابخ.

لن تهضمي الأمومة دون أن تحترفي الطهي!

لم تكن أمي تجيد الأعمال التي تتطلب صبراً طويلاً، مالت إلى الوصفات السريعة والهدايا الجاهزة. لم تُطِق أعمال الكاناڤا والكروشيه وما شابه، لذا أمتن كثيراً لأعياد ميلادي التي كانت تنظمها لي في الصغر، مقيدة "خُلقها الضيق" ومنتصرة لأمومتها.
كانت تصنع حلوى "البيتيت-فور" وكعكة عيد الميلاد من الصفر بنفسها، تحضر كيكة إسفنجية من اليوم السابق لعيد الميلاد وتتركها في الثلاجة. تستيقظ صباح اليوم التالي مبكرا لتبدأ عملية التزيين:
تلعب الأم دور البطولة المطلقة في جميع سيناريوهات المطابخ في غالبية الأحيان

تقسم الكيكة لطبقتين متساويتين وتضع بينهما مُربى الفراولة التي تفضلها صاحبة عيد الميلاد، تصنع "كريم شانتيه" بالمضرب الكهربائي، تغطي به الكيكة، ترسم بالفواكه اسمي وسني على سطح التورتة، تطحن المكسرات والفول السوداني يدوياً، عن طريق وضع الكمية المطلوبة في كيس قماش، وتبدأ الدق فوقه بيد "الهون" أو إحدى أدوات المطبخ الخشبية المتاحة، ثم تلصق ذلك المسحوق على الكريم شانتيه، الذي يغطي جوانب الكيكة، ثم تسكن الكيكة الثلاجة مرة أخرى حتى يبدأ الحفل مساء.

أصحو أحياناً بنصف قلب، بعد ليل منهك مع صغيرتي ذات التسعة أشهر، أتخبط في طريقي إلى المطبخ وأتسمّر على بابه بلا أدنى طاقة لتحريك ملعقة شاي. يسألني مخي كيف نصنع القهوة باستنكار كأنني لم أجربها يوماً، أنا التي صاحبتها خمسة عشر عاما أو يزيد.

لن أدخل المطبخ. سأطلب القهوة جاهزة، فقط أرتاح اليوم... يوقظني من الأحلام الوردية صوت يقول: الصغار لا يكبرون أبداً على الوجبات السريعة الجاهزة. أعود إلى المطبخ حاملة أوجاعي المختلطة بحبي واهتمامي، محتضنة البنت على صدري وأحضّر إفطارها بمهارة لم أتصور أنني أمتلكها يوماً قبل أن أصبح أماً.

تبتلع المطابخ أوقات الأمهات وطاقاتهن، وربما أحلامهن وطموحاتهن. هناك في المطبخ لا ميزان للوقت، ولا وقت للموازنة. تحفر الأمهات بصماتهن على السكاكين والخلاطات وأعين البوتجازات. تطبع نبضات قلوبهن على ميقات الأفران، تختلط دموعهن مع الصلصة ونكهات التوابل. هناك في المطبخ يتعلمن دروس الصبر والعطاء والتفاني والحكمة.

تحفظ الأمهات المقادير بأحاسيسهن لا بالمليمتر أو الكوب والملعقة. هذه أم تستخدم في وصفتها السحرية "حبة كذا" أو "شوية كذا"، تطفئ النار باستخدام حدسها ونظرتها دون أن تتذوق، تماماً كما تعلم حال أبنائها بنظرة، وتشعر إذا أصابهم مكروه وهم في آخر الدنيا، وتنذر أحدهم بأن يبتعد عن هذا الصديق لأنها "غير مرتاحة له" دون إبداء أسباب، وفي نهاية الرحلة يفوز حدسها عن جدارة بجائزة أفضل قرون استشعار في العالم!

كتبت أمي أناشيد قالت في مقدمتها إنني سأغنيها في عيد الطفولة بالحضانة. لا أتذكر كلمة من تلك الأناشيد البعيدة ولا أحمل صوراً للحفل ذاته، لكنني أحفظ وقع خط ماما عليَّ عن ظهر قلب.

أحن إلى خط أمي

هذا شرح مختصر لوصفات طعام على قصاصات ورقية صفراء مكتوبة بخط الرقعة الرشيق، أو ملاحظات دوّنتها أمي على جوانب ذاك العمود من الجورنال الورقي المنشور فيه الوصفات في صفحة "لكِ يا سيدتي"، وبالتحديد وصفة "فطيرة شم النسيم"، التي كانت تنساها دوماً. كل عام لا بد من البحث الجماعي عن تلك الورقة، التي تحوي طريقة عمل هذه الفطيرة، ثم تقوم واحدة منا، الثلاث بنات، بالوقوف بها على باب المطبخ قارئة الخطوات على أمي لتنفذها بدقة.
تصبر على العجين مغطَّى بفوطة لساعات طويلة حتى يتخمّر، ثم تبدأ تضفير العجين بعد أن تضيف له الزبيب، فتدهنه بصفار البيض لتحصل على لون لامع، ثم تدخلها الفرن وتشعل حماستنا بالرائحة السحرية التي تخرج منها.
 كنا نجلس على أرض المطبخ أمام الفرن نراقب الفطيرة من خلال الزجاج الشفاف ترتفع وتتلون، سحر يُؤثر، خلقته أمي بعصاها التي حملتها روحها طوال حياتها معنا ولا تزال آسرة حتى بعد رحيل جسدها.
تكاد رائحة الفطيرة تنبعث من خط أمي الباقي على صفحة الوصفة، تسيطر على أنفي بينما أنتقل إلى ملاحظات أخرى دوَّنتها في نهايات كراسة بجَلّاد أحمر قديم يحمل اسمي والصف الثاني من الحضانة، كتبت أناشيد قالت في مقدمتها إنني سأغنيها في عيد الطفولة بالحضانة.

لا أتذكر كلمة من تلك الأناشيد البعيدة ولا أحمل صوراً للحفل ذاته، لكنني أحفظ وقع خط ماما عليَّ عن ظهر قلب.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard